تقارير

خيبة أمل روسية من ترامب

بعد مرور العام الأول من رئاسة ترامب، يرى الآن خبراء وسياسيون في موسكو ممن توقعوا تغيراً كبيراً في العلاقات مع الولايات المتحدة في عهده أن رهانهم كان خاسراً. فهذا العام الأول في البيت الأبيض لرئيس كان هو الأكثر تأييداً للروس في التاريخ الحديث ومن حزب أغلبية شهد علاقات روسية أميركية في مرحلة أدنى مما كانت عليه قبل توليه السلطة.
وكان ترامب قد وعد في حملته بتحسين العلاقات مع روسيا، ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه «ذكي للغاية». ولكن في عامه الأول في الرئاسة، سارت إدارته على نهج إدارة باراك أوباما السابقة وتجاوزتها في دعمها لأوكرانيا في حربها ضد انفصاليين مدعومين من طرف روسيا. واستمرت أيضاً في العقوبات التي يفرضها الكونجرس ضد روسيا. وقد لمس الروس من هذا خطأ اعتقادهم بأن الرئيس الأميركي يستطيع أن يمارس نفوذاً كبيراً مثل رئيسهم. ووسائل الإعلام الروسية التابعة للدولة، والسياسيون المؤيدون للكرملين، وكثير من المعلقين، يلقون حالياً باللائمة على نظام الحكم في واشنطن وعلى وسائل الإعلام الأميركية في إثارة قضية تدخل روسي مزعوم في الانتخابات الأميركية، وهو ما أدى بالنتيجة إلى عرقلة وفاء ترامب بوعده بأن يقيم علاقة أكثر وداً مع موسكو.
وفي الشهر الماضي صرح الرئيس بوتين للصحفيين بأن ترامب لم يستطع تحسين العلاقات مع روسيا «على رغم أنه يريد ذلك، بسبب القيود الواضحة» عليه. وبدوره وصف المتحدث الصحفي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف حالة العلاقات الأميركية الروسية بأنها هي أكبر خيبة أمل في عام 2017. وأشار فاليري جاربوزوف مدير «معهد الدراسات الأميركية والكندية» في الأكاديمية الروسية للعلوم في جلسة نقاشية عن العام الأول لترامب في الرئاسة استضافتها وكالة الأنباء الروسية الرسمية إلى ترامب بأنه «رئيس مقيد الأيدي». وأضاف جاربوزوف مستخدماً عبارة مفضلة في الدوائر السياسية الروسية، قائلاً إن «الصفوة السياسية الروسية تنظر إلى الرئيس الأميركي باعتباره في قمة سلطة رأسية كما هو الحال لدينا».
وما زال الزعيم القومي الروسي فلاديمير جرينوفسكي يتذكر اجتماعاً عقد بينه وبين دونالد ترامب في نيويورك عام 2002. وأشار جرينوفيسكي إلى ترامب بأنه «كان يفهم أن الطريقة التي تُصور بها روسيا في الصحافة الأميركية لا توافق الواقع». وجرينوفسكي مرشح رئاسي سابق وشخصية حماسية اشتهر بخطابه المتشدد المعادي للأجانب، ويتندر الروس عادة بتصريحاته الغاضبة، ولكنه يدعم بوتين ويعتبر أحد أبرز الأصوات في السياسة الروسية. وكان جيرينوفسكي قد أعلن أنه يريد مقابلة أميركيين بارزين ويُستحسن أن يكونوا سياسيين حين زار نيويورك في عام 2002. ثم رتب فلاديمير جراتشيف، المسؤول الروسي الذي كان يعمل في الأمم المتحدة، اجتماعاً لجرينوفسكي مع ترامب. وأكد جراتشيف، الذي يعمل حالياً نائباً لمدير لجنة الانتخابات المركزية في روسيا، في مقابلة عبر الهاتف أنه نظم اجتماع عام 2002 إرضاءً لجرينوفسكي الذي كان يعرفه منذ فترة طويلة. وصرح جراتشيف بأنه فعل ذلك بشكل غير رسمي، وأن الاجتماع تم بفضل شخص له علاقة مشتركة مع كل من جراتشيف وترامب. وذكر جرينوفسكي أنه حاول في الاجتماع إقناع ترامب بالاستثمار في موسكو، وعرض المساعدة بتوفير اتصالات مع إدارة العاصمة الروسية.
وبعد شهرين من إعلان ترامب ترشحه عام 2015، أصبحت الصحف الروسية تنقل تصريحات جرينوفسكي المؤيدة لترامب. وهتف جرينوفسكي في برنامج حارات يعرض في وقت الذروة في سبتمبر عام 2016 قائلاً: «نحتاج ترامب! يتعين علينا أن نقاتل من أجل فوز ترامب!». واحتفل جرينوفسكي في البرلمان الروسي بفوز ترامب وتمنى «تحسناً سريعاً في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة». ولكن بعد مرور عام من رئاسة ترامب لا يلوح حتى الآن أي تحسن في الأفق. ويتحسر جرينوفسكي قائلاً: «لو فازت كلينتون لما تحولت كل الصفوة الأميركية ضدنا».
وبنهاية هذا الشهر يتوقع أن تصدر وزارة الخزانة الأميركية قائمة بأسماء رؤساء الشركات الروسية المقربة من الكرملين، كجزء من تشريع للكونجرس أصدره الصيف الماضي يتعلق بالتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية. وإدراج شركة ما في القائمة قد لا يعني بالضرورة فرض عقوبات ولكنه يلصق بها وصمة سلبية، على كل حال. كما أقر ترامب أيضاً إرسال أسلحة قتال إلى أوكرانيا لاستخدامها ضد الانفصاليين المدعومين من قبل روسيا، وهي خطوة لم يقدم عليها أوباما. واستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي أصدرها البيت الأبيض الشهر الماضي ذكرت، بشكل خاص، روسيا والصين بالاسم باعتبارهما تتحديان «القوة والنفوذ والمصالح الأميركية».
وعلى رغم كل الاستياء في موسكو من تدهور العلاقات الروسية الأميركية، يتوارى الجدل في قضية يعتبرها عدد كبير من الأميركيين واحدةً من أكبر العوامل في تدهور العلاقات وهي استنتاجات مجتمع الاستخبارات الأميركي، التي يرفضها الكرملين، والمتعلقة بتدخل عملاء روس في الانتخابات الأميركية. ففي الجلسة النقاشية التي استمرت 90 دقيقة بشأن العام الأول لترامب في الرئاسة لم تظهر هذه القضية تقريباً. وقد أشار أندريه كورتونوف، مدير عام «مجلس الشؤون الدولية الروسية» البحثي، في حديثه بشأن المزاعم بوجود تدخل روسي في الانتخابات إلى أن «معظم الشعب الروسي وليس فقط الصفوة لا يدركون بعد مرور عام أهمية هذه المسألة للولايات المتحدة». ولكن حتى السياسيون المؤيدون للكرملين الذين أنكروا تلك المزاعم تماماً يعبرون أحياناً عن الرضا عن تحول عدد أكبر من الأميركيين إلى اعتبار روسيا قوة لا يمكن تجاهلها.

* رئيس مكتب «واشنطن بوست» في موسكو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»