ألوان

«الوقف» من أهم خصائص الإسلام وسمات حضارته

حسام محمد (القاهرة)

منذ صدر الإسلام حرص الصحابة على التوسع في مفهوم الوقف، حتى أن الصحابي الجليل جابر بن عبدالله قال: لا أعلم أحداً كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله صدقة مؤبدة لا تشترى ولا توهب ولا تورث، والثابت أن مفهوم الوقف بدأ بالظهور في حياة المسلمين منذ عهد الصحابة، وبمرور الزمن تم التوسع في تطبيقاته، وكان أغلب الوقف من الأراضي والبساتين والنخيل والآبار في المدينة ومكة، ثم الشام والعراق ومصر وغيرها من البلدان التي انتقل إليها الصحابة بالفتوحات المختلفة، وهو ما يعني أن الوقف أحد أهم خصائص الإسلام ومميزات نظامه العام، وسمـات حضارته الرائدة وهو من أعظم القوانين الاجتماعيـة التي أثرت في عمران البلاد الإسلامية وأخلاق أهلها قديماً وحديثاً.

طريق البر
البداية مع الدكتور عبد المقصود باشا، رئيس قسم التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر، يقول: الوقف واحد من أعظم سبل الخير وأقدسها وطرق البر وأنفعها، فقد ساهم الوقف في بناء كل ما هو مهم وضروري لحياة الإنسان، فبنى المساجد والمستشفيات والمعاهد العلمية وأعان الدارسين على تحصيل العلم ولم يترك مجالاً من المجالات إلا وساهم فيها بفضل الله تعالى، ومساهمة من الأثرياء المسلمين في وقت كانوا يعرفون فيه قيمة الصدقات الدائمة ولو رجعنا لتاريخ الوقف في الإسلام فسنجد أن الوقف بدأ في العصور التي تسود فيها الحياة الدينية وسعى إليه المؤمنون الذين سمت أرواحهم وتعالت نفوسهم فآثروا الزهد والعفاف في الدنيا عن التمتع بملذاتها ونعيمها، وقد كان وسيظل دوماً، إن شاء الله، ظاهرة اجتماعية انبثقت من الخلق الإسلامي الذي يسمو بالفرد، وهكذا كان الكثير من الأثرياء ينشئون المدارس ويوقفون عليها الأوقاف الكبيرة التي تساهم في الإنفاق على الدارسين فيها، وكان ذلك من الأمـور الشائعـة في مختلف مجتمعـات العالم الإسلامي، كذلك كان هناك أثرياء أوقفوا بعض ممتلكاتهم لبناء مستشفيات فلم تعد الأوقاف قاصرة فقط على الصرف لجهة الفقراء والمساكين، بل بدأت وقتها مفاهيم تنوع الخدمات الوقفية بحيث أصبح الوقف في تلك الأزمنة يمثل الممول الرئيس للمجتمع الأهلي وفي تلك الفترة بدأ التفكير في تنظيم الأوقاف، حيث قام القـاضي «توبة بن نمير» في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك بإنشاء ديوان مستقل للأحباس.
يضيف د.عبد المقصود باشا: وفي العهد العباسي كثرت الأموال الموقوفة، وبلغت الذروة في الأندلس والمغرب ومصر والشام، ويروى أن أراضي الوقف بلغت ثلث مجموع الأراضي الزراعية وبفضل الوقف وحرص المسلمين على إحياء تلك الشعيرة بشكل دائم في تلك الفترة من التاريخ الإسلامي، فقد اختفى أو كاد الفقر ولم يكن هناك متسولون، لدرجة أن هناك من الأثرياء من أوقف ماله أو جزءاً منه لإنشاء بيوت للضيافة يستضيفون فيها الفقراء والمحتاجين، وهكذا قام الوقف في مختلف العهـود الإسلامية بدور فعال ونهض بدور اجتماعي واقتصادي وثقافي كان له أثـره في تخفيف الوطأة إلى حـد بعيد على الميزانية العموميـة، وكفل للعديد من العلماء أرزاقهم كي يتفرغـوا لشؤونهـم العلمية؛ إذ ينبغي لطالب العلم ألا يشتغل بشيء آخـر غير العلم ولا يعرض عن الفقه.
والحقيقية - يستطرد رئيس قسم التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر - فإن الوقف من أهم الأمور التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، وقد جاءت فيه الأحكام الفقهية واضحة، باعتباره عملاً يستمر أجره لصاحبه، ويستمر نفعه للموقوف عليهم إلى ما شاء الله، لافتاً إلى أن هناك إمكانية لجعل الوقف استثمارياً، وتطويره على أن يكون عائده على ما وقفه عليه الواقف، سواء كانت جهات بر خاصة أو عامة في التعليم أو طباعة الكتب أو إنشاء المستشفيات والمصانع، مع وجوب أن تتوافق مع شروط الواقف والقواعد الأساسية في الوقف والذي يشكل صورة ناصعة للتكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع، وتبين هذه الظاهرة مدى روح المحبة التي سادت بين أبناء المجتمع المسلم، فالإسلام خطط دنيوياً واجتماعياً على أن المجتمع المسلم ككل لا يخلو من ظروف طارئة تداهم البعض مما يستدعي تدخل أدوات المساعدة وضمن هذه الأدوات الوقف الذي هو في المحصلة من الحلول الحاسمة لرأب الصدع وإعادة التوازن المعيشي والاجتماعي للمجتمع.

ركيزة أساسية
من جانبه يقول الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة بجامعة الإسكندرية، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: يُعتبر الوقف الإسلامي أحد أهم الركائز الأساسية للنهضة الإسلامية الشاملة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، فعلى مدى قرون طويلة مرت في تاريخ الأمة الإسلامية قام الوقف بدور بالغ الأهمية في تدعيم مختلف نواحي الحياة في الدولة المسلمة، حتى غدت مؤسسة الوقف الإسلامي التي نشأت وتطورت في ظل الحضارة الإسلامية من أكبر المؤسسات التمويلية التي عرفها التاريخ، والمثير للدهشة أنه في الوقت الذي تراجع فيه دور الوقف في المجتمعات الإسلامية، فإن الغرب استفاد من نظرية الوقف في الإسلام وأصبح الوقف الآن ينظر إليه عالمياً حتى في الديانات الأخرى، الديانة المسيحية على سبيل المثال، يستثمرون في الوقف استثمارات لا أول ولا آخر لها خاصة الأثرياء في أوروبا الذين يستثمرون الوقف في التعليم، بمعنى أنهم ينشئون جامعات وكراسي علمية وقفية وهكذا، ولهذا يجب أن تشهد المجتمعات الإسلامية حملات توعية بدور الوقف سواء على مستوى الفرد، أو على المجتمع، فكثير من المسلمين لا يعرفون مثلاً أن الوقف أحد أهم أسباب زيادة النعمة والفضل من عند الله حيث يقول الله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ...)، «سورة إبراهيم: الآية 7»، فمن كان في نعمة وسعة ويريد بقاءها ونماءها فلينفق منها في وجوه الخير والمعروف، ومنها الوقف، ويقول صلى الله عليه وسلم: «ثلاَثٌ أقسم عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَّصَ مَالَ عَبْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ بِمَظْلَمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا، وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَابَ فَقْرٍ».. وقد ذكر الله تعالى قصة أصحاب الجنة في سورة القلم، وكيف أن الله بدّل الجنة خراباً بعدما بخلوا، وقال تعالى: ‏(‏إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ)، «سورة القلم: الآيات 17 - 20».
يضيف د. كمال إمام: لا بد أن يعي المسلمون وبشكل خاص الأثرياء منهم أن القرآن الكريم دعا دوماً إلى التنويع في أبواب الخير وتوزيع مصارفه وليس أدل على ذلك من تنوع وتعدد مصارف الزكاة، حيث يقول تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، «سورة التوبة: الآية 60»، فمن أهم مميزات الوقف أنه يلبي كل متطلبات المجتمع فهو يبدأ في البداية بتوفير حاجة الفقراء وتوفير ما يسد حاجاتهم، ثم يعمل نفس الشيء مع المساكين، ثم ينتهي بكل أطياف المجتمع بإشباع حاجتهم من العلاج أو التعليم وكذلك حل كل المشكلات التي يعاني منها المجتمع.

نقطة الانطلاق
ومن جانبها تقول الدكتورة عفاف النجار، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، إن الوقف بدأ منذ بداية الدولة الإسلامية عقب وصول النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة المنورة، حيث كانت أرض المسجد النبوي ذاتها وقفاً واستمر توسع الأوقاف، حتى أن الدراسات والإحصائيات التي تناولت الوقف تؤكد أن هناك ما يقرب من مئة وعشرين ألف مسلم شاركوا في وقف أموالهم أو جزء منها في صدر الإسلام، وفي عهد الدولة الأموية والعباسية والعثمانية كانت العناية القصوى بالجانب الأمني والدفاع والجهاد، مشيرة إلى أن تطوير المجتمع تعليمياً وصحياً وروحياً وبدنياً ترك للعلماء والقضاة وأهل الخير، وأصبح هناك سبعون نوعاً داخل مؤسسات المجتمع المدني، ولإدراكها بأهمية الوقف أخذت الحضارة الغربية من الفقه الإسلامي «نظام المؤسسية» وأقامت عليها مؤسسات المجتمع المدني وأنشأت المؤسسات التعليمية الكبرى القائمة في الغرب على نظام الوقف والحقيقة، فإن الوقف في الدولة المسلمة يشمل مختلف جوانب الحياة، من الجامعات والمستشفيات إلى الأوقاف الخاصة بالحيوانات، لدرجة أن بعض الأثرياء أوقفوا ممتلكاتهم على ما يسمى بأوقاف الأواني التي تنكسر بأيدي الخادمات حتى لا يعاقبن فيجدن بدائل عنها في مؤسسات الوقف.
تضيف د.النجار: لا بد من إعادة دور الوقف وإعادة الدور الكبير للجانب الطوعي لخدمة الحضارة والتقدم، ولخدمة تنمية المجتمع وتطويره، ولا بد أيضاً من استثمار أموال الوقف للحفاظ عليها، حتى لا تأكلها النفقات والمصاريف، وتساهم في تحقيق أهداف الوقف الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، والتنموية ولا بد أيضاً من الحفاظ على تلك الأموال.