عربي ودولي

قطر تحاول تبييض سجل نظامها الحاكم الأسود باستضافة المونديال

دينا محمود (لندن)

لليوم الثاني على التوالي أفردت وسائل إعلام عالمية مساحاتٍ واسعة لتناول ملف بطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022 المُفترض إقامتها في قطر، والتي تحيط شبهاتٌ واسعة النطاق بملابسات إسناد حق تنظيمها إلى هذا البلد، الذي يعاني حالياً من عزلة خانقة بسبب سياسات نظامه المُزعزعة للاستقرار والراعية للإرهاب.
ففي مقالٍ نشره موقع «ذيس فوتبول تايمز»، المعني بأنباء الساحرة المستديرة في مختلف أنحاء العالم، شن الكاتب نيكولاس برلينسكي هجوماً عنيفاً على الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» لإسناده حق تنظيم بطولاتٍ كبرى مثل المونديال، إلى دولٍ لا يحظى سوى بأقل قدرٍ ممكن من الديمقراطية، مشيراً إلى أن هناك انتهاكاتٍ واسعة لحقوق الإنسان.
وضرب مثالاً على هذه الانتهاكات بالقول إن «الجهر بالانتقاد ضد المسؤولين (القطريين) قد يودي بكِ إلى السجن»، وهو ما يشكل تفنيداً واضحاً لأكاذيب حكام قطر بشأن احترام نظامهم القمعي لحرية التعبير ومبادئ الديمقراطية.
وأبرز برلينسكي ما ورد في إصدار العام الماضي 2017 لمؤشرٍ يحمل اسم «بوليتي»، ويعده أكاديميون عن وضع الديمقراطية في العالم، من تصنيفٍ لقطر على أنها دولةٌ تفتقر لمبادئ الحكم الديمقراطي بكل معنى الكلمة. وحرص الكاتب على تأكيد ما يحظى به هذا المؤشر من احترام واسع، مُشيراً إلى أنه يتضمن معايير مُتفقاً عليها، تُستخدم لتحديد ما إذا كانت دولةٌ ما في العالم تنعم بالديمقراطية أم لا.
كما لم يفت المقال التطرق إلى الأوضاع المزرية التي يعاني منها العمال المهاجرون الذين يتدفقون من دولٍ فقيرة على هذا البلد المنبوذ خليجياً وعربياً، موضحاً أن العمال الأجانب في قطر يتقاضون «رواتب لا تُذكر مقابل عملهم (في ظل ظروفٍ) وحشية في دولة من بين أغنى دول العالم، بناءً على التقديرات المتعلقة بالناتج المحلي الإجمالي الخاص بكل فردٍ فيها».
وقال برلينسكي إنه بينما يُشيّد النظام القطري ملاعب رياضية لاستضافة نسخة عام 2022 من المونديال الكروي فإن «آلافاً من العمال المهاجرين يلقون حتفهم، جراء الظروف الوحشية التي يُخْضَعُون إليها على يد الحكومة القطرية»، مُتهماً السلطات الحاكمة في الدوحة ب«الفشل مراراً وتكراراً في التدخل» لإنهاء الممارسات اللا إنسانية التي يكابدها العمال الأجانب الموجودون في البلاد.
وفي مؤشرٍ على جسامة الثمن الإنساني الذي يدفعه العمال الأجانب البؤساء على مذبح محاولات قطر تبييض سجل نظامها الحاكم الأسود، أشار كاتب المقال إلى أن «تقديرات اتحاد النقابات الدولي (وهو أكبر الاتحادات النقابية في العالم) تفيد بأن تنظيم كاس العالم 2022 (في قطر) سيكلف خسارة أربعة آلاف من أرواح العمال المهاجرين المشاركين في تشييد المرافق الخاصة باستضافة البطولة.
واعتبر المقال أن المخاطر المتعلقة باستضافة النظام القطري للمونديال المشبوه، لا تقتصر فقط على العمال الذين يشاركون في تهيئة البنية التحتية اللازمة لإقامته، وإنما تمتد إلى مشجعي كرة القدم أنفسهم، الذين قال إنهم سيصبحون «في وضع خطيرٍ للغاية، مع تلبد الغيوم فوق رؤوسنا ونحن نشهد الدراما المتعلقة بملف كأس العالم بعد القادم، في إشارةٍ على ما يبدو إلى الفضائح التي يتوالى الكشف عنها على صعيد ملابسات حصول الدوحة على حق تنظيم هذه البطولة.
واتهم الكاتب «الفيفا» بأنه على علمٍ بمثل هذه المخاطر، موضحاً أن هذا النظام قدم في عرضه لاستضافة المونديال ميزانيةً كانت الأكبر من نوعها في هذا الشأن، وهو ما منحه ميزةً واضحةً على منافسيه الأكثر خبرة ودراية بتنظيم فعاليات رياضية مهمة ككأس العالم.
وأبرز الكاتب أجواء الفساد التي تحيط بالملف القطري الفائز بمونديال 2022، مُشيراً إلى الاتهامات المكثفة الموجهة للمسؤولين القطريين بشراء أصوات مسؤولي الفيفا من أعضاء اللجنة التنفيذية. وأكد أنه ثبتت صحة هذه الاتهامات «في عام 2015 عندما وجهت السلطات الأميركية والسويسرية تهماً لمسؤولين كرويين، واعتقلتهم كذلك».
ويشير المقال إلى أن ما قام به حكام الدوحة على هذا الصعيد ليس بالمستغرب قائلاً إن إيطاليا الفاشية قامت بالمثل عام 1934 في ظل وجود تقارير عن مدفوعات غير مشروعة وعمليات لي للذراع مارستها حكومتها آنذاك من أجل الفوز باستضافة المونديال الذي أُقيم في ذلك العام.
وروى أن حكومة إيطاليا تعهدت ل«الفيفا» وقتذاك بتغطية أي خسائر قد يُمنى بها بسبب إقامة البطولة في هذا البلد، وهو ما جعل للملف الإيطالي قصب السبق على منافسه السويدي في استضافة البطولة. وتبدو هذه الرواية شديدة الدلالة، في ضوء أنها نُشرت بعد يومٍ واحد من كشف النقاب عن كتابٍ ألفته عضوٌ في اللجنة التي كانت مسؤولة عن ملف أستراليا لتنظيم مونديال 2022، وأماطت فيه اللثام عن أن شبكة «الجزيرة» الرياضية دفعت لمسؤولي الاتحاد الدولي لكرة القدم 100 مليون دولار قبل التصويت على اختيار الدولة المُنظمة للنسخة بعد القادمة من كأس العالم، وذلك لتهدئة مخاوفهم من إمكانية تكبد «الفيفا» خسائر مالية، إذا ما مُنِحت البطولة إلى النظام القطري.
وفي دعوة صريحة لسحب كأس العالم بعد المقبل من قطر، طالب الكاتب بأن يظل لدى «الفيفا» الحق في تغيير الدولة المُنظمة للبطولة، بل وأن يكون مُلزماً بذلك «إذا ما تغيرت الأمور»، في إيماءة لا تخفى إلى ما شهدته السنوات الماضية من افتضاح أمر الرشاوى التي لجأ لها النظام القطري لسرقة مونديال 2022.