الاقتصادي

رحلة النقود.. من المقايضة إلى سك العملات

مصطفى عبد العظيم (دبي)

تعدّ النقود أهم نظام اخترعه الإنسان لتنفيذ المبادلات عبر العصور، ولولاها لما استطاع الناس الغوص في حل المعضلات الاقتصادية والتجارية، ولما تمكنوا من إتمام تبادل السلع والخدمات، وتعد أيضاً من الوثائق المهمة في التاريخ، فهي تفصح عن هوية الأمة التي قامت بسكها، وتفسر العديد من جوانبها وحضارتها وكفاءة حرفييها في إخراجها إخراجاً متقناً، ولذلك فهي تعتبر وثائق حية وشواهد ملموسة على حضارات الأمم والشعوب، وعلى مدى زمن طويل ظهرت النقود بأشكال مختلفة، وغدت واستقرت القواعد الناظمة لتكوينها وتحديد قيمتها.

النقود في التاريخ

كانت تسمية العملة في العصور الغابرة تطلق على مختلف وسائل التبادل المتداولة آنذاك، بما في ذلك الأحجار الكريمة وبعض السلع كالتبغ والسكر والنقود المعدنية، وقد كان الناس في المجتمعات القديمة يتداولون بأنياب الفيلة والفراء وجلود الحيوانات والزواحف والطيور والأسماك والدواجن، وظل الأفارقة يستعملون لفترة طويلة الودع أو الصدف الأحمر وكذلك الهنود واليابانيون، وكانت المعادن أول وسيط في عمليات البيع والشراء، حيث استعملت على شكل سبائك تدخلت السلطات فيما بعد ووحدت الأوزان والمعايير وصادقت عليها بعلامة رسمية، ثم تحولت بعد ذلك إلى قطع، وكان الليديون سكان آسيا الوسطى، أول من ضرب نقوداً معدنية خاصة بهم في عهد الملك كرويسيوس (561 &ndash 546 ق م) قارون عند العرب، حيث كانت النقود تسك بوساطة أقراص مطبوعة في المعدن توضع فوق سندان وفوقها قالب محفور بالرسم المطلوب، ويضرب بوساطة مطرقة فيطبع الرسم على القرص، ثم ما لبث الإغريق سكان بحر إيجة أن حذوا حذوهم في سك النقود، ثم بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط ومنها إلى بلاد فارس والهند، وأما في مصر فيعود تاريخ النقود إلى نحو الألف الرابع قبل الميلاد، وفي الشرق الأدنى قام البابليون بوضع أول نظام نقد متطور وأقاموا المصارف والمدخرات وعنهم نقلها اليونان والرومان، وهكذا لقيت العملة المعدنية رواجاً لدى شعوب العالم القديم وذلك لسهولة حملها وقابليتها للتجزئة وحفظها للثروة وعدم قابليتها للتلف حتى أن قيمتها تعتبر ثابتة نسبياً.

الذهب والفضة

وحتى الآونة الأخيرة نسبياً، كان الذهب والفضة يمثلان العملة الرئيسية التي يستخدمها الأشخاص، إلا أن الذهب والفضة ثقيلان ووجد الناس بمرور الوقت أنه من الأيسر عليهم، بدلاً من حمل المعدن الفعلي في كل مكان يذهبون إليه ومبادلته بالسلع، أن يودعوا المعدنين النفيسين في البنوك ويقيموا بالشراء والبيع باستخدام ورقة تفيد ملكيتهم لودائع الذهب أو الفضة، وكان بإمكان من يرغب أن يذهب إلى البنك ويحصل على المعدن النفيس الذي يدعم الورقة.

وفي نهاية المطاف جرى فصل المطالبة الورقية على المعدن النفيس من المعدن، وعندما كسرت هذه الصلة ولدت نقود الثقة.

ومن الناحية المادية لا توجد لنقود الثقة قيمة، إلا أن قيمتها تنحصر في أن بلداً ما وافق بشكل جماعي على إسناد قيمة لها. وباختصار، تعمل النقود لأن الناس تعتقد أنها ستعمل. ومع تطور وسائل التبادل تطورت مصادره &ndash من أشخاص في مقايضة، إلى شكل من أشكال القبول الجماعي عندما كانت النقود شعيراً أو أصدافاً، إلى حكومات في العصور الأحدث.

ورغم أن استخدام عملات معدنية أو ورقية موحدة جعل من الأيسر تحديد أسعار السلع والخدمات، فقد أسهم مقدار ما هو موجود من نقود في النظام أيضاً بدور مهم في تحديد الأسعار. وعلى سبيل المثال، يجد مزارع القمح سببين على الأقل للاحتفاظ بالنقود: استخدامها في المعاملات (دفع نقدية مقدماً) وكهامش أمان يقيه احتياجات المستقبل (الادخار التحوطي).

ولنفرض أن الشتاء قادم وأن المزارع يريد زيادة حصيلته النقدية تحسباً لنفقات مستقبلية. وإذا كان المزارع يجد صعوبة كبيرة في العثور على أشخاص ذوي نقود يريدون شراء القمح، فربما يضطر إلى قبول عدد أقل من العملات المعدنية أو النقدية في مبادلة الحبوب. والنتيجة هي أن سعر القمح ينخفض لأن المعروض من النقود أقل من اللازم. وربما يكون أحد أسباب ذلك هو فقط أنه لا يوجد ذهب كافٍ لصك نقود جديدة. وعندما تنخفض الأسعار ككل، يسمى ذلك انكماشاً. وفي المقابل، إذا كان مقدار النقود المتداولة أكبر من استمرار ثبات مستوى الطلب على السلع، تنخفض قيمة النقود. وهذا هو التضخم &ndash عندما يتطلب الحصول على بعض مقادير السلع والخدمات قدراً أكبر من النقود. ويمكن أن يكون الحفاظ على التوازن بين الطلب على النقود والمعروض منها مسألة مخادعة.

كيف تقاس النقود؟

في الإحصاءات الرسمية، يقاس مقدار النقود في الاقتصاد عموماً من خلال ما يسمى «النقود بمعناها الواسع»، التي تشمل كل شيء يمثل مخزناً للقيمة والسيولة إلى المدى الذي يمكن عنده بيع أصول مالية بقيمة قريبة من قيمتها السوقية الكاملة في وقت قصير. أي أنه يمكن تحويل هذه الأصول المالية بسهولة إلى شكل آخر من أشكال النقود، مثل النقدية. ورغم أن جميع البلدان تدرج العملة والودائع القابلة للنقل (النقود بمعناها الضيق) في النقود بمعناها الواسع، فإن هناك عناصر أخرى يمكن أن تمثل مخزناً للقيمة والسيولة على نحو يكفي لعدها ضمن النقود بمعناها الواسع.

العملات الوطنية

الودائع القابلة للنقل، التي تتضمن ودائع تحت الطلب (قابلة للنقل بشيك أو حوالة مصرفية)، والشيكات المصرفية (إذا استخدمت كوسيط للمبادلة)، والشيكات السياحية (إذا استخدمت للمعاملات التي تجرى مع مقيمين)، ودائع أخرى شائعة الاستخدام لأداء مدفوعات (مثل بعض الودائع بالعملة الأجنبية).

الودائع الأخرى، مثل الودائع الادخارية غير القابلة للنقل، والودائع لأجل (الأموال التي تترك وديعة لفترة زمنية محددة)، أو اتفاقات إعادة الشراء (التي يقوم بمقتضاها أحد الأطراف ببيع ورقة مالية والموافقة على شرائها مرة أخرى بسعر محدد).

الأوراق المالية عدا الأسهم، مثل شهادات الإيداع والأوراق التجارية (التي تكون بالأساس سند مديونية لشركة) القابلة للتداول.

تصنيع النقود

تتسم نقود الثقة بكفاءة استخدام أكبر من المعادن الأخرى، ولا تعتمد تعديلات المعروض منها على مقدار المعادن النفيسة الموجودة، إلا أن ذلك يزيد من تعقيدها: فتحديداً لأنه لا توجد كمية محددة من المعادن النفيسة، يكون هناك حد لمقدار الأوراق النقدية التي يمكن استخدامها، وإذا لم يكن هناك ذهب أو فضة لدعم النقود، كيف تعرف الحكومات كمية الأوراق النقدية التي ينبغي أن تطبعها. وهذا يوصلنا إلى المعضلات التي تواجهها الحكومات. فمن ناحية، توجد إغراءات دائمة أمام السلطات لإصدار نقود، لأن الحكومات تستطيع استخدامها لشراء المزيد من السلع والخدمات وتعيين عدد أكبر من الأشخاص ودفع مزيد من الأجور وزيادة شعبيتها.

ومن ناحية أخرى، فإن طبع مقادير زائدة من النقود يبدأ في رفع الأسعار. وإذا بدأ الأشخاص يعتقدون أن الأسعار ستواصل الارتفاع، فقد يزيدون أسعار سلعهم هم أنفسهم حتى بوتيرة أسرع. وما لم تتدخل الحكومة لكبح هذه التوقعات، فستتناقص الثقة في النقود، وقد ينتهي الأمر بأن تفقد قيمتها. وذلك هو ما يحدث في التضخم الشديد. ولتبديد هذا الإغراء بطباعة النقود بداع ومن دون داعٍ، قامت معظم البلدان اليوم بتفويض مهمة تقرير مقدار ما ينبغي طباعته من نقود إلى بنوك مركزية مستقلة، مكلفة بأن تفعل ذلك على أساس تقييمها لاحتياجات الاقتصاد ولا تقوم بتحويل أموال إلى الحكومة لتمويل إنفاقها. وعبارة «طباعة النقود» هي في جزء منها تسمية خاطئة. فمعظم النقود الموجودة الآن هي في صورة ودائع مصرفية وليست عملات ورقية.