دنيا

خالد القبيسي: مهنتي بددت ظلام حياتي وأشعرتني كأني أولد من جديد

خالد القبيسي أثناء تأدية عمله (تصوير يوسف السعدي)

خالد القبيسي أثناء تأدية عمله (تصوير يوسف السعدي)

العين (الاتحاد) - «عملي كموظف استقبال في إدارة الخدمات العامة في حديقة الحيوانات بالعين أحيت الأمل في داخلي وجعلتني أشعر وكأنني ولدت من جديد»؛ بهذه الكلمات المعبرة والمؤثرة وصف الشاب الإماراتي خالد القبيسي التغيير الكبير الذي طرأ على حياته بعد أن صار موظفا رسميا في واحدة من مؤسسات مدينة العين، لا سيما أنه يعاني من إعاقة جسدية بدأت كبيرة وخفت تدريجيا مع العمليات الجراحية والعلاجات المتكررة.
الاختبار الأصعب
لعل الاختبار الأصعب لدى القبيسي أن يكون موظف استقبال عليه أن يتواصل يوميا مع الكثير من المتصلين والزوار والموظفين، في الوقت الذي اعتاد فيه على أن يكون منطويا على نفسه يعيش في عالم خاص يسوده البؤس والسواد.
وعن حياته قبل أن يصبح موظف استقبال في إدارة الخدمات العامة في حديقة الحيوانات بالعين، يقول القبيسي (33 سنة) «أصبت عندما كنت في عمر الستة شهور بحمى شوكية سببت لي إعاقة في معظم أجزاء جسمي، خاصة في الساقين، فخضعت لعدة عمليات جراحية وعلاجات على مدار سنوات طويلة حسنت كثيرا من حالتي، وقلصت درجة الإعاقة لدي حتى صارت لا تتجاوز 15 % وتقتصر على ساقيّ».
ويتابع «درست في مدارس حكومية مع الطلبة الأسوياء، وكنت كثيرا ما أنقطع عن الدراسة وأعود بسبب خضوعي للعلاج وأكملت حتى الصف الثالث إعدادي، وبعدها سافرت لإجراء عملية جراحية وعدت إلى الدولة وصرت أبحث عن عمل حتى وجدت وظيفة في شرطة أبوظبي، حيث عملت موظف بدالة لمدة عامين، وتركتها للسفر والعلاج أيضا».
ويشير القبيسي إلى أنه في عام 2010 أخذ يبحث عن مهنة جديدة فسمع عن مراكز وزارة الداخلية لتأهيل وتشغيل المعوقين في العين فسارع بالتقدم إليها، وكانت هذه الخطوة أولى خطواته على طريق النجاح، في هذا الإطار، يقول «خضعت لعدة دورات في مراكز وزارة الداخلية لتأهيل وتشغيل المعوقين استمرت لمدة 5 شهور وتمحورت حول السكرتارية الإلكترونية واللغة الإنجليزية، وحصلت على شهادات نتيجة لاجتيازي امتحانات نهاية الدورات بنجاح».
ورشحت مراكز وزارة الداخلية لتأهيل وتشغيل المعاقين في مدينة العين عددا من متدربيها الذين اجتازوا الدورات التدريبية بنجاح للتدرب والتوظيف في حديقة الحيوانات بالعين، بموجب اتفاقية تعاون بين الطرفين، وكان خالد القبيسي أحد هؤلاء الشباب المتدربين، حيث التحق القبيسي كما يذكر بالحديقة في شهر مارس من العام الماضي، وبدأ يتدرب على مهنة موظف الاستقبال على يد موظفة صاحبة خبرة، وأنهى تدريبه في شهر يوليو من العام نفسه، وليصدر قرار في اليوم التالي بتعيينه موظفا رسميا وبمسمى موظف استقبال.
واجبات مهنية
حول المهام والواجبات المهنية التي يقوم بها من خلال عمله كموظف استقبال، يقول القبيسي «أقوم باستقبال الزوار وكذلك المكالمات الواردة منهم وأرد على استفساراتهم وأسئلتهم أو أحولهم إلى الموظف المخول بذلك، وتدور معظم أسئلة الجمهور حول موقع الحديقة والجغرافي والإلكتروني وحول وجود وظائف شاغرة، كما أستقبل مكالمات الموظفين الداخلية وأحولهم للتواصل مع موظفين آخرين في الحديقة، وأرتب الاجتماعات للموظفين أو للإدارات المختلفة بحجز وتوزيع الغرف المخصصة لذلك، وأستقبل البريد والمعاملات الواردة وأوقع باستلامها وأوزعها على الموظفين أو الإدارة الموجهة إليها، وأسجل الصادر وأوقع عليه قبل إرساله».
ومن شدة حب القبيسي لعمله يصفه بأنه «ممتع ومريح جدا ولا صعوبات أو تحديات فيه»، ويرفض أن يعتبره روتينيا أو مملا لطالما أنه وجد نفسه ونجاحه فيه، بل ويؤكد على الانعكاسات الجميلة لمهنته على شخصيته منذ تسلم مسؤوليتها. ويشرح «قبل أن أعمل في هذه المهنة كانت حياتي مملة ومظلمة وبائسة والآن تحسنت نفسيتي كثيرا وصرت أحب الحياة وأقبل عليها، لقد كنت بسبب إعاقتي منطويا على نفسي والآن صرت بفضل عملي أتواصل مع الكثيرين من الموظفين والجمهور سواء عبر الهاتف أو بصورة مباشرة فقويت شخصيتي وزالت الحواجز بيني وبين من حولي، وصرت أقرب إلى الناس لا أخاف من التعامل مع مختلف أنواع الشخصيات والأمزجة». ويضيف «الأجمل أن كل من حولي يعاملني وكأنني إنسان سليم لا أشكو من إعاقة فلا أرى نظرة شفقة من أحد بل أرى كل التقدير والاحترام، بالإضافة إلى أن مهنتي ساعدتني على تطوير قدراتي على ضبط النفس والصبر والتعامل ببشاشة واحترام وذوق وهدوء، وأشعر أنني كل يوم أتعلم معلومة جديدة وأتعرف على أناس جدد».
ويؤكد القبيسي أن التكنولوجيا وبالذات الكمبيوتر سهلت على موظف الاستقبال عمله وذلك من خلال تخزين أرقام تحويلات الموظفين عليها وإيميلاتهم التي يتم مخاطبتهم عبرها، كما ساعدت في التعرف على طبيعة عمل الموظفين أنفسهم وذلك بتخزين معلومات عن مهامهم المهنية فيستفيد منها موظف الاستقبال في التعرف عليهم أكثر وتحويل مكالمات الجمهور إلى الموظف المطلوب حسب عمله.
مهارات وقدرات
وعن المهارات التي يجب أن تتوافر في موظف الاستقبال ليقوم بعمله بنجاح، يقول القبيسي «بما أن موظف أو موظفة الاستقبال بمثابة واجهة أي مؤسسة فلا بد أن يتمتع موظف الاستقبال بمهارة عالية في التعامل والتواصل مع الآخرين والقيام ببعض المهام الإدارية، كما أن عليه أن يتفاعل بشكل مريح ومرن مع الجمهور والموظفين داخل المؤسسة على جميع مستوياتهم المهنية، وعليه أن يحافظ على الوجه المبتسم فالابتسامة تفعل المعجزات وتزيل الغضب، ويحافظ على هدوئه واتزانه، ويتكلم بصوت ذي نبرة متوسطة، وأن يكون لديه مهارة توصيل المعلومة المفيدة في أقل عدد كلمات ممكن، فبدلا من الانغماس في حديث طويل لا داعي له لإيصال معلومة ما لا بد من التكلم بوضوح وإيجاز وبصورة مهذبة وراقية، عدم التأخر في الرد على الاستفسارات أو تحويلها للجهة المطلوبة ، والمحافظة على خصوصية الموظفين وذلك بعدم السماح لأي كان في الحصول على أرقام هواتفهم الخاصة أو إيميلاتهم، والأهم من ذلك كله الرغبة في العمل في هذه المهنة ومحبتها الأمر الذي يمنع أي إهمال أو تقصير».
وينصح القبيسي الشباب المواطنين والشابات المواطنات بالإقبال على العمل في مهنة موظف أو موظفة الاستقبال لما لهذه المهنة من تميز في منح العاملين فيها فرصة ذهبية في التواصل مع الآخرين وتعلم فن حسن المعاملة والصبر. ويشدد على ضرورة عدم الخجل من العمل في هذه المهنة التي يراها واحدة من أجمل وأرقى وأهم المهن، كما يوجه رسالة لمن عانى كمعاناته نتيجة المرض أو الإعاقة ألا ييأس مما أصابه، وأن يبحث عن عمل يجد فيه نفسه فلا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس.