صحيفة الاتحاد

ألوان

?الحياء ?من ?الإيمان

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: - أخرج الإمام الترمذي في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ قَالَ : (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اسْتَحْيُوا مِن اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ : قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِن اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتذكَّر الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)، أخرجه الترمذي. هذا الحديث أخرجه الإمام الترمذي في سننه، في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - باب (24).
إن ديننا الإسلامي الحنيف يدعو إلى مكارم الأخلاق، فقد دعا إلى كل فضيلة ونهى عن كل رذيلة، ومن المعلوم أن نبينا– صلى الله عليه وسلم- جاء ليرشد البشرية إلى الخير، كما أخذ بأيديهم من الظلمات إلى النور، ومن الجُبْن إلى الشجاعة، ومن البُخل إلى السخاء والكرم، ومن الرذائل إلى الفضائل، ومن الظلم إلى العدل، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكذب إلى الصدق. وعلى رأس الصفات الكريمة والمناقب الحميدة التي تدل على عُمْق الإيمان وطهارة القلب وصفاء النفس: صفة الحياء، التي ما وُجدت في شيء إلا زانته، وما فُقِدت من شيء إلا شانته، فالحياء صفةٌ عظيمة وخُلُق كريم،حَرِيٌّ بكلّ مسلم أن يتصف به في كلّ حين.

فضل خُلُق الحياء
إن الحياء صفة محمودة في شريعة الإسلام، حيث يُثْني عليها رسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم- ويأمر أصحابه بالتخلّق بها، فقد ذكرت السنة النبوية الشريفة فضل الحياء في عدد من الأحاديث النبوية، منها:
عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)، أخرجه البخاري. عَنْ أَنَسٍ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلا شَانَهُ، وَما كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ)، أخرجه الترمذي.
عن ابن عمر- رضي الله عنهما -، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الْحَيَاءُ والإِيمَان قُرَنَاءُ جميعاً، فإذا رُفِعَ أحدهما رُفِعَ الآخر)، أخرجه الحاكم.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ)(4).
إن الحياء شعبة من شُعَب الإيمان كما جاء في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -قَالَ : (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ )، أخرجه ابن ماجه، كما يبعث في النفس معاني الخير كما جاء في الحديث الشريف عن عمران بن حُصَين- رضي الله عنهما- قال: قال النبيّ- صلى الله عليه وسلم: (الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ)، أخرجه البخاري.. وفي رواية: [(الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ) قال: أَوْ قَالَ : (الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ)]، أخرجه مسلم، وجاء في حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الْحَيَاءُ مِن الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنْ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ)، أخرجه البخاري.
حياؤه– صلى الله عليه وسلم-
إن حياة رسولنا- صلى الله عليه وسلم- تُعَدّ نبراساً ومنهاجاً لبناء الشخصية المسلمة التي تتسم بالحق والخير والسموّ والاعتدال، فعظمته- صلى الله عليه وسلم- تُشرق في جميع جوانب حياته، ومن المعلوم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي سعيد الخُدْري- رضي الله عنه- قال: (كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَشَدَّ حَيَاءً مِن الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا)، أخرجه مسلم، كيف لا؟ وقد وصفه الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم بالحياء، كما جاء في سورة الأحزاب:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}، سورة الأحزاب الآية (53).
فما أعظم أن نتخلق بخُلُقِه-صلى الله عليه وسلم- ونَتَأَسَّى بهديه وسننه، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، سورة الأحزاب الآية (21)، فإذا كان الحياء خُلُق الإسلام فما أجمل أن نَتَخَلَّق به، لأنه يُضفي على الفؤاد نوراً يمشي به صاحبه في الناس، فلا يسقط في عثرة، ولا يقع في زلّة، ولا ينحرف عن الطريق السويّ. هذا هو ديننا الإسلامي الحنيف الذي يرشدنا إلى وجوب التحلي بخُلُق الحياء، فالحياء من مكارم الأخلاق، وعندما نتمسك بالأخلاق الفاضلة فإنها تعود علينا بكل خير، فالرسالة الإسلامية جاءت من أجل إتمام مكارم الأخلاق لقوله- صلى الله عليه وسلم-:(إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارم الأَخْلاَقِ)، أخرجه أحمد.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة
خطيب المسجد الأقصى المبارك
www.yousefsalama.com