دنيا

الديكان.. فارس الأغنية الوطنية الكويتية

الديكان مع آلة العود معشوقته الساحرة منذ الصغر (الصور من المصدر)

الديكان مع آلة العود معشوقته الساحرة منذ الصغر (الصور من المصدر)

حينما يـُذكر اسم «غنام الديكان» فعليك أن تنتظر ما سيأتي بعده مباشرة وهو لقب «ترسانة الإيقاعات الشعبية»، الذي استحقه بجدارة لدوره في إثراء الفنون الموسيقية الشعبية الكويتية وتوثيقها، والمساهمة في تطوير الفنون الشعبية.
أولى مساهماته اللحنية كانت أغنية «ياقلبي انسى» لمصطفى أحمد، وأغنية «يابحر وين الحبيب» ليحيى أحمد. بعدها راح يقدم اللحن تلو اللحن. فهو ملحن أغنيات: «سامحني» لعبدالكريم عبدالقادر، و«مسموح» لغريد الشاطئ، و«شكواي» لعبدالمحسن المهنا، و«عنينا» لنوال، و«سكوتية» لنبيل شعيل، و«شوقي إليك» لعبدالله الرويشد. ومن خارج الكويت قدم الديكان لطلال مداح أغنية «هذا إحنا مثل ما إحنا» وقدم لعبدالله بلخير أغنية «دوار في الديرة».

تجدر الإشارة إلى دوره العظيم في تقديم الألحان الوطنية الخالدة، والملحمات الغنائية الكبيرة عبر استثمار صوت سناء الخراز، وكلمات شعراء مثل عبدالله العتيبي ومحمد الفايز ويعقوب الغنيم. وقد لمسنا ذلك في أغانٍ مثل: حالي حال، سدرة العشاق، مذكرات بحار، علاوة على أغنية «حنا العرب».. ومن هنا قيل إن الديكان هو أحد أبرز فرسان الأغنية الوطنية الكويتية، وهو من سما بها وخلدها.
ولد غنام سليمان الديكان سنة 1943 بشمال المرقاب. والتحق وهو صغير بمدرسة الملا مرشد حيث تعلم قراءة القرآن، ثم انتقل منها إلى مدرسة المرقاب. وحينما انتقلت أسرته سنة 1956 إلى منطقة السالمية التحق بمدرسة السالمية، ونشأ وترعرع في جو عائلي يعشق فن السامري والعزف على العود.
انبهر بالعزف على العود للمرة الأولى في صباه، وذلك حينما شاهد ابن عم له يصلح هذه الآلة الموسيقية الشرقية، ناهيك عن أن شقيقه الأكبر منه سناً «محمد الديكان» وأصدقاء الأخير كانوا من المغرمين بالعود.
لذا لم يكن مستغرباً ممن عاش في مثل هذه الأجواء أن يندفع بشوق لتعلم العزف.. ويخبرنا الديكان بنفسه في الجزء الأول من حوار أجرته معه جريدة «الجريدة» الكويتية (6/‏6/‏2017) أن أول مرة أمسك فيها بالعود كانت يوم أن طلب من أخيه قائلاً: «لماذا لا تعطيني عودك؟ وإن شاء الله عندما أعمل، ويصبح لدي راتب، سأعطيك ثمنه، فضحك، ثم قال لي خذ العود، تسلمته وهو مغطى بالغبار، بسبب تركه له عدة أعوام، فعملت على تنظيفه، ثم جلست أدندن عليه في غرفتي الصغيرة، التي أغلقتها على نفسي». ويضيف: ما مفاده أنه تعلم دوزنة العود على يد أخيه محمد، رغم معارضة والدهما للفن بسبب نظرة المجتمع الدونية آنذاك للفنانين. وقد تحدث في نفس الحوار عن ظروف انتقال أسرته إلى السالمية وكيف أنه انخرط في النشاط الموسيقي المدرسي، وانتسب إلى المدرسة الموسيقية الليلية في حقبة الستينيات من أجل صقل مواهبه، حيث تولى تدريسه اثنان من «المدرسين المحترفين والمخلصين» هما المصري «عبدالحميد الهواري» والسوري «حسين موفق توكلنا»، تاركاً بذلك فكرة الالتحاق بمدرسة لدراسة الطباعة كما كان مقرراً.
وخلال سنتين فقط ــ وبالاعتماد على جهوده الذاتية والمداومة على قراءة الكتب الموسيقية الخاصة بأغاني أم كلثوم السنباطية ــ تمكن من قراءة النوتة، الأمر الذي جعل إدارة نادي السالمية الرياضي تطلب منه تعليم الموسيقا لمنتسبي النادي ففعل. وفي منتصف الستينيات، قام بعض شباب نادي السالمية بتعريفه على شاعرين أولهما «بدر الجاسر»، الذي بدأ مشواره مع الفنان عثمان السيد بأغنية «يا شواطئ السالمية»، وثانيهما الشاعر «خالد العياف» الذي أعطاه نصوصاً عديدة كي يلحنها، فاختار أغنية «يا بحر وين الحبيب» التي قام بتلحينها للمطرب يحيى أحمد. كما اختار أغنية أخرى بعنوان «يا قلبي انسى» التي أداها الفنان «مصطفى أحمد» سنة 1964.
وفي هذا السياق ذكر الديكان في الحوار مع جريدة «الجريدة» أنه قبْـل تلحين النصين المذكورين والذهاب بهما إلى الإذاعة استشار صالح الحريبي (خال زوجة أخيه إبراهيم) الذي قاده بدوره إلى ديوانية الملحن يوسف المهنا، حيث أسمع الأخير ومن كانوا في ديوانيته (عبدالمحسن المهنا وعبدالمجيد عبدالقادر وغريد الشاطئ) لحنيه فأشادوا بهما.
ما حدث بعد ذلك أنه ذهب إلى الإذاعة الكويتية لإجازة ألحانه، وكانت لجنة الاستماع يترأسها الفنانان سعود الراشد ونائبه عثمان السيد، فتم قبوله كملحن. فكان ذلك بمثابة ضوء أخضر للمضي قدماً وتقديم أعمال أخرى.
عدا إجازته كملحن في الإذاعة، وقيامه بتلحين عدد من الأغاني، انتسب الديكان سنة 1965 إلى جمعية الفنانين الكويتيين، وصار ناشطاً في لجانها العاملة قبل أن يصبح عضواً في مجلس إدارتها ويصل إلى منصب نائب رئيس مجلس الإدارة. ومن خلال هذه الجمعية تعرف على من كان في الساحة الفنية الكويتية آنذاك، وحاول أن يقدم شيئاً مغايراً لما كان سائداً وقتها من ألحان ذات طابع مصري/‏ شامي، فتفتقت عبقريته عن لحن غريب من صميم البيئة الخليجية هو لحن أغنية «قال أحبك.. آويلاه» لمصطفى أحمد الذي نال الإعجاب والتقدير.
ويتذكر الديكان في الحلقة الثانية من حواره مع جريدة «الجريدة» (7/‏6/‏2017) كيف أنه حرص في هذه الفترة على اقتناء النادر من الأسطوانات القديمة علها تحتوي على أغانٍ قديمة بالإمكان تجديدها وبعثها، وكيف أنه وجد كنزاً منها لدى «محل بوزيد فون» لصاحبه «محمد الصقعبي» الذي كان يريد التخلص من مخزونه منها، بعد أن بارت تجارتها بسبب ظهور شرائط الكاسيت والكاتريج، فباعه الأسطوانة الواحدة بمائة فلس، وكيف أنه وأخيه محمد كانا يتحايلان على جدهما وجدتهما للحصول منهما على 4 روبيات لاستئجار البشتختة لمدة 24 ساعة كي يستخدمانها في تشغيل الأسطوانات.
وفي أوائل السبعينيات قرر الديكان أن يصقل موهبته الموسيقية الفطرية بالدراسة الأكاديمية، فسافر إلى القاهرة والتحق هناك بمعهد الموسيقى العربية، لكنه لم يستطع البقاء في مصر طويلاً بسبب أعبائه الأسرية، فقرر أن ينتسب إلى قسم الدراسات الحرة بالمعهد المذكور الذي منحه دبلوم الموسيقى سنة 1975. المرحلة التالية من مسيرته تميزت بالعمل في الإذاعة والارتباط بالشاعر والمخرج التلفزيوني القدير «بدر بورسلي»، حيث أقنعه الأخير بإلقاء بعض القصائد والأشعار في برنامج كان يخرجه بعنوان «الليلة عندنا سمرة» من تقديم المذيعة «أمينة الشراح». ثم تعاون الرجلان في تقديم برامج الأطفال بتكليف من محمد السنعوسي وكيل وزارة الإعلام لشؤون التلفزيون.
وقال الديكان عن صديقه بدر بورسلي في الحلقة الرابعة من حواره مع جريدة الجريدة (9/‏6/‏2017) إنه «صاحب أفكار جميلة تنبض بعبق الماضي الأصيل، حيث يصور لك الشارع و«السكيك» في الكويت قديماً» على نحو ما فعله بشكل رائع وصوت معبر في إسكتش «يا من عين الضالة».
وفي هذه الحلقة الحوارية تطرق الديكان إلى توثيقه وتسجيله لواحد من الفنون الشعبية البحرية الصعبة وهو «فن السنكني» الذي من المحال تأديته دون وجود أكثر من عشرة نهامين. كما تحدث عن إيقاع قام بإعادة صياغته سنة 1969 هو إيقاع «الدزة» باستخدام الطارة، فكانت تلك هي المحاولة الأولى لنشر إيقاع وغناء «الدزة» كقالب موسيقي، حيث قام مبارك الحديبي بإعادة صياغة كلمات أغنية الزفاف الشعبية المعروفة «عليك سعيد عليك مبارك» مع الاحتفاظ بجملة المقدمة فقط (عليك سعيد ومبارك.. لا إله إلا الله) ودفعها للمطرب حسين جاسم كي يؤديها بصوته الجميل.
ويرجع الديكان الفضل الأكبر لما تحقق للكويت من ريادة في الفنون في حقبة الستينيات إلى الشيخ جابر العلي وزير الإرشاد والأنباء الذي بحسبه استقطب الكثير من المطربين والمؤلفين والشعراء والعازفين والموظفين المؤهلين، وعينهم في الإذاعة والتلفزيون، بل وفرغ بعضهم للعمل الإبداعي. وهنا يخبرنا الديكان أنه كان يعمل بوظيفة كاتب في ميناء الكويت، وأرد التخلص منها بالانتقال إلى وزارة الإرشاد والأنباء أو وزارة التربية كي يتفرغ للفن من خلال الإذاعة، لأن طبيعة وظيفته كانت تقف عائقاً أمامه، كما أن مرؤوسيه في الميناء لم يكونوا يشجعون الفن والموسيقى، ولذا كانت طلباته ومحاولاته الكثيرة للنقل تـُرفض إلى أن تدخل الفنان شادي الخليج، وحصل على خطاب من وزير المالية والصناعة إلى وزير التربية بالموافقة على انتقاله للعمل بوزارة التربية.
ومن الأسماء الكويتية الأخرى التي لا يترك الديكان مناسبة إلا ويشيد بها لدورها المشهود في الحفاظ على التراث الشعبي الكويتي من خلال عمل مؤسساتي، الإعلامي الكبير «محمد السنعوسي»، والفنان شادي الخليج. فلئن كان الأول قد بادر، من خلال موقعه الرسمي في جهاز التلفزيون، إلى طرح فكرة جمع التراث الشعبي، فإن الثاني هو من اقترح تأسيس فرقة «للفنون الشعبية» تحمل اسم «فرقة التلفزيون للفنون» سنة 1978.