الرياضي

الجوانب الثقافية والسياسية للساحرة والمونديال

القاهرة (الاتحاد)

في أحوال كثيرة كان المنشغلون بالسياسة ينظرون إلى جمهور كرة القدم باندهاش، ويتمنون لو تمكنوا من أن تصنع السياسة تلك الجاذبية التي تمتلكها الكرة، وتستقطب هذه الأعداد الغفيرة المعلقة عيونها بـ «الساحرة المستديرة»، لكن العلاقة بين المجالين لم تقف عند هذا الحد، بل راح كل منهما يستعير الكثير من الآخر، وكأنهما يتبادلان المواقع والمواضع رغم ما بينهما من اختلاف شديد.
ويلبس مخططو مباريات الكرة «المدربون الفنيون»، أحياناً حلل الجنرالات أو كبار الساسة حين يجهزون اللاعبين للمباريات الحاسمة، كما يُجهز الجنود الذاهبون إلى ميادين القتال، أو الدبلوماسيون المستعدون لخوض تفاوض مرهق حول قضية جوهرية، والسياسيون يستخدمون طرق اللعب التي أهدت العلوم الاجتماعية «نظرية المباريات» في التفكير والتدبير، وبعضهم، إن لم يكن أغلبهم يتلاعب بالجمهور، أو يلعب معه، وهو واع تماماً لما يفعله.
ويحيط بهذه الاستعارة المتبادلة تصور ينظر إلى كرة القدم باعتبارها لم تعد مجرد لعبة تسلية أو لتقضية وقت الفراغ، ولم تعد كذلك تمريناً جسدياً خالصاً، وعلى المستوى الفردي صارت كرة القدم نشاطاً إنسانياً بارزاً، له سحره الخاص، حتى أن بوسعها أن تغير من حال الذي يتفاعل معها، فتحول الغرباء إلى أصحاب، وتجعل من الآلاف، بل الملايين عائلة واحدة تشجع فريقاً معيناً، ويتوحد شعورها نحوه في اللحظة نفسها، عابرًا الهويات السياسية الأخرى، بل بإمكانها أن تحول التعساء إلى سعداء، والعكس، والعقلاء إلى مجانين، والعكس.
وعلى المستوى الكلي، صارت الكرة مع الأيام ظاهرة اجتماعية متكاملة الأركان، تعبر في جانب منها عن سيكولوجية شعب معين، لتكشف لنا عما إذا كان متراخياً كسولاً أو مقاتلاً مثابراً، لا يسلّم بالهزيمة ولا يعرف اليأس، وبذا يمكن أن ينظر إليها أو استعارتها، حتى ولو كعنصر مساعد في تحليل «الشخصية القومية»، لاسيما مع ندرة الدراسات العربية في هذا الخصوص.

عبر الأديب الأورجوياني إدوارد جوليانو عن كرة القدم في عبارة بليغة تقول: «أنا ألعب إذاً أنا موجود: أسلوب اللعب هو طريقة وجود تكشف لمحة فريدة عن كل المجتمعات وتؤكد حقها في الاختلاف، أخبرني كيف تلعب وسأخبرك من أنت، لسنوات عدة، لعبت كرة القدم بأساليب مختلفة، وتعبيرات فريدة خاصة بشخصيات كل شعب، ويبدو أن الحفاظ على هذا التنوع أكثر من ضروري اليوم، وذلك أكثر من أي وقت مضى، وعندما خرجت إنجلترا من تصفيات كأس العالم 1994 خرجت صحيفة «الديلي ميرور» لتقول: إنها نهاية العالم».
لم يقتصر الاهتمام بكرة القدم على شباب يافعين متيمين بالمباريات ونجومها، إنما خضعت لتأملات وشهادات أعمق من هذا بكثير لدى المثقفين، ففي كتابيه «أساطير» و«لذة النص» بدا الكاتب والناقد الفرنسي شغوفاً بالرياضة وفلسفتها العميقة، والعلامات ومختلف الشفرات الكامنة فيها.
وكان الروائي والشاعر والسينمائي بيير باولو بازوليني، يقول: «لو لم أصبح شاعراً لكرست حياتي لكرة القدم».
وطالما تحدث نجيب محفوظ عن أنه كان لاعب كرة قدم موهوباً في صباه، وكان ينظر إليها باعتبارها أشمل من أن تكون مجرد لعبة، ويقول هنا: «كثيرون ممن شاهدوني في ذلك الوقت تنبأوا لي بالنبوغ في كرة القدم، وبأنني سألعب لأحد الأندية الكبيرة، ومنها إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطني، لم يأخذني من الكرة سوى الأدب، ولو كنت داومت على ممارستها فربما أصبحت من نجومها البارزين».
وفاجأ الشاعر محمود درويش الجميع بما يبين أن الكرة تأخذ الناس من كل شيء، حتى من الحرب، فأثناء حصار الفلسطينيين في بيروت عام 1982، وبينما كان الطيران الإسرائيلي يقصف المدينة، فإذا بوقت بث مباريات كأس العالم يعطي فرصة لالتقاط الأنفاس، لتستعار الكرة في تنافسها السلمي المدهش بديلاً للحرب المدمرة المرعبة، حيث يقول: «كرة القدم.. ما هذا الجنون الساحر، القادر على إعلان هدنة من أجل المتعة؟، ما هذا الجنون القادر على تخفيف بطش الحرب وتحويل الصواريخ إلى ذباب مزعج؟، وما هذا الجنون الذي يعطل الخوف ساعة ونصف الساعة، ويسري في الجسد والنفس، كرة القدم هي التي حققت المعجزة خلف الحصار، حين حركت الحركة في شارع حسبناه مات من الخوف، ومن الضجر».
ثم يعود درويش، الذي وصف كرة القدم بأنها «أشرف الحروب» في المونديال اللاحق الذي أقيم عام 1986، «ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟، مع من سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب وخوفه، على قدميه المعجزتين؟، وإلى من نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهراً تحولنا خلاله من مشاهدين إلى عشاق؟».
إنها حالة تشبه تلك الفرصة التي كان يمنحها الخاطفون المنتمون لحركة «توباك أمارو» الماركسية، الذين اقتحموا السفارة اليابانية في العاصمة البيروفية في ديسمبر من عام 1996 لرهائنهم كي ينسوا مأساتهم بعض الوقت، حين يلعبون معهم الكرة في مكان الحصار، فبينما كان العالم كله حائراً في تحديد مصير الرهائن، فإذا بالصور التي التقطتها طائرات مروحية محاصرة للسفارة تبين أن الخاطفين يلعبون مع المحتجرين مبارة كرة قدم في الحديقة الخلفية للسفارة، وهو الوقت الوحيد الذي كان للطرفين فيه حرية الحركة، وربما المزاح، وترك التفكير في المصائر والمستقبل، قبل أن تقتحم قوات الأمن البيروفية المكان في نهاية العام التالي، لتجهز على جميع أفراد المنظمة، وتنقذ المحتجزين فيما عدا شخص واحد، وكانت منظمة «فارك» الكولومبية الماركسية تسمح لرهائنها بالتريض بلعب كرة القدم في الأدغال، أو الجلوس لمشاهدة المباريات.
وكان الروائي ألبير كامو، يوصف بأنه «مجنون بكرة القدم»، وقد رصد صديقه آبيل بيتوس اعترافاً بتتيمه بالكرة، وقال: «كرة القدم مثل المسرح تبقى بالنسبة لكامو جامعته الحقيقية، وأنه لو خُيّر بينها وبين الأدب لاختار كرة القدم».
وفي عام 1930، كان كامو يحرس مرمى فريق كرة القدم بجامعة الجزائر، بعد أن كان قد اعتاد اللعب كحارس مرمى منذ طفولته، لأنه المكان الذي يكون فيه استهلاك الحذاء أقل، فكامو، ابن الأسرة الفقيرة لم يكن قادراً على ممارسة ترف الركض في الملعب: وكل ليلة كانت الجدة تتفحص نعل حذائه وتضربه إذا ما وجدته متآكلًا.

كوفي أنان بين «الفيفا» والأمم المتحدة !

تعبر كرة القدم فى جانب أعم وأشمل عن صيغة للتفاعل الاجتماعى الخلاق، الذى يقوم على قدر من العدالة النسبية لا تطاوله الظروف العادية للبشر، لا سيما في أي بلد تغيب فيه العدالة عن كل شيء تقريباً، ولهذا يمكن استعارة منطقها لإفهام الجماهير بعض الاختلال الذي تعاني منه الحياة السياسية.
ومهما اختلفت الإمكانات بين الفرق فكل منها تمثل بعدد محدد من اللاعبين، يخضعون لتحكيم محايد، ويمكن للصغير منهم أن يهزم الكبير، والضعيف أن ينال من القوى، ومن فى ذيل القائمة يُسقط من يعتلى صدارتها، وهذه الخاصية في حد ذاتها تلهب خيال المعارضين الضعفاء في النظم السياسية التسلطية والشمولية، وهم يرددون خلف أسطورة الكرة الهولندية يوهان كرويف في معرض تعليقه على إمكانية أن يهزم الفقير الغني، والضعيف القوي في كرة القدم: «إنه أمر ممكن جدًا، أنا لم أر خزانة مملوءة بالنقود تحرز هدفًا في أي مباراة من قبل».
وفي كرة القدم فقط، يمكن لفريق محدود الإمكانات أن ينتصر على فريق يمتلك قدرات هائلة، لكن في الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية التي تجري في ظل النظم غير الديمقراطية لا يمكن لأحد أن ينافس الحزب الحاكم مثلاً أو الرئيس المعاد انتخابه، فالانتصار في الشكل الأول يصبح ممكناً، ويصبح في الشكل الثاني مستحيلاً، إلا لو استعرنا وطبقنا الآليات المستخدمة في الأولى على الثانية.
في مباريات الكرة، أنت أمام فريقين متساويين في العدد، وزمن نزالهما محدد لا يتم تجاوزه إلا بمقدار ما يضيع من وقت، وبينهما حكم يتحري العدل والإنصاف على قدر ما تسعفه قدراته البشرية، وفوقهما لوائح منضبطة، وتقع المنافسة على الهواء أمام جمهور يتابعهما مباشرة من المدرجات أو أمام الشاشات، وهو أيضاً حكم على اللعب.
وفي الثانية، يجري كل شيء أحياناً في الظلام وبلا أي ضمانات للعدل، ولا تكافؤ فرص بين المتنافسين في أي شيء، لا في ركائز القوة المادية، ولا في القدرة على الوصول إلى الجمهور، ولا حتى في الطرف الذي يحكم بينهم، والذي يتباهى أحياناً بانحيازه المسبق لطرف على حساب البقية.
في مرات قليلة، تمت رشوة حكام كرة قدم أو تواطأ فريق مع آخر لإيذاء منافس ثالث، لكن هذا لم يبق مستوراً، بل كشفه الناس من أول لحظة، واستهجنوه وحوسب من اقترفوه، وفي كل المرات بالدول التي تعاني من الاستبداد تتم رشوة حكام السياسة، وينجزون سرقتهم في ليل بهيم، وبينما يخرج اللاعبون المتواطئون والحكم المنحاز من الملعب ورؤوسهم على صدروهم من الخزي، نجد لاعبي السياسة يتبجحون ويشمخون بأنوفهم، ويخرجون ألسنتهم من وراء ظهور الناس، وهم يرددون عبارات فخيمة عن العدل والنزاهة والاستقامة والجدارة.
هذه المضاهاة بين السياسة والكرة، تعدت فكرة المقارنة بين الطريقة التي يلعب بها الفريق والقوانين التي تحكمه وبين النظام السياسي غير الديمقراطي، ووصلت إلى مقارنة بين الكرة والتنظيم الدولي برمته، فعشية افتتاح مونديال 2006، قام السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان بعقد مقارنة بينه وبين المنظمة الدولية، لتنتهي في صالح هذا المهرجان الكروي الكبير، حيث تتضمن قوانينه مساواة بين الدول، ويجري بينها تنافس عادل تحكمه الموهبة والعمل الجماعي، وهما قيمتان إيجابيتان، على العكس من قيم كثيرة سلبية تحكم عمل الأمم المتحدة، بما جعل عنان يبدي غيرة من المونديال، ويتمنى لو تحذو العلاقات الدولية حذوه.
ووصل الأمر بالبعض إلى أن يقول إن جوهر كرة القدم يتشابه بل يتطابق مع جوهر السياسة، لأن كليهما قائم على المنافسة والصراع، وأن بطولة الكأس تشبه الصراع الصفري في السياسة، الذي يعني أن يأخذ طرف كل شيء ويحرم خصمه من أي شي، أما بطولة الدوري فتتطابق مع التنافس المتعادل أو متعدد الأقطاب، وأن إدارة المباراة تشبه إدارة العلاقات الدولية، أو حتى إدارة الحروب، التي تعتمد على دراسة نقاط قوة وضعف الخصم قبل المعركة، ثم العمل على شل حركته، لهزيمته في النهاية.

ميلا أيها الكاميروني !

تأخذ الاستعارة أحياناً شكل التماهي بين اللاعب والسياسي أو المحارب، فقد كان اللاعب المجري في برشلونة ساندرو كوكسيس يسمي صاحب «الرأس الذهبي»، لتصويباته الدقيقة برأسه نحو المرمى، حتى أن الناس كانوا يقولون، إن رأسه هي الأفضل في أوروبا بعد رأس الزعيم البريطاني ونستون تشرشل.
وأثناء بطولة كأس العالم 1990، كتب الروائي المصري عبد الحكيم قاسم عنوانه «ميلا أيها الكاميروني» شبه فيه هذا اللاعب الأفريقي الفذ بسبارتكوس محرر العبيد أيام الإمبراطورية الرومانية، وهو ما يمثل استعارة صارخة بين الرياضة والسياسة، وبين الأولى والحرب أيضاً، والأهم منها هو ربط كرة القدم بقضية التحرر الإنساني.
واهتم بعض علماء السياسة وممارسيها بمناقشة علاقتها بالألعاب الرياضية بوجه عام، فها هو السيناتور الأميركي الراحل ويليام فولبرايت يأتي على ذكر كرة القدم في سياق كتابه ذائع الصيت «ثمن الإمبراطورية» الصادر عام 1989، وهو يناقش مخاطر الصراع الأميركي ـ السوفييتي وقت أن كانت الحرب الباردة تلفظ أنفاسها الأخيرة، حيث رأى أن هذا الصراع لا يمكن أن يكون مماثلاً للتنافس حول من تكون له الكلمة العليا في ملعب لكرة القدم، ثم لاحظ أن التنافس الدولي لا يدعو للسرور في ظل سباق التسلح وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، بينما لا يؤذي التنافس الرياضي أحداً، بل يستمتع به الجميع.
لكن هناك وجهة نظر تطرح تطابقا في الاستعارة المتبادلة بين المجالين في حالات سياسية معينة، حيث يمكن في كرة القدم أن نصنع من أنصاف الموهوبين نجوم سوبر كما نصنع من أنصاف الساسة طغاة في كرة القدم لم نعرف التعدد في أدوار البطولة.. هناك احتكار لأدوار البطولة الكروية، كما في السياسة حيث لم نعرف الديمقراطية.. عندما نخسر في كرة القدم فهناك مؤامرة من الحكام أو أرضية الملعب، تماماً مثلما نخسر في السياسة فهناك عالم يتآمر علينا ولا يحب لنا الخير والسلام.. وفي كرة القدم كما في السياسة نحول الانتصارات الصغيرة إلى معجزات خارقة وغالباً ما ننسب المعجزة الوهمية إلى فرد سواء كان لاعبًا أو سياسيًا.
غير أن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى آخرين يعتبرون العلاقة بين الكرة والسياسة مفتعلة، ويحذرون من خطرها، وهم لا ينكرون، بتوجههم هذا، وجود علاقة بين الكرة والسياسة، ولكنهم يرفضون اعتبارها أمراً طبيعياً ناهيك عن أن يكون بديهياً، لأن ما هو طبيعي في نظرهم هو التعامل مع كرة القدم، وأي لعبة أخرى، بوصفها مجرد رياضة لا أكثر ولا أقل، فهي في نظر هؤلاء ليست سياسة، ولا ينبغي أن تكون، ولا يجوز التعامل معها بوصفها صورة مصغرة للدولة، ولا تعبيراً عن انتماء وطني أو كبرياء قومي، ولا يصح اختزال الدولة في أقدام ورؤوس أحد عشر لاعباً في ملعب للكرة وفي مباراة مدتها تسعون دقيقة.
ومن السخف أن يكون فوز هؤلاء اللاعبين مصلحة وطنية للدولة، والعكس، كما أن التشبيه بينهما في موضوع المنافسة باعتبار أن الكرة والسياسة تقومان على التنافس، يبدو مجرد زعم ضعيف لأن التنافس في الكرة سلمي، والعنف هو الاستثناء، والأمر ليس كذلك في السياسة التي تعرف مستويات متفاوتة من العنف تبدأ باللغة المستخدمة في إدارة الخلاف وتنتهي بالاغتيال والتفجير.

محمد صلاح نموذج في صناعة الصورة !

كرة القدم يمكن أن تفلح في صناعة صورة لا تتمكن من تشكيلها آلاف الخطب والكتب والوعظ المباشر، حيث إن براعة لاعب واحد هو المصري محمد صلاح في صفوف فريق ليفربول الإنجليزي، تجعل جمهور الفريق ينشد باسمه، ثم نجد شبلاً إنجليزياً، ينجح في أحد التدريبات بتسديدة لضربة جزاء، يجري فوق البساط الأخضر، ثم يقلد صلاح، بعد إحرازه الأهداف.
ورغم من أن الاتحاد الدولي «الفيفا» يحظر تدخل السياسة في أمور الكرة، فهناك من يرون في هذه العلاقة أمراً طبيعياً بل بديهياً، لأن الكرة هي الرياضة الجماعية الأكثر شعبية التي تتنافس فيها فرق وطنية يلعب كل منها باسم دولته، وتبدأ المباراة بعزف النشيد الوطني لدولتي الفريقين المتنافسين اللذين يرفع كل منهما العلم الوطني، كما أن هذا العلم يرفرف عادة في مدرجات المشاهدين، وبذا تبقى العلاقة ثابتة وفوق هذا الاجتهاد الذي يرى أصحابه أنه ما من ظاهرتين يتقاطع فيهما الانتماء إلى الوطن والمصلحة الوطنية، مثل كرة القدم والسياسة.
والحضور السياسي في مباراة كرة قدم ليس جديداً، بل صار سمة ظاهرة، فعلى سبيل المثال هناك من تتبع تاريخ العلاقة بين السياسة وكرة القدم في مصر، بدءاً بدور الاحتلال البريطاني، ومولد الأندية الشهيرة، وصعود أهل الحكم والقصر إلى المواقع والمناصب الكروية.
وعلى مستوى أوسع، التقط الظاهرة نفسها كتاب بعنوان الجوانب الجيوسياسية في كرة القدم، والذي صدر عن أحد المراكز الاستراتيجية الفرنسية، وشاركت في إعداده نخبة من الباحثين، وحرره باسكال بونيفيسن، حيث تم التعامل مع هذه اللعبة على أنها متابعة الحرب بوسائل أخرى، وهذا هو الوصف الذي كان المنظر الاستراتيجي كلاوزفتش قد أطلقه على السياسة.
وقد صارت كرة القدم التي تستعير من الاقتصاد لغته حين تتحدث عن احتكار الكرة، وربح النقاط وخسارتها والرهان والعلامة الكاملة والحسابات المفتوحة، الظاهرة الأكثر كونية في عصر العولمة، وهي تبدو أشمل من اقتصاد السوق وعملية الدمقرطة، وباتت إحدى الأدوات القوية في الدبلوماسية الدولية، حيث يمكن، في رأي هؤلاء، أن تسهم في حل العديد من النزاعات، كما يمكن لها أن تكون أحد وسائل تحقيق الوحدة الوطنية في البلاد متعددة الأعراق واللغات والديانات، حين تتضافر مختلف الجماعات حول المنتخب الوطني الذي يعد رمزاً تعلق عليه الأمة بعض آمالها، خاصة إذا كان يضم تحت لوائه لاعبين ينتمون إلى هذه الجماعات.