الملحق الثقافي

الليبرالية و ما بعد الداعشية

يبدو أن حركات التطرف الديني ـ السياسي التي عاشها العرب ـ على وجه العموم ـ طيلة النصف الثاني من القرن العشرين والربع الأول من الواحد والعشرين، والتي تنامت بالتدريج هنا وهناك إما تلقائياً أو تلاقحياً يبدو أنها ـ أو على الأقل ـ أظافرها العنيفة تتجه نحو الضمور والأفول.
مبدئياً التجربة التاريخية بقساوتها وعنفها تعطي دروساً قاسية، بحيث إن من المفترض أن يستوعب الوعي العربي ـ السياسي والثقافي والعمومي ـ هذه الدروس التي مؤداها أن الوعي الذاتي الدفاعي المستلهم والمستعمل لحمولات التراث يتعين أن يراجع ذاته وتلقائيته ليتكيف مع المعطيات الجديدة للتاريخ العالمي وخاصة بعد أن سقط هذا الوعي في أحابيل التاريخ وجعل ما يزهو به أي ذاته وثقافته، محط حشد بشري عالمي مضاد. مكر التاريخ هنا أن ما تود الاعتداد والاعتزاز والافتخار به يمكن أن يتحول إلى مسبة ومشتمة واسعة.
هذا الواقع يفرض إذن ضرورة مراجعة الذات واستيعاب الدرس التاريخي، والتفكير في كيفية مواجهة المستقبل، وفي الخطط والأدوات الملائمة لذلك.
أفترض أن ما يطلق عليه «الوعي التاريخي» في صورته الحادة ذو وجهين: الوجه السلبي ويتمثل في الوعي بالسقطات والهفوات والأخطاء، والوجه الإيجابي ويتمثل في الخروج من الوحل وبناء وعي إيجابي.
في هذا السياق يبدو لي أن هذه العثرة التاريخية تفرض على العرب بجدية ولمرة أخرى ضرورة مراجعة ثقافة البداوة وثقافة الرياح المغبرة العاتية نحو آفاق الثقافة الحديثة: ثقافة الحرية والقبول بالاختلاف وبالتعدد وبالحقوق.
هذه الثقافة المأمولة تلخصها مقولة الليبرالية التي هي تحدٍ فكري طرحه التاريخ الحديث على العرب في منتصف القرن العشرين ـ مع استفحال التحديات الفكرية والعدوانية للعصر الغربي الحديث ـ والتي التقطها لطفي السيد وسلامة موسى وطه حسين في مصر وبشروا بها العالم العربي من دون صدى.
تطرق الليبرالية من جديد أبواب التاريخ العربي بعد هزيمة الداعشية التي هي المرحلة الأعلى للإخوانية، آملة أن تتمكن من الاستيطان في الوعي والوجدان، بل حتى في اللاوعي العربي الإسلامي.
نعم يمكن أن نقول إن الليبرالية في إحدى مظاهرها السطحية تتمثل سياسياً في الانتخابات والديمقراطية والبرلمانات وفي كل مظاهر التمثيلية والمشاركة السياسية. لكن تلك إنما هي بنية فوقية تحتاج إلى أساس متين. وهذا الأساس ليس إلا الليبرالية لا فقط كإيديولوجيا سياسية ـ يمكن أن تسقط أيضاً في التمثيل المسرحي لا في التمثيلية Représentativité ـ بل كثقافة أي كقناعة فكرية ثقافية عميقة.
وبالتأكيد فإن الليبرالية كنسق من الاعتقادات الفكرية سيصطدم باقتناعات ثقافية أخرى تقليدية أو عميقة تقوم على ركامات من النرجسية (بمختلف مستوياتها)، محروسة بحزام من السياجات الدغمائية المغلقة الرافضة ضمنياً للآخر (بمختلف مستوياته العقدية والفكرية والحضارية...).
فتبني الليبرالية وبخاصة في مستوياتها الفكرية، لا فقط في سطوحها السياسية، يطرح على الوعي العربي (السياسي، وأيضاً الثقافي) ضرورة مراجعة الذات وضرورة تهجي مكونات الثقافة الليبرالية المتمثلة في الحرية (=الحريات) والحقوق، والآخرية (Alterité)، والنسبية، والقبول بالسيرورة والصيرورة؛ أي بروح الفكر الحديث كما تمثله الليبرالية التي يعتبرها عبدالله العروي (منذ ستينيات القرن الماضي) العتبة الأولى في درب أو دروب الحداثة.
هذا التصور لليبرالية هو بالتأكيد تصور إيجابي؛ لأن وجه الليبرالية مخدوش بالصورة السلبية التي اكتستها الليبرالية، سواء في سياق صراعها الإيديولوجي الطويل مع الماركسية طيلة القرن العشرين، أو في سياق الصورة السلبية التي اكتستها الليبرالية في النموذج المتداول للنيوليبرالية الموصوفة بـ«المتوحشة» والتي ارتبطت باسمي تاتشر وريغان.
الليبرالية المرشحة اليوم لتتويج الوعي العربي هي الليبرالية في صيغتها الكلاسيكية القائمة على تقديس حرية الفرد، وتحرير السياسة من سيطرة الدغمائية العقدية، وبناء الصرح السياسي على التمثيلية، وتمايز السلط، وحرية الاعتقاد، والقابلية للمحاسبة والنقد للأشخاص والأفكار، إلى آخر ذلك من عناصر المدونة الليبرالية للحرية في صيغتها الثقافية الكلاسيكية والأصلية.
أعرف جيداً أن هذه المكونات ظلت عناصر مرة لم تستسغها ولم تبتلعها الثقافة السياسة العربية الحديثة ابتداء من رفض ترجمة معنى كلمة الليبرالية نفسها إلى «الحرياتية»، والاحتفاظ بصيغتها اللاتينية دليلاً على «لفظها» من اللغة العربية وربما من الثقافة العربية نفسها.
ولعله الآن قد آن الأوان لاستمراء هذا المضمون واستدماجه في الثقافة السياسية العربية.