عربي ودولي

عون يتعهد إبعاد لبنان عن نيران نزاعات المنطقة

عون يتلقى التهنئة من الحريري بعد انتخابه رئيساً للبنان (أ ف ب)

عون يتلقى التهنئة من الحريري بعد انتخابه رئيساً للبنان (أ ف ب)

بيروت (وكالات)

طوى لبنان أمس أزمة الفراغ الرئاسي الممتدة من 25 مايو 2014، بانتخابه أمس العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية في جلسة لمجلس النواب لم تخل من المفاجآت، حضرها جميع الأعضاء ال127 (من أصل 128 بعد استقالة النائب روبير فاضل قبل أشهر)، بدأت بفشل المرشح في تأمين أغلبية الثلثين المطلوبة في الدورة الأولى (86 صوتا) حيث لم يحصل سوى على 84 صوتا مقابل 36 ورقة بيضاء و6 أوراق ملغاة وصوت للنائب جيلبيرت زوين.

وجرت دورة ثانية لم تحتسب بسبب «الصوت الزائد» حيث تم العثور في صندوق الاقتراع على 128 ورقة بينما يفترض أن يكون العدد 127، وتكرر الأمر في دورة ثالثة لم تحتسب أيضا لنفس السبب، الأمر الذي دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى وضع صندوق الاقتراع في وسط القاعة، ودعوة النواب فردا فردا لوضع أوراق الاقتراع، ليعلن بعدها فوز عون بالأكثرية المطلقة (83 صوتا)، متجاوزا الحد الأدنى للفوز بهذه الجولة وهو 65 صوتا (النصف زائد واحد)، مقابل 36 ورقة بيضاء، و7 أوراق ملغاة وصوت واحد للنائبة ستريدا طوق جعجع.

وفور إقفال جلسة الانتخاب ال46، افتتح بري جلسة القسم، شاكراً الحكومة ورئيسها تمام سلام على الصعاب كافة التي تخطتها، بغية الوصول إلى تلك اللحظة، ومتوجها إلى الرئيس المنتخب قائلاً «اليوم وقد أنجز مجلس النواب الاستحقاق الرئاسي بانتخابكم فانه يعهد إليكم باسم الشعب قيادة سفينة الوطن إلى بر الأمان فيما تعصف بنا الأمواج، وتتلاطم من حولنا، وتهدد بتقسيم المقسم من أقطارنا ومن أقطار جوارنا العربي ودخول المنطقة في حروب استتباع لا تنتهي».

وأضاف بري «إن لبنان يمر والمنطقة بمرحلة حساسة، لاسيما وسط التهديدات الكبرى وأبرزها الإرهاب، والأولوية للتفاهم وإقرار قانون للانتخابات..انتخابكم يجب أن يكون بداية وليس نهاية وهذا المجلس على استعداد لمد اليد لإعلاء لبنان». ورأى أن التهديد الفعلي المستمر للبلاد فإنه ينبع دائما من عدوانية إسرائيل التي تستهدف لبنان كونه المنافس الاقتصادي المحتمل لها في نظام المنطقة، وقال «إن إحدى القضايا الأساسية هي وقف استنزاف ثروة لبنان البشرية وهجرة الشباب فلبنان لن يحلق إلا بجناحيه المغترب كما المقيم».

وأدى عون اليمين القانونية ليكون الرئيس الثالث عشر للبنان منذ الاستقلال قائلا «إنني سأحترم دستور الأمة اللبنانية وقوانينها، وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه»، ثم بدأ خطابا أوضح فيه برنامج حكمه الذي يفترض أن يستمر 6 سنوات، قائلا إنه أتى رئيسا في زمن عسير، ومشيرا إلى ضرورة تخطي الصعاب وليس مجرد التآلف والتأقلم معها وتأمين استقرار يتوق إليه اللبنانيون. وقال «إن الاستقرار المنشود لا يمكن أن يتأمن إلا باحترام الدستور من خلال الشراكة الوطنية، لذا يجب تطبيق وثيقة الوفاق الوطني (الدستور) بكاملها ودون استثنائية وتطويرها إذا استدعت الحاجة»، وأضاف إن المناصفة الفعلية بين المسلمين والمسيحيين، لا تتأمن إلا عبر قانون انتخابي يؤمن عدالة التمثيل.

وشدد عون على ضرورة اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي، حفاظاً على الوطن واحة سلام واستقرار، متعهدا بمكافحة الإرهاب وإبقاء لبنان بعيدا عن نيران الحرائق الإقليمية، وقال «لبنان السائر بين الألغام لا يزال بمنأى عن النيران المشتعلة حوله في المنطقة ويبقى في طليعة أولوياتنا منع انتقال أي شرارة إليه، من هنا ضرورة ابتعاده عن الصراعات الخارجية ملتزمين احترام ميثاق جامعة الدول العربية»، وأضاف «سنتعامل مع الإرهاب استباقيا وردعيا وتصديا حتى القضاء عليه».

لكن عون لم يشر إلى بعض أبرز القضايا الخلافية التي تواجه لبنان وهي ترسانة «حزب الله» وموقف لبنان من الحرب في سوريا، وقال مكتفيا بالقول إن أي حل للصراع السوري يجب أن يبدأ بضمان عودة اللاجئين سريعا إلى بلادهم بالتنسيق مع الأمم المتحدة، مشددا في الوقت نفسه على أن المخيمات والتجمعات السورية في لبنان يجب ألا تتحول إلى مخابئ للمسلحين. ولفت أيضا إلى حرص لبنان على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين في لبنان إلى أراضيهم.

وشدد على ضرورة تسليح الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، وقال «مشروع تعزيز الجيش سيكون هاجسي ليصبح جيشنا قادرا على ردع المعتدي على أرضنا، لكن بلوغ الاستقرار الأمني لا يتم إلا بتنسيق كامل بين المؤسسات الأمنية والقضاء، مطالبا بتحريرهما من التبعية السياسية. وأضاف في ما يتعلق بالصراع مع إسرائيل»إننا لن نألو جهدا ولن نوفر مقاومة في سبيل تحرير ما تبقى من ارضنا اللبنانية المحتلة«.

ودعا عون لوضع تخطيط اقتصادي ومالي للبنان، لأن الدولة من دون تخطيط لا يستقيم بناؤها، مشددا على إطلاق خطة تغير اتجاه المسار الانحداري، وعلى مساهمة القطاع الخاص مع العام في نهوض الوضع الاقتصادي في البلاد. وقال»إن الإصلاح الاجتماعي - الاقتصادي، لا يمكن له أن ينجح إلا بإرساء نظام الشفافية عبر إقرار منظومة القوانين التي تساعد على الوقاية من الفساد وتعيين هيئة لمكافحته، وتفعيل أجهزة الرقابة وتمكينها من القيام بكامل أدوارها».

وفور وصوله إلى القصر الرئاسي الذي غادره قبل 26 عاما، استعرض ثلة من الحرس الجمهوري تزامنا مع رفع العلم اللبناني على سارية القصر، وأطلقت المدفعية 21 طلقة. ووقع عون مرسوم استقالة الحكومة، وطلب منها الاستمرار في تصريف الأعمال ريثما تشكل حكومة جديدة. ومن المقرر أن يجتمع عون مع النواب اعتبارا من غد الأربعاء لاستشارتهم حول من يقترحون لتولي منصب رئيس الوزراء. ويكلف عون المرشح الذي يحصل على أصوات أكبر عدد من أعضاء البرلمان والذي من المتوقع أن يكون زعيم«تيار المستقبل»النائب سعد الحريري.

وتوافد النواب اللبنانيون صباحا إلى مقر البرلمان في وسط بيروت وسط إجراءات مشددة، حيث أقفلت القوى الأمنية المداخل المؤدية إلى ساحة النجمة باستثناء طريق واحد فقط يتولى الحرس الجمهوري فيه التدقيق في الهويات ويقتصر سلوكه على الصحافيين والنواب. وحضر جلسة الانتخاب عدد من السفراء العرب والأجانب بينهم السفير السوري علي عبد الكريم.

وأعرب الوزير المستقل بطرس حرب عن أمله في إعادة بناء الدولة«بعدما هدمناها عامين ونصف». فيما قال النائب سليمان فرنجية الذي كان مرشحا أيضا للرئاسة إلى أن أعلن عشية جلسة الانتخاب أنه لن يقف في وجه التسوية الوطنية«الانتخابات الرئاسية استحقاق ديمقراطي ونحن نحترم النتيجة ونعترف بالرئيس وسنقوم بواجباتنا تجاهه». وقال النائب علي خريس، عضو كتلة التنمية والتحرير التي يرأسها بري«نحن صوتنا بالورقة البيضاء..هي اعتراض على طريقة ونهج تم اتباعه..البلد لا يمشي باتفاقات ثنائية أو اتفاقات ثلاثية. نحن نؤمن بالحوار..إذا كان العهد الجديد سيستمر بالطريقة ذاتها والأسلوب ذاته، فإن الوضع لن يكون جيدا».

ميدانيا، انتشرت في مناطق عديدة من بيروت وخارجها الأعلام البرتقالية الخاصة بالتيار الوطني الحر الذي يتزعمه عون وبصور الرئيس العتيد. وتجمع العشرات من مؤيدي عون في الجديدة، وسن الفيل وحملوا أعلام التيار وشعارات«عماد الجمهورية«و»أكيد انت الجنرال«و»أنت أو لا أحد«، وصدحت أغاني وأناشيد وطنية وخاصة بالتيار عبر مكبرات الصوت. لكن في المقابل، وعلى الرغم من التوافق السياسي، عبر العديد من اللبنانيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن خيبة أملهم من انتخاب عون، معتبرين أن»حزب الله«فرض إرادته على لبنان. وانتشرت تعليقات على موقع»تويتر«مع«هاشتاغ»«الاثنين الأسود».

زعيم الحلم «العنيد»

بيروت (أ ف ب)

حقق العماد ميشال عون الذي انتخب أمس رئيساً للجمهورية في لبنان حلماً مزمناً لأنصاره في البلد الصغير متعدد الطوائف، بدأ مع انتقاله من قيادة الجيش إلى رئاسة حكومة عسكرية مؤقتة في نهاية الثمانينيات، وصولاً إلى تزعمه تكتل «التغيير والإصلاح» الذي يشكل أكبر كتلة نيابية مسيحية منذ عام 2005.

وجاء انتخاب عون ثمرة توافق شمل معظم الأطراف السياسية، وهو ما لم يكن متوقعاً حتى قبل أسابيع قليلة، بعدما استمر الشغور في منصب الرئاسة نحو عامين ونصف العام منذ 25 مايو 2014، جراء الانقسامات الحادة في لبنان.

ينظر مناصرو «الجنرال» إليه بوصفه أيقونة في نضاله العسكري والسياسي، ويتحدثون عن «قائد شجاع، نظيف الكف»، وزعيم برز من خارج العائلات السياسية التقليدية، ونجح بتحقيق تطلعات المسيحيين في بلد ذي تركيبة طائفية بامتياز، ويجدون فيه «الرئيس القوي» القادر على «تحقيق المعجزات»، وهو الشعار الذي ذيلت به صوره في عدد من المناطق.

أما خصوم عون، فيرون فيه شخصاً عصبياً وانفعالياً ومتقلباً في مواقفه، و«متجاوزاً للمبادئ»، بعدما تفاهم مع أشد خصومه للوصول إلى الرئاسة، وبعدما انقلب من عدو للنظام السوري إلى صديق لـ«حزب الله» حليف النظام السوري الأول. ويعتبرون أنه سلك طريق العائلات التقليدية عبر إعطاء أدوار سياسية لأفراد من عائلته، وعلى رأسهم صهره الوزير جبران باسيل، كما يشككون في قدرته على إدارة شؤون البلاد والعمل لساعات طويلة جراء تقدمه في العمر، لكن النائب آلان عون، ابن شقيقة العماد الذي أقر بأن خاله لم يعد لديه «الصبر على الأخذ والعطاء كثيراً»، قال إن وضعه الصحي كالفولاذ والحديد، ولديه ذاكرة فيل.

يتحدر عون (81 عاماً) من أسرة متواضعة في منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو أب لثلاث بنات، ولديه عشرة أحفاد. انضم إلى السلك العسكري عام 1955 حتى توليه قيادة الجيش في 1984. وكانت المحطة المفصلية الأولى في حياته السياسية عام 1988، حين كلفه رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل تشكيل حكومة انتقالية تتولى التحضير لانتخابات رئاسية تعذر إجراؤها في موعدها، فشكل عون حكومة عسكرية، واتخذ من القصر الجمهوري في بعبدا مقرا، وبقي فيه لمدة سنتين، وخاض عون خلال هاتين السنتين ما أطلق عليه اسم «حرب التحرير» ضد القوات السورية، ثم ما عرف بـ«حرب الإلغاء» ضد مليشيا «القوات اللبنانية» بهدف تجريدها من سلاحها الذي كان يطالب بحصره في «يد الشرعية».

ورفض عون «اتفاق الطائف»، الذي نتج عن تدخل دولي وسعودي لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)، واعتبره يمس بالسيادة. ورفض انتخاب النواب للرئيس رينيه معوض، ثم الياس الهراوي بعد اغتيال معوض في نوفمبر 1989. وتحت ضغط التصعيد العسكري السوري الذي استهدف المناطق التي كان يسيطر عليها، وصولاً إلى القصر الجمهوري، لجأ عون في أكتوبر 1990 إلى السفارة الفرنسية في بيروت، حيث بقي تسعة أشهر قبل أن يغادر إلى فرنسا، ويبقى منفياً فيها لمدة 15 عاماً.

في عام 1996، أسس عون «التيار الوطني الحر» من باريس. وكان لاغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 وما تلاه من احتجاجات شعبية دفعت القوات السورية إلى الانسحاب من لبنان، الدور المباشر في عودته من منفاه الباريسي.

وبعد شهر على عودته، شكل مفاجأة كبرى بفوزه منفرداً بـ21 مقعداً من أصل 128 في المجلس النيابي، ما دفع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط إلى وصفه بـ«تسونامي». وفي خطوة مفاجأة قلبت موازين القوى في لبنان، وقع عون في فبراير 2006 وثيقة تفاهم مع«حزب الله».

وبعد عداء طويل، زار عون سوريا ثلاث مرات في الأعوام 2008 و2009 و2010، واستقبله الرئيس بشار الأسد. وفي عام 2009، عاد عون إلى البرلمان على رأس كتلة نيابية من 20 نائباً.

وإذا كان بعض الذين وافقوا على التسوية التي تأتي بعون رئيساً قبلوا به من باب «الواقعية السياسية»، وإذا كان المحللون لا يتوقعون «المعجزات» من وصول عون بسبب استمرار الانقسامات بين الأطراف السياسية حول الملفات الأساسية، فإن أنصاره يعلقون عليه آمالاً كبيرة.

أما الصحفيون، فقد صور عدد منهم كاريكاتوريا العهد الجديد على أنه سيكون عهد «القمع».