ألوان

الجرأة على العلمـاء تنال من هيبة الشريعة الإسلامية

حسام محمد (القاهرة)

تعاظمت ظاهرة انتقاد البعض لعلماء الدين، فوجدنا من يعلق على آرائهم، ويصفها بصفات مؤسفة ومن يسعى لتسفيه الفتاوى، وكانت الانتقادات في البداية توجه على استحياء، ولكن فجأة زاد الأمر عن حده، وأصبحت معارضة العلماء في كل آرائهم وسيلة يتخذها البعض للشهرة أو للتحلل من الرأي الشرعي الذي قال به العلماء، وبدلاً من أن نلتقي جميعاً حول علماء الدين وننهل من علمهم الشرعي في ظل الفتن والقلاقل التي تمر بها أمتنا الإسلامية، إذا بنا نستمع إلى شخصيات تنال من وقار العلم والعلماء.

ليسوا معصومين
بداية يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر عضو مجمع البحوث الإسلامية بمصر: لا بد أن نؤكد أن عالم الدين ليس شخصية معصومة في الشريعة الإسلامية، فرؤيته قد تحتمل الصواب، وقد تحتمل الخطأ، فهو في النهاية إنسان والإنسان يخطئ في بعض الأحيان، لهذا فنحن لا نقول بعصمة العلماء، ولكن نقول إن هناك طرقاً لنقد رأي العالم أو التعليق عليه وآداباً يجب أن يتم اتباعها في هذا الأمر؛ لأن الجرأة على علماء الدين من قبل العامة تعني تجريح العلم الشرعي الذي يحملونه وتسطيح الآراء الفقهية التي يستنبطونها من الكتاب والسنة، وبالتالي فإن الإنسان قد لا يدري، وهو يسعى للنيل من عالم الدين أنه يساهم في تشويه الدين الإسلامي مثله مثل أصحاب الرسوم المسيئة والأفلام التي تنال من الإسلام وغيرهم وللأسف، فعلماؤنا اليوم أصبحوا يتعرضون لسهام طائشة طالت كل ما يتحدثون به من فتاوى وآراء حتى لقد طال النقد أسلوب العلماء في الحديث وهو ما يتنافى تماما مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ولا يعلم من ينتقد العلماء أنه فتح بذلك باب الهجوم على العلم الشرعي ولو استمر ذلك الأسلوب فسيأتي يوم يعجز فيه العلماء عن تقويم السلوك في المجتمع وتوجيهه بالاتجاه المتوافق مع العقيدة ثم العرف.
يضيف الشيخ عاشور: هناك آداب وأسس علمية يجب أن يقوم عليها من يريد التعليق على أراء العلماء حتى لا يكون كلامهم معول هدم موجه للإسلام والمسلمين؛ لأن النيل من عالم الدين يؤدي بطبيعة الحال إلى النيل من هيبة العلم الذي يحمله العالم في صدره ومن يقولون إن نقد العلماء نوع من حرية التعبير التي أباحها الإسلام نقول لهم، إن هناك أصولاً في نقد العلماء فلا يجب أن يعقب على كلام عالم إلا عالم مماثل له في العلم وليس مجرد كلام مرسل كما هو الحال اليوم كما أن الرد لا يجوز أن يكون على العامة، بل يجلس العلماء ويراجعوا بعضهم البعض، ثم يتم إعلان الرأي الذي اتفقوا عليه حفاظاً على هيبة ومكانة العلم والعلماء ولا بد أن نتذكر في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير».

المكانة الرفيعة
من جانبه، يقول الدكتور محمد كمال إمام عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، إن قضية انتقاد العلماء والنيل منهم بطرق ساخرة أمر جديد لم يعرفه المسلمون من قبل فقد درجوا على احترام العلم وقيمته وأهله استناداً لتوقير الشريعة الإسلامية للعلماء، حيث أكد القرآن أنهم أصحاب المكانة الرفيعة، حيث قال الله تعالى فيهم: (... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ...)، «سورة المجادلة: الآية 11»، كما وصفهم النبي، صلى الله عليه وسلم، بأنهم ورثة الأنبياء، لهذا فإن استهداف علماء الدين بطريقة ساخرة أو التهوين من آرائهم أو رفضها يعد أمراً شاذاً وغريباً على الأمة الإسلامية، ومن الواضح أن هناك من يقود حملة تسفيه آراء العلماء بهدف تشويه الدين وانتزاع قيمه من قلوب الناس عن طريق زعزعة ثقتهم في علماء الدين.
يضيف د. إمام: لا بد أن يعي عامة المسلمين أن من يدفعونهم لانتقاد العلماء إنما يفعلون ذلك رغبة لتغريب الأمة عن عن دينها خاصة وقد انتشرت الفئات التي ترفض التقيد بالأديان وهم من يسمون انفسهم علمانيين أو غلاة العلمانيين وأخذ هؤلاء في تحميل العلماء مسؤولية انتشار الإرهاب والعنف، وذلك من أجل إسكاتهم وزعزعة ثقة الناس فيهم ليخلو الجو للحياة الخالية من القيم الدينية، وهي حياة تفسخ وانحلال وظلم وظلمات، ونحن نؤكد أن العلماء ليسوا معصومين من الخطأ، ولكن على الجانب الآخر يجب ألا يتطاول عليهم العامة والجهلاء ومن في نفوسهم مرض، فهناك من يسخر من العلماء ويقلل منهم.
ويوضح د. كمال إمام أنه لا بد من توقير العلماء فلهم منزلتهم ومكانتهم قال تعالى: (... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ...)، وقال تعالى: (... هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ...)، «سورة الزمر: الآية 9»، وبين أن العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى فقد قال جل شأنه (...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ...)، «سورة فاطر: الآية 28»، ولم يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الاستزادة من شيء إلاّ العلم قال تعالى: (... وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، «سورة طه: الآية 114»، واستشهد بهم سبحانه في أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ...)، «سورة آل عمران: الآية 18» قال ابن القيم رحمه الله: وهذا يدل على فضل العلم وأهله.

أمناء الأمة
يؤكد الدكتور عبد الفضيل القوصي وزير الأوقاف المصري الأسبق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، إن أهل العلم اتفقوا على التحذير من النيل من العلماء وبينوا سوء عاقبة هذا الفعل في كتبهم الكثيرة، فعلى المسلم أن يحفظ لسانه من الوقوع في أعراض العلماء، قال تعالى: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، «سورة ق: الآية 18»، وفي حديث معاذ بن جبل «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا قلت: يا نبي الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»، وإذا كان انتقاد العلماء وفتاواهم بقصد تجريحهم والتشهير بهم والانتقاص من قدرهم والنيل من أعراضهم وتتبع أخطائهم وعثراتهم، فإن هذا لا يجوز لمسلم أن يفعله بأخيه المسلم من العامة ويكون التحريم في حق العلماء أشد وأعظم، فقد روى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته»، أما إذا كان القصد من وراء النقد النصح والإرشاد وتوعية العوام من المسلمين، يتم ذلك بأسلوب مهذب وبصورة محترمة، فلا مانع منه بل إن ذلك مطلوب شرعاً، فعلى من علم شيئاً من دين الله أن يبينه للناس، وإذا سمع أن أحد العلماء أخطأ فعليه أن يبين خطأه بحكمة واحترام وبالدليل الشرعي.