الاقتصادي

الاقتصاد الكينزي.. نظرية ثورية شكلت أساس الاقتصاد الكلي الحديث

مصطفى عبدالعظيم (دبي)

خلال الكساد الكبير الذي حدث في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت النظرية الاقتصادية القائمة غير قادرة على تفسير أسباب الانهيار الاقتصادي الحاد الذي شهده العالم أو تقديم حل ملائم من خلال السياسات العامة لإنعاش الإنتاج والتوظيف.
وقاد الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز ثورة في الفكر الاقتصادي أحدثت انقلاباً في الفكرة التي كانت سائدة آنذاك، وهي أن الأسواق الحرة توفر تلقائياً التوظيف الكامل – أي أن كل فرد يرغب في وظيفة سيحصل عليها طالما تمتع العاملون بالمرونة في مطالبهم الخاصة بالأجور، والمبدأ الرئيسي الذي تقوم عليه نظرية كينز، التي جاءت تحمل اسمه، هو التأكيد على أن الطلب الكلي – مقيساً بمجموع نفقات الأسر، والشركات، والحكومة -هو أهم قوة دافعة للاقتصاد. وأكد كينز أيضاً على أن الأسواق الحرة لا تتوافر لها آليات التوازن الذاتي التي تؤدي إلى التوظيف الكامل، ويبرر خبراء الاقتصاد الكينزي التدخل الحكومي من خلال السياسات العامة التي تهدف إلى تحقيق التوظيف الكامل واستقرار الأسعار.

الفكرة الثورية
قال كينز إن عدم كفاية الطلب الكلي يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة لفترات طويلة، فالناتج الاقتصادي من السلع والخدمات هو مجموع أربعة عناصر، هي: الاستهلاك، والاستثمار، والمشتريات الحكومية، وصافي الصادرات (الفرق بين ما تبيعه بلد ما لبلدان أجنبية وما تشتريه منها)، وأي زيادة في الطلب يجب أن تأتي من أحد هذه العناصر الأربعة، ولكن خلال فترة الركود، تؤدي بعض القوى القوية غالباً إلى الحد من الطلب كلما انخفضت النفقات. فعلى سبيل المثال: يؤدي عدم اليقين خلال فترات الهبوط الاقتصادي إلى تآكل ثقة المستهلكين غالباً، مما يدفعهم إلى تخفيض نفقاتهم، ولا سيما على المشتريات الاختيارية كالمنازل أو السيارات، ويمكن أن يؤدي هذا الانخفاض في نفقات المستهلكين إلى انخفاض النفقات الاستثمارية من جانب الشركات، وذلك كرد فعل من هذه الشركات على ضعف الطلب على منتجاتها، ويضع ذلك مهمة زيادة الناتج على عاتق الحكومة، ووفقاً للاقتصاد الكينزي، يعد تدخل الدولة ضرورياً للحد من دورة الانتعاش والكساد في النشاط الاقتصادي، والتي تعرف كذلك باسم الدورة الاقتصادية.

المبادئ الثلاثة
هناك ثلاثة مبادئ رئيسية يقوم عليها وصف النظرية الكينزية لكيفية عمل الاقتصاد، والتي تشمل: أن الطلب الكلي يتأثر بالعديد من القرارات الاقتصادية -العامة والخاصة، فقد تؤدي قرارات القطاع الخاص أحياناً إلى نتائج سلبية على الاقتصاد الكلي، مثل انخفاض الإنفاق الاستهلاكي خلال الركود. وفي بعض الأحيان تستلزم حالات إخفاق السوق هذه تنفيذ الحكومة لسياسات فعالة، مثل اتخاذ تدابير تنشيطية مستمدة من المالية العامة. وبالتالي، يدعم الاقتصاد الكينزي فكرة الاقتصاد المختلط الذي يوجهه أساساً القطاع الخاص، ولكن تعمل الحكومة على إدارته جزئياً.
بالإضافة إلى مبدأ الاستقرار الاقتصادي، حيث لا تنشأ وصفات السياسات عن هذه المبادئ الثلاثة وحدها، فما يميز خبراء الاقتصاد الكينزي عن غيرهم من الاقتصاديين هو إيمانهم بفعالية السياسات في تقليص مدى الدورة الاقتصادية، والتي يصنفونها ضمن أهم المشكلات الاقتصادية.
وبالنسبة للمبدأ الثالث فبدلاً من النظر إلى عدم توازن الموازنات الحكومية باعتباره خطأ، أيد كينز ما يطلق عليه سياسات المالية العامة المضادة للاتجاهات الدورية التي تعمل ضد اتجاه الدورة الاقتصادية، فعلى سبيل المثال: يؤيد خبراء الاقتصاد الكينزي الإنفاق بالعجز على مشاريع البنية التحتية كثيفة العمالة لتحفيز التوظيف وتحقيق الاستقرار في الأجور خلال فترات الهبوط الاقتصادي، ويتم رفع الضرائب لتهدئة الاقتصاد وكبح التضخم عندما يكون هناك نمو كبير في جانب الطلب، ويمكن أيضاً استخدام السياسة النقدية لتحفيز الاقتصاد - عن طريق خفض أسعار الفائدة، مثلاً، لتشجيع الاستثمار. ويحدث الاستثناء خلال مصيدة السيولة، عندما لا تؤدي الزيادة في الرصيد النقدي إلى خفض أسعار الفائدة ولا تؤدي، بالتالي، إلى زيادة الناتج والتوظيف.

تطور الكينزية
رغم أن أفكار كينز قد حظيت بقبول واسع النطاق عندما كان على قيد الحياة، فقد أصبحت موضع تمحيص وتشكيك من جانب العديد من المفكرين المعاصرين. ومما يجدر ذكره بوجه خاص خلافاته مع المدرسة النمساوية للاقتصاد التي اعتقد مؤيدوها أن حالات الركود والانتعاش هي جزء من النظام الطبيعي، وأن تدخل الحكومة لا يؤدي إلا إلى إضعاف عملية التعافي.
وسيطر الاقتصاد الكينزي على النظريات والسياسات الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى سبعينيات القرن العشرين، عندما عانى العديد من الاقتصادات المتقدمة من التضخم وتباطؤ النمو، وهي حالة يطلق عليها اسم «الركود التضخمي»، وقد تراجعت شعبية النظرية الكينزية آنذاك، حيث لم توفر استجابة ملائمة على صعيد السياسات إزاء الركود التضخمي، وقد شكك خبراء الاقتصاد النقدي في قدرة الحكومات على تنظيم الدورة الاقتصادية من خلال سياسة المالية العامة، وأشاروا إلى أن الاستخدام الحصيف للسياسة النقدية (وخاصة التحكم في عرض النقود للتأثير على أسعار الفائدة) قد يخفف من حدة الأزمة. وأكد أعضاء المدرسة النقدية كذلك أن النقود يمكن أن تؤثر على الناتج في الأجل القصير لكنهم اعتقدوا أن السياسة النقدية التوسعية لا تؤدي إلى التضخم. وقد عمل خبراء الاقتصاد الكينزي بجزء كبير من هذه الانتقادات، وذلك عن طريق دمج منظوري الأجل القصير والأجل الطويل بشكل أفضل في النظرية الأصلية ومراعاة مفهوم حياد النقود في الأجل الطويل – أي فكرة أن التغير في الرصيد النقدي يؤثر فقط على المتغيرات الاسمية في الاقتصاد، مثل الأسعار والأجور، ولا يؤثر على المتغيرات الحقيقية، مثل التوظف والناتج.
وبات خبراء الاقتصاد النقدي الكينزي والنقدي تحت المجهر مع صعود المدرسة الكلاسيكية الجديدة خلال منتصف السبعينيات من القرن العشرين. وأكدت المدرسة الكلاسيكية الجديدة عدم فعالية صناع السياسات لأن الأفراد المشاركين في السوق يمكنهم التنبؤ بتغيرات السياسات ويعملون على مواجهتها سلفاً. وقد أشار جيل جديد من خبراء الاقتصاد الكينزي ظهر في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين إلى أنه رغم قدرة الأفراد على التنبؤ بشكل صحيح، فإن الأسواق المجمعة قد لا تتوازن على الفور، وبالتالي، يمكن أن تظل سياسة المالية العامة فعالة في المدى القصير.
وتسببت الأزمة المالية العالمية في عامي 2007 و2008 في إحياء الفكر الكينزي، وكان هذا الفكر هو الأساس النظري للسياسات الاقتصادية التي استخدمتها حكومات عديدة في مواجهة الأزمة، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. فرغم وفاة كينز منذ أكثر من نصف قرن، لا يزال تشخيصه للركود والكساد أساس الاقتصاد الكلي الحديث.

كينز المعلم
يأتي علم الاقتصاد الكينزي باسمه ونظرياته ومبادئه من الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز (1883 - 1946). الذي يعد مؤسس علم الاقتصاد الكلي الحديث، وتم نشر اشهر أعماله (The General Theory of Employment، Intrest and Money) في عام 1936، غير أن كتابه السابق (A Treatise on Money) الذي صدر عام 1930، غالباً ما يعتبر أكثر أهمية للفكر الاقتصادي. وحتى ذلك الحين، لم يحلل علم الاقتصاد سوى الأوضاع الساكنة – أي أنه كان يقوم في الأساس على إجراء تحليلات تفصيلية لجانب واحد للعملية الاقتصادية متسارعة التغير.
وقد وضع كينز، في كتاب (A Treatise on Money)، منهجاً ديناميكياً حول علم الاقتصاد إلى دراسة تدفق الدخل والنفقات، وفتح كينز آفاقاً جديدة للتحليل الاقتصادي.
وفي كتابه بعنوان النتائج الاقتصادية للسلام الذي صدر عام 1919، توقع كينز أن الشروط المجحفة التي فرضتها معاهدة فرساي للسلام على ألمانيا لإنهاء الحرب العالمية الأولى ستؤدي إلى حروب أوروبية أخرى. وهو يتذكر الدروس المستخلصة من معاهدة فرساي ومن الكساد الكبير، عندما قاد الوفد البريطاني في مؤتمر بريتون وودز عام 1944 – الذي وضع قواعد تضمن استقرار النظام المالي العالمي وسهل إعادة بناء الدول التي دمرتها الحرب العالمية الثانية. وإلى جانب مسؤول الخزانة الأميركي هاري ديكستر وايت، يعتبر كينز المؤسس الفكري لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين تم إنشاؤهما في بريتون وودز.