ثقافة

رينيه ماغريت.. فنان فيلسوف في «خيانة الصور»

من أعمال رينيه ماغريت (من المصدر)

من أعمال رينيه ماغريت (من المصدر)

أحمد عثمان (باريس)

الفنان البلجيكي رينيه ماغريت (1889 – 1967) فنان فيلسوف، وحينما نعرف أن آخر معرض استعادي له في مركز بومبيدو يرجع إلى عام 1979، نفهم على الفور أن المعرض الحالي «ماغريت، خيانة الصور»، المنعقد في بوبورغ حتى 23 يناير المقبل، حدث ثقافي مهم، بما أنه يستعرض الأشكال المرجعية الخمسة للفنان: الشعلات، الظلال، الستائر، الكلمات والأجساد المنقسمة. أي الموضوعات المتواترة، بل كلية الوجود، في عمله الذي تأرجح على الدوام بين الواقعية والحلمية، اليقين والوهم.
حاول رينيه ماغريت بعمله الدؤوب «إثبات أن الرسامين ليسوا أغبياء، وأن الرسم قادر على التعبير عن الأفكار أو الفكر مثل الكلمات»، كما بين ديدييه أوتينغر، قوميسير معرض «ماغريت، خيانة الصور»، وأضاف: «تلك فكرة عكس كل تقليد فلسفي أقصى دوماً الصور من جانب الكلمات».
يضم المعرض مئات اللوحات، الرسومات جانباً معتبراً من أرشيف الفنان. أعمال لغزوية، مثل أعمال أخرى غير معروفة نوعاً ما، بل ومجهولة موجودة لدى هواة جمع اللوحات الأميركيين أو الأستراليين.
يتبدى فضول ماغريت للفلسفة جلياً من خلال مبادلاته التراسلية مع الكثير من المفكرين والفلاسفة، على وجه الخصوص بعد الحرب العالمية الثانية. أشهر هذه المراسلات ما تبادله مع ميشيل فوكو، عندما اكتشف ماغريت في عام 1966 كتابه الشهير «الكلمات والأشياء»، وهو عنوان لا يمكن إلا أن يجذبه. تبادل الرجلان الرسائل، وفي عام 1973، أصدر فوكو كتابه: «هذا ليس غليوناً» (مطبوعات فاتا مورغانا)، الذي استعار عنوانه من أكثر لوحات ماغريت شهرة عالمية. وأيضاً، سيكون على اتصال مع ألفونس دو والهنز، أول مترجم بالفرنسية لكتاب «الوجود والزمن» لمارتن هايدغر، وشاييم بريلمان، البروفيسور بالجامعة الحرة في بروكسل.
كمولع بالفلسفة، هل يمكن النظر إلى ماغريت «كسوريالي حقيقي»؟ نعم، بيد أنه انتمى إلى الجماعة البلجيكية التي أسسها في عام 1926 بول نوجيه، الماركسي والعلمي التكوين. تحت إدارته، أخذت الحركة توجهها أكثر مادياً وعقلانياً عن السوريالية الفرنسية، التي تأسست قبل عامين على يدي شيخها الروحي آندريه بروتون، الموسوم برومانتيكيته ورمزيته، كما يراه البعض.
«طوال حياته، راح ماغريت ينكر المكانة الكبيرة التي منحها السورياليون للاوعي»، كما ذكر ديدييه أوتينغر. بالنسبة للسورياليين الفرنسيين، لم يبدوا أي اهتمام فعلي لدراسة أعمال ماغريت، «فالبلجيكيون يضعون دوماً الكثير من العراقيل»، حسبما كلام قوميسير المعرض.
في أعماله كلها، استعمل ماغريت عشرين موتيفاً استحواذياً، اختار منها ديدييه خمسة فقط لهذا المعرض، وهي: الكلمات، الظلال، الشعلات، الستائر والأجساد المنقسمة، ولكل عنصر-موتيف صالة عرض خاصة. والعناصر الأربعة الأخيرة فقط وضعت قبالة نصوص مؤسسة: الكتاب المقدس، «الجمهورية» لأفلاطون، «التاريخ الطبيعي» لبلينيوس الأكبر و«عن الابتكار» لشيشرون. بيد أنه يمكن رؤية اللوحات كلها بصورة منفصلة عن الموضوع، في محاولة من قبل المشرفين عن المعرض تجنب الوقوع في شرك «المعارض الفكرية»، عندما يتم إخضاع الأعمال لخطاب فكري بعينه.
بعد السورياليين، رأى فنانو البوب آرت فيه رائداً، واعتبره التصوريون Conceptuels واحداً منهم، حتى أن الفنانين الذين رجعوا إلى فن الرسم في ثمانينيات القرن الفائت استلهموا أعمالهم منه.
قال صديقه لوي سكوتونير إن طموح ماغريت تمثل في الذهاب إلى ما وراء الرسم، وإنه أنجز هذا المشروع برفع ريشته إلى مستوى الشعر.
«إنه الرسام المصور للفن التجريدي»، هكذا لخص برنار بليستن، مدير متحف الفن الحديث بمركز بومبيدو.