ثقافة

الطيب الصديقي.. الموت يكتب المشهد الأخير

الطيب الصديقي في دور مبكر من أدواره المسرحية (أرشيفية)

الطيب الصديقي في دور مبكر من أدواره المسرحية (أرشيفية)

محمد نجيم (الرباط)

في إحدى مصحات الدار البيضاء في المغرب، وبعد معاناة طويلة مع المرض، توفي مساء «الجمعة»، المسرحي المغربي الكبير الطيب الصديقي عن 79 عاماً، ليلعب بذلك دوره الأخير ويغادر الخشبة إلى الأبد، لكنه رغم ذلك سيبقى حياً «ولن يقبره الموت» كما قال أحد المثقفين المغاربة.
وأصدر اتحاد كتاب المغرب، الذي أذاع الخبر في لحظاته الأولى، بياناً نعى فيه الراحل الطيب الصديقي الذي يعد أبو المسرح المغربي، وأحد كبار المخرجين المسرحيين في الساحة المسرحية العربية، كما يعد، رحمه الله، من أهم المسرحيين تأثيراً في المسرح المغربي، .
وفي تصريح أدلى به المؤلف المسرحي، الدكتور عبد الكريم برشيد، بعد علمه بوفاة الصديقي، قال «إن الفقيد يعد من قامات المسرح العربي، برفقة كل من الطيب العلج، ومحمد حسن الجندي، وعبد الله شقرون، ومحمد سعيد عفيفي، وعبد الصمد دينيا، وهم مؤسسو المسرح المغربي». وأضاف أن الراحل «يعد أول من أوصل المسرح المغربي إلى العالمية، وهو الذي تمكن من تغطية جميع المدارس المسرحية، وبحث في كل التجارب التي شهدتها المسارح العربية والعالمية»، مشيراً إلى عنايته الكبيرة بالتراث المغربي وتوظيفه في أعماله الفنية مؤكداً أن وفاته «خسارة فادحة للمسرح العربي».
وقال الممثل والمسرحي المغربي عبد الكبير الركاكنة لـ «الاتحاد» إن المسرح المغربي والعربي يفقد برحيل الطيب الصديقي فناناً متعدد المواهب، وشاملاً ومتفرداً في موهبته وعطائه الإبداعي، ورائد من رواد المسرح المغربي الحديث ورمز كبير من رموزه. ويضيف الركاكنة: «اشتغلت مع الراحل في عملين رائدين: «أصوات وأضواء»، و«القوق في الصندوق»، ويعتبر العمل مع الراحل الطيب الصديقي مدرسة يجب أن يتخرج فيها كل مسرحي مغربي أو عربي».
أما الكاتب والناقد المغربي الدكتور إبراهيم الحجري فيقول «رحيل الطيب الصديقي يمثل سقوط دعامة أساسية في المسرح المغربي خاصة، والمسرح العربي عامة، لكن الموت لن يستطيع قَبْرَ صورة الصديقي بسبب ما راكمه من منجزات كبرى في المشهد المسرحي، لقد عمل الراحل على إحياء نصوص تراثية باتت في عداد النسيان، كما حرص على توثيق التراث المغربي وجعل منه رافداً للنص المسرحي ووحده كان، رحمه الله، مؤسسة مسرحية جمع بين التأليف والتمثيل والنقد».

عصام أبو القاسم (الشارقة)

بعد رحلة طويلة مع الفن المسرحي استهلها مطالع القرن الماضي وظل مخلصاً لها طيلة عقود تالية، واستحق عليها لقب «مجذوب المسرح»، استيحاء من عنوان مسرحيته الذائعة «ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب» 1966- 1967، وإشارة أيضاً إلى شغفه الشديد بهذا الفن الذي منحه كل وقته وطاقته وعاشه وتعايش معه، متحملاً من أجله الكثير من الأعباء والأهوال ولكن برغبة أصيلة في «الإمتاع والمؤانسة»، كما يُعطي عنوان مسرحيته التي قدمها 1984، هو الذي أطلق على مسرحه الذي أسسه ستينيات القرن الماضي «مسرح الناس».
كتب الصديقي، وشارك رفاقه كتابة أكثر من ستين نصاً مسرحياً وطاف بعروضه المسرحية جميع الدول العربية، كما أسس العديد من الفرق والتجارب المسرحية على مدار الفترة الممتدة من ستينيات القرن الماضي إلى ثمانينياته، ولكن اسمه سيظل يبرق في تاريخ المسرح العربي بمساهمته البارزة في مسرحة التراث العربي واستلهام تفانينه ليس فقط لإسباغ خصوصية هوياتية على المضامين، ولكن أيضاً لاقتراح شكل مسرحي جديد، وبخاصة في أعمال مثل «ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ» التي تعكس تجربة إنتاجها منتصف ستينيات القرن الماضي، حرارة الحس القومي العربي حينذاك، فهي كانت عبارة عن منصة مسرحية متجولة تضم فنانين مسرحيين من مختلف أنحاء في الوطن العربي، وكان الراحل من الوجوه المميزة فيها.
وبرغم ما يتردد حول الطابع العلمي لمسرح الطيب الصديقي، فإنه لم يدرس الفن المسرحي دراسة أكاديمية، ولكنه صادف في 1954 ورشة مسرحية كان من المشاركين بها من المسرحيين المغاربة أحمد الطيب العلج، ومحمد عفيفي، وخديجة جمال، ولما كان الصديقي متمكناً في اللغتين العربية والفرنسية فاختاره المدرب الفرنسي أندري فوازان كمساعد لترجمة بعض الدروس النظرية في المسرح، وتابع الصديقي تجربة التدرب على المسرح في العام نفسه في ورشة نظمت لاحقاً، وعند تكوين فرقة «المسرح المركزي المغربي للأبحاث المسرحية التابعة للشبيبة والرياضة» عُهد إليه بدور (جحا) بديلاً عن الممثل «العربي الدغمي»، وما لبث أن انتسب إلى فرقة «مسرح البراكة» ليجد نفسه ضمن الفرقة التي شاركت في دورة رائدة لمهرجان (مسرح الأمم) في باريس بمسرحيتين هما: (عمايل جحا) المقتبسة عن (حيل سكابان) لموليير، ومسرحية (الشطارة) التي كانت عملاً جماعياً لعبد الصمد الكنفاوي والظاهر عزيزي، وقد حظي الصديقي حينذاك بإشادة الصحافة الفرنسية لبلاغته في الأداء التمثيلي.
وتلك الرحلة إلى فرنسا كانت منعطفاً في حياة الصديقي الذي بقي في باريس لعامين(1957: 1959) والتقى مدير المسرح الوطني هناك جان فيلار، أحد أشهر المسرحيين في أوروبا، الذي أثر كثيراً في مسار المسرحي المغربي.
يصعب حصر أعمال الصديقي، تأليفاً وإخراجاً، ولكنه يعتبر من الرواد القلائل الذين أفلحوا في اقتباس التراث المسرحي الغربي، فلقد اشتغل على العديد من النصوص المسرحية الغربية وسعى إلى تعريبها أو «مغربته»، على نحو مبدع وباهر، ومع ذلك قطع مع هذا المشوار ابتداء من منتصف الستينيات وتوجه إلى متون مدونات التراث العربي وراح يغرف من مقاماتها وسردياتها وبدائعها الأخرى ما سيغير وجه المسرح المغربي تغييراً منظوراً، وفي هذا الباب قدم: (سيدي ياسين على الطريق)، ثم (المغرب واحد)، و(الحراز) وسواها من الأعمال التي حفرت عميقاً في الذاكرة الشعبية والصوفية للمغرب، والتي جاءت في ما يشبه الرد على تأثره بالتجربة الفرنسية، ومضى لاحقاً إلى ذاكرته العربية مقدماً (مقامات بديع الزمان الهمذاني) منتصف السبعينيات، و(أبو حيان التوحيدي) مطلع الثمانينيات.
وعرف الراحل أيضاً بحبه الفن التشكيلي والشعر والاعتناء بالورود وبسبب شهرته الواسعة خلق صلات وصداقات متعددة مع ساسة وفنانين من كل أرجاء المعمورة، كان لبعضها كلفته، وقد أنجز العديد من العناوين في المسرح والثقافة والمعرفة، وعكف في السنوات الأخيرة في بيته تفرغاً للكتابة وضعفاً في الجسد.