صحيفة الاتحاد

تقارير

معركة ليبيريا المقبلة: محاربة الفساد

أوصل الليبيريون مؤخراً نجم كرة القدم السابق جورج ويا إلى الرئاسة، غير أنه مع تنصيبه يوم أمس، الاثنين، لخلافة الرئيسة السابقة إيلين جونسون سيرليف، سيرث ذات المشكلة التي أعاقت تقدمها ضد الفساد: تفشي نظام سياسي قائم على الرشوة.
ومسار ليبيريا منذ نهاية حربها الأهلية الأخيرة في 2003، بما في ذلك فترة سيرليف الرئاسية، كان إيجابياً على نحو لا غموض فيه، ذلك أنها نجحت في الحصول على إلغاء لقرابة 5 مليارات دولار من ديونها، وحققت استقرار الاقتصاد الذي كان قد انكمش بنسبة 90 في المئة بين منتصف الثمانينيات ومنتصف التسعينيات، كما انخفضت أيضاً وفيات الأطفال بالنصف منذ 2003. وكذلك فقد خطت الحكومة خطوات كبيرة على صعيد حماية حقوق الإنسان وحرية التعبير.
ولتفسير المشاكل التي ما تزال موجودة -نحو 54 في المئة من الليبيريين يعيشون في فقر، وليبيريا تأتي في المراتب الدنيا لمؤشر البنك الدولي 2018 الذي يقيس سهولة ممارسة التجارة والأعمال- يشير كثيرون إلى تاريخ البلاد المضطرب. فبعد سنوات من الحرب والتدهور المؤسساتي والانهيار المجتمعي، كان لا بد من بناء الدولة من الصفر تقريباً، كما أن ركوداً اقتصادياً ضرب البلاد في 2008. وفي 2011، انخفضت أيضاً أسعار صادرات ليبيريا الرئيسية -المعادن والمطاط. ثم ضرب وباء إيبولا البلاد أكثر من أي بلد آخر في غرب أفريقيا.
وكل هذا صحيح، ولكن ثمة عقبة أكبر وأخطر هي الحياة السياسية القائمة على استخدام الضغط وعقد الصفقات بطريقة غير ملائمة. ويشار في هذا الصدد إلى أن ليبيريا جاءت في المرتبة التسعين من أصل 176 بلداً على مؤشر تصورات الفساد لسنة 2016 (وإنْ كانت مع ذلك قد حققت صعوداً من المرتبة 137 في 2005).
والمشاكل البنيوية المزمنة تقاوم الحلول السهلة، والاحتمالات هنا ليست لصالح الإصلاحيين، ولكن في بعض اللحظات -خلال فترات الانتقال السياسي- تُفتح نوافذ ضيقة للفرص. وجورج ويا يعيش إحدى تلك اللحظات لأن ليبيريا، ولئن كانت ما تزال هشة، تجاوزت الآن المرحلة التي كانت فيها إعادة النظام أولوية قصوى. فاليوم، يستطيع اللجوء إلى العلاجات التقنية الصغيرة التي لم تكن ظاهرة حتى على رادار سيرليف.
فأولاً، يمكن لويا أن يضع توقعات جديدة لمزيد من المحاسبة عبر المسارعة بإصدار أمر تنفيذي يطلب من كل الوزارات والوكالات الحكومية نشر نفقاتها الشهرية، وهذه خطوة بسيطة، ولكن يمكن أن يكون لها تأثير كبير جداً بخصوص محاربة الفساد الحكومي عبر إخضاع الإنفاق للمراقبة العامة.
كما يمكن لويا أيضاً أن يوجّه وزارة المالية برصد مخصصات مالية فقط للكيانات الحكومية التي لديها خطط شراء معتمدة، ذلك أن العقود الحكومية الخاصة بالسلع والخدمات -التي يمكن أن تشكّل ما يصل إلى 50 في المئة من إجمالي الميزانية، حسبما قال لي بعض المسؤولين- تمثّل فرصاً سهلة للفساد. و41 في المئة فقط من الكيانات الحكومية لديها حالياً مثل هذه الخطط على رغم أن وجود هذه الأخيرة ضروري بمقتضى القانون. ولهذا، فإن ربط التمويل بالامتثال للقانون من شأنه أن يغيّر هذه الممارسة بسرعة.
كما يجدر بالرئيس الجديد أيضاً أن يطلب من لجنة التدقيق العامة فحص نفقات المجلس التشريعي لسنة 2018 وممتلكات المشرّعين، فاللافت هنا أن البرلمان لم يكن مضطراً في يوم من الأيام لتعليل إنفاقه على رغم استمرار ادعاءات الفساد. ومن شأن منح المشرعين تحذير سنة كاملة تصحيح أي سلوك إشكالي. أما الممارسات القديمة فينبغي تجاهلها، لأن بحثها لن يفضي إلى شيء وصعب سياسياً، ولا شك أن الدعوة إلى مراقبة من هذا النوع كانت ستكون محفوفة بكثير من الصعوبات في الماضي، ولكن رئيس مجلس النواب -وهو ثالث أعلى منصب في البلاد- يعتبر من حلفاء ويا، وسبق له أن أعلن أنه سيدعم مثل هذه الخطوة.
إن ويا يواجه لحظة مفصلية وأمامه فرصة ثمينة للبناء على نجاحات سيرليف التي أعادت إحياء ليبيريا. واليوم حان دوره لدعم مؤسسات البلاد الفتية عبر التصدي لثقافتها السياسية الفاسدة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»