الملحق الثقافي

فاضل العزاوي لـ«الاتحاد الثقافي»: علينا تحرير المخيّلة

هو صوت شعري فريد ومفارق في بريّة شعراء الستينيات في العراق وعلى المستوى العربي العام. أعطى الحداثة الشعرية العربية، بعد جيل روّادها المعروفين والمخضرمين في أواخر الأربعينيات ومطالع الخمسينيات من القرن الماضي، مذاقاً خصوصياً، جعل هذه الحداثة تستأنف انفجارها بهوية فنية أكثر اقتداراً وشجاعة في قلب معادلات عملية التجديد نفسها ورسم أسئلتها الإبداعية التي لا رجعة عنها أو عن تحولاتها الفاعلة والمتفاعلة في الفضاء الشعري والنقدي العربي العام. إنه الشاعر العراقي فاضل العزاوي الذي لم يكتفِ ببث الشعرية في متون قصائده.. وإنما نوّع عليها في الصميم من سردياته الروائية والقصصية التي أغنت شخصيته كمبدع، وجعلت منه جبهة شعرية «مهابة» بحالها.

* يظل الشعر ترجمة لوعي آخر عميق ومفارق بالعالم.. ما هو هذا الوعي الشعري لديك؟
** هذا ما يفترض في الشعر أن يكونه، ولكنه ليس دائماً كذلك. ثمة في الشعر الحديث أيضاً شعر سطحي ينبني على عاطفة شعبوية سهلة ويكرر ما هو مستهلك وفاقد لأي قيمة حقيقية، لاستجداء الرضا القائم على الموافقة، وشعر يكاد يكون خواطر عاطفية أو تلصيق جمل وأنصاف جمل بعضها ببعض، من دون اعتبار لوحدة النص، مثلما كان يحدث في القصيدة العمودية التي تقوم في الأغلب على وحدة البيت لا القصيدة. ثمة تدرجات دائماً في وعي الشاعر لقصيدته وطريقة كتابته لها، من خلال مستوى وعي الشاعر بالعالم الذي يعيش فيه. هناك شعراء يقعون أسرى الإشكالات السياسية في مجتمعاتهم، فيحاولون أن يكونوا طرفاً فيها وآخرون ينكفئون على أنفسهم في قصائد لا تكاد تقول شيئاً.
أكيد أنه يمكن للشاعر أن يمسّ أيّ موضوع سياسي أو اجتماعي، بل أيّ موضوع على الإطلاق، ولكنه إذ يفعل ذلك، يتوجب عليه أن يتناوله برؤية الشاعر، لا ببلاغة الصحافي أو الزعيم السياسي والاجتماعي، أي أن الشاعر يلتقط ما هو شعري من كتلة قد لا تبدو شعرية أساساً، وهذا يعني أن يسقط كل ما هو مستهلك ومكرر فيها.
لا أملك وصفة جاهزة لكتابة القصيدة. في كل مرة أكتب فيها القصيدة عليّ أن أكتشف الشعر من جديد.

تحرير المخيلة
* أنت من الشعراء الذين تجاوزوا مسار الحداثة الشعرية العربيّة كما عرفناها مع «جيل الرواد» أواخر الأربعينيّات والخمسينيّات من القرن الفائت، وأخذوا القصيدة إلى فضاء آخر من تداخل الأجناس الأدبية والفنون البصرية، فضلاّ عن توظيف الرسم والكولاج والترتيبات الهندسية، التي تبدّل من طبيعة الخصائص البنيوية واللسانية للقصيدة.. ولقد أحدثت تجربتك الشعرية في فترة الستينيات ما يمكن أن نسمّيه قطيعة شعرية ونقدية مع من سبق من شعراء تلك المرحلة ونقادها. لا بأس، أين أنت اليوم من كل هذه الرؤى والخلائط والتجريبيّات المفتوحة، وإلى أي شعرية جديدة تسعى؟
** لا أعرف إن كانت تجربتي الشعرية في الستينيات قد أحدثت قطيعة مع تجربة جيل الرواد الأربعينية والخمسينية أم لا، فأنا لا أعوّل على مفهوم القطيعة التي قد تتضمّن الإلغاء، وهو ما لم أقصده في أي وقت. كان ثمة شعراء مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وأدونيس يهيمنون على المشهد الشعري العربي، وكان ثمة نقاد يعتبرون قصيدتهم القصيدة التي ما بعدها قصيدة. أكيد أن هؤلاء الشعراء قدموا إنجازات شعرية متقدمة وحققوا تطوراً مهمّاً في الشعر العربي، ولكن كان من المهم فهم هذه الخطوة ضمن تطورها التاريخي ومستوى وعيها بنفسها.
نحن نعرف أن المحاولات الأولى للخروج على القصيدة العمودية بدأت في الأعوام الأولى من القرن العشرين عندما نشر شعراء مثل أمين الريحاني وجميل صدقي الزهاوي أولى القصائد النثرية، تارة تحت تأثير ديوان «أوراق العشب» لوالت ويتمان الذي كان الريحاني معجباً به وأخرى تحت تأثير الشعر التركي على الزهاوي. كانت القصائد الأولى بسيطة بالطبع، وربما ساذجة أيضاً. ولكن الحركة استمرت حيث نشرت مئات القصائد وعشرات الدواوين النثرية في العديد من البلدان العربية. ولعل أفضل من مثلها في لبنان هو ألبير أديب ومجلته المهمة «الأديب»، وفي العراق حسين مردان الذي نشر أكثر من ديوان نثري وابتكر لنصوصه هذه اسم «النثر المركّز».
هذه القصيدة النثرية شكلت خروجاً كاملاً على الشعر العربي التقليدي المستمر منذ أكثر من أربعة عشر قرناً وصدمة للذائقة العربية المعتادة على الإيقاع العروضي. وإذا ما أردنا هنا أن نستخدم قانون هيغل في التناقض، نقول إن نفي النفي أدّى إلى ظهور شكل جديد يحمل شيئاً من النقيضين، وهو ما فعلته القصيدة الحرّة (قصيدة التفعيلة) التي جاءت كمساومة تاريخية بين القصيدة العمودية والقصيدة النثرية. فقد استعارت من القصيدة النثرية طريقة بنائها ومن القصيدة العمودية إيقاعها. هذه القصيدة التي كتبها الرواد شكّلت لحظة من لحظات الحداثة في فترة تاريخية معينة، وليس الحداثة كلها. فالرومانسية العاطفية التي نجدها عند نازك الملائكة والتبشيرية السياسية التفاؤلية عند البياتي وبكائيات السياب ترتبط بزمانها قبل أي شيء آخر، فضلاً عن أن معظم هؤلاء الشعراء كانوا شعراء عموديين قبل ذلك وبعده أيضاً، حيث يتبدّى تأثير ذلك في لغتهم ونبرتهم، بل وحتى في النظر إلى موضوعهم. ومن ناحية الشكل اختزلت قصيدة التفعيلة الشعر إلى بضع تفعيلات تتكرر دائماً، مبتعدة عن البحور المركّبة التي لا تصلح لمثل هذه القصيدة.
هذا هو الأساس الذي قام عليه نقد قصيدة الرواد، والذي فتح المجال واسعاً لتطور مدهش في الشعر. فقد دعا «البيان الشعري» الذي نشر في العام 1969 إلى حرية العمل الفني، ليس في شكل تحققه فقط، وإنما أيضاً في رؤياه وموقفه من العالم، فالشعرية قيمة بحد ذاتها، ويمكن أن تتحقق في أيّ نص أو عمل فني. كان علينا تحرير المخيلة لنرى ونكتب ما يجعلنا أكثر حرية في التعامل مع زمننا.

زمن الأمل
* لا أريد العودة إلى «البيان الشعري» الذي أصدرته في الستينيات وأحدث ما أحدثه آنئذ، ولكن انطلاقاً من وهج وإيقاع ونتائج ذلك البيان في حينه، هل ترى أن مرحلتنا الراهنة، تحتاج إلى بيان شعري جديد، يكون عالمياً هذه المرة، وليس عربياً فقط؟
** البيان الشعري الذي صدر قبل ما يقرب من نصف قرن كتب في ظلّ ظروف تاريخية شكّلت انعطافة كبيرة في تاريخ العالم، انعطافة سياسية وثقافية وأخلاقية حتى في الغرب نفسه نحو المزيد من التحرر الإنساني ورفض كل شمولية فكرية، مهما كان اسمها ومصدرها. وفي العالم العربي أرغمت هزيمة يونيو/ حزيران 1967 المثقفين العرب بصورة خاصة على البحث عن كل ما يمكن أن يخرجهم من حفرة التخلف التاريخي والدكتاتوريات والقمع والإذلال ويجعل منهم قوة مبدعة تدرك روح الزمن الذي تعيش فيه.
في هذا الفضاء الثوري الذي كان يضمر الكثير من الأمل والقدرة على النقد كتبت البيان الشعري الذي تضمّن نقداً جذرياً لكل وثنية سياسية وفكرية، ورفضاً لكل الأغلال المفروضة على الإبداع من أجل تحرير الشاعر والقصيدة معاً من أية سطوة أو تبعية تجعله تابعاً لما هو خارج عنه.
مرحلتنا العربية والعالمية الراهنة أكثر مأساوية وتعقيداً، فقد جرى التطور منذ الثمانينيات على محورين يبدو كل منهما منفصلاً ظاهرياً عن الآخر، في عملية مستحيلة واقعياً: تطور علمي وتكنولوجي مدهش لم تشهد البشرية ما يماثله من قبل من جهة، وردة فكرية وسياسية، تكاد تكون فريدة هي الأخرى من جهة أخرى. كل هذا يبدو متناقضاً. فالمفترض أن تؤدي الاختراقات العلمية الكبرى إلى المزيد من الوعي الفكري التحرري. ولكنني أفهم كيف حدث ذلك. ففي الوقت الذي تنهدم فيه الحدود القديمة بين البشر، بسبب وسائل الاتصال الجديدة تتضح الفوارق أكثر فأكثر. ثمة أجزاء في العالم تعيش في رخاء كبير وأخرى، تشكّل معظم البشرية، تعاني من البؤس والفاقة. ثمة بضع مئات من البشر يملكون أكثر مما يملكه نصف البشرية. ومع بدايات القرن الجديد بدأت مرحلة تفكيك الدول أيضاً والعودة بها إلى ما قبل التاريخ. في مثل هذا العالم الذي انعدم فيه البديل بعد انهيار الحركات الماركسية وهزيمة الحركات القومية لم يعد أمام الناس اليائسين الخاسرين ما يفعلونه سوى التشبّث بقشة الأوهام.
هذه مرحلة مؤقتة سوف تنتهي بالتأكيد ذات يوم، لكنها أكبر من أي بيان شعري أو فكري أو سياسي أو نقدي يمكن أن يكتب الآن. الأمر يتعلق بتطور تاريخي يشمل العالم كله وبحركة تنويرية كبرى وصراع فكري يستهدف التحرر من كل أشباح القرون الماضية التي لا تزال تغلق الباب علينا.

إغراء التجديد
* أنت شاعر تجريبي فريد في تمرده، ويخلو نصّك الشعري والسردي عموماً من الملالة والنمطية والإنشائية التهويميّة.. حسناً، ألا تخشى من الوقوع في إغراء نسق التجديد لذاته، حيث يخلق هذا الإغراء أيضاً نمطية ما، وإن تحت عناوين التمرّد وكسر الأعراف وحتى ضرب فكرة تغيير العالم وابتكاره من خلال القصيدة... إلخ؟
** لم أتعمّد في أي وقت أن أكون حداثياً أو تجديدياً، فأنا حديث وجديد بذاتي وبالضرورة ما دمت أعيش في زمني. فأنا لا أمتطي بعيراً حين أسافر من برلين إلى لندن - مثلاً - وأكتب قصيدتي على الكومبيوتر وليس على جلد الغزال. في إحدى قصائدي يلتقيني المتنبي في شارع ما في برلين وقد أضر به الجوع فيتشبث بي طالباً أن أقوده إلى ملك الألمان ليمدحه بقصيدة. حسناً، المتنبي شاعر كبير ومبدع، ولكن لا يمكن لي أن أكون مثله. هذه مسألة مهمة تمسّ جوهر الصراع الذي تخوضه مجتمعاتنا العربية الآن بالذات: كيف نمتلك الماضي ثقافياً؟ ينبغي على التقاليد أن تؤكد أهليتها للاستمرار بمدى قدرتها على التكيّف مع أزمنتنا الجديدة وتحولها إلى قوة مبدعة. لا يمكن لنا - مثلاً - أن نقتني عبيداً وجواري أو أن نفرض العبودية على أسرى الحروب، بدعوى أنها تنتمي إلى تقاليد ظلت سائدة قروناً طويلة. ولكننا نولي اهتماماً كبيراً لكل تقليد يقودنا إلى المزيد من الإبداع والحرية.
السؤال الذي يواجه كل شاعر وكاتب: هل ينبغي أن أقلّد نصوصاً وأشكالاً ظلّت مستمرة منذ قرون طويلة أم أبتكر ما هو خاص بي؟ وهنا أقول إن الاحترام الوحيد الممكن للتقاليد الثقافية هو أن تتحداها، لا أن تظل تكررها. كل نص أدبي أصيل جديد هو تجريبي، بمعنى أنه ليس مؤسّساً بعد، فإذا أثبت جدارته انتماء إلى التراث، وإن كان عابراً اختفى مع الزمن.
الكتابة الحديثة الحقيقية أصعب بألف مرة من الكتابة التقليدية. في الكتابة التقليدية يمكن لك أن تأخذ نصّاً مؤسّساً وتنسج على منواله، وهو ما يفعله الكثيرون. أما في الكتابة الحديثة، فعليك أن تكون مبتكراً بالفعل. ولكن ليس كل كتابة تدّعي الحداثة هي حديثة حقاً. ففي الشعر الحديث (قصيدة النثر مثلاً) غالباً ما تتشابه النصوص بطريقة مريعة حتى لكأنها جميعا لشاعر واحد، لأنها تقوم على وصفة ما (مناجيات، اعترافات، هلوسات..الخ)، مما يضيفها إلى الركام السائد.
كل أعمالي هي ضد النمطية. أكيد أن لكل شاعر لغته وفضاءه الخاص به، ولكني أجهد في أن تكون كل قصيدة لي جديدة وتقول شيئاً لم أقله من قبل وإلا فقدت القصيدة معناها. فأنا لا أسجن نفسي داخل شكل واحد للشعر، وإنما أعتبر كل الأشكال مادتي التي أتعامل معها وأتنقل بينها بحرية، من قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية إلى القصيدة الحرة وقصيدة النثر، بل وحتى إلى القصة الشعرية والمقامة والأمثال ولغة الكتب المقدسة، بالطريقة التي تخدم نصي. وفي هذا أثبت وفائي ليس للتراث العربي وحده وإنما للتراث الإنساني كله.

نقد اليقينيَّة
* كيف تتعامل مع أطروحة شعرية ما بعد الحداثة، واليوم يتحدثون في الولايات المتحدة عن شعرية ما بعد.. بعد الحداثة. ما تعليقك؟ وما سرّ هذه «الما بعديات» التي تسرّبت إلى العديد من المفاهيم والنصيّات المعرفيّة والنقدية والفلسفية والتاريخية في الغرب؟
** مفهوم ما بعد الحداثة، وهو مفهوم أكاديمي قبل كل شيء، ينطلق من نقد التفاؤلية التاريخية واليقينية التي ارتبطت بالحداثة باعتبارها تطوراً نحو الأسمى والأعلى بوضعنا أمام أسئلة تكاد تشبه أسئلة الدين نفسه عن معنى وجودنا في الكون وعن المتاهة التي لا خروج منها، منتظرين غودو الذي لا يجيء كما عبر عنه صموئيل بيكيت. لا تكاد توجد رواية تنتهي بانتصار البطل، بعكس المنظور الملحمي القديم الذي كان ينتصر فيه البطل دائماً في النهاية. وبالطبع كان من المتوقع أن يظهر من ينتقد هذه الرؤية أيضاً والذي تقول إنهم صاروا في أميركا يطلقون عليه ما بعد بعد الحداثة. كل هذه التوصيفات المابعدية هي توصيفات أكاديمية لما يصعب إضفاء اسم محدد عليه. ولعل الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس هو من أوائل الذين انتقدوا ميتافيزيقيا ما بعد الحداثة إلى الحد الذي أشاد فيه بأفلام كاوبوي هوليوود التي ينتصر فيها البطل الطيب على رجال العصابات الشريرين دائماً.

مستقبل الشعر
* كيف ترى مستقبل الشعر في العالم؟
** لست نبيّاً لأتحدث عن المستقبل الذي يضمر الكثير من المفاجآت دائماً. ولكن كل من يملك عينين يرى أن وظيفة الشعر اختلفت ومعها مكانته وتأثيره في حياة الناس. لقد تخلّى الشعر عن الكثير من وظائفه الدعائية والأخلاقية والوعظية والخطابية السابقة لمصلحة فنون إعلامية وأدبية أخرى. والأكثر من ذلك أن الكثير من الشعر صار يكتب نثراً الآن، ما جعله يقترب من أشكال كتابيّة أخرى. وهكذا ضاقت مع الزمن المساحة الخاصة به. وهذا يعني أنه سيكون من الصعب على الشعر بمفهومه القديم أن يحافظ على دوره، ولكنه قد يعمد ليظلّ قادراً على الحياة إلى ابتكار أشكال أكثر جاذبية وقدرة على التأثير. وهنا ينبغي التأكيد على الشعرية التي توجد في كل ما يحيط بنا. إنّ عالماً تنعدم فيه الشعرية غير ممكن أساساً لحسن الحظ، ولكن طرق التعبير عنه سوف تتخذ مسارب جديدة.

فيزياء المستحيل
* عندما تحدث الشاعر الفرنسي الكبير سان جون بيرس عن المشتركات بين الشاعر والعالِم منذ أكثر من نصف قرن، كان بشكل أو بآخر يتحدث عن «شعرية العلم» والانبهار بـ»فيزياء المستحيل» على حد تعبير ميتشيو كاكو، عالم الفيزياء الأميركي من أصل تيبتي، الذي تحدث مؤخراً في دبي عن «أنّ السرعة التي تتحرك بها العلوم والتقنيات، تثير أحياناً رهبة وقلقاً في النفس.. نعم إننا في عالم جديد عندما نتخيّله نصنعه». بماذا تعلّق؟ وهل تميل إلى «شعرية العلم»، بخاصة في زمننا هذا، زمن «الثورة الرقميّة» أو ما يسمّيه الألمان بـ»عصر الثورة الصناعية الرابعة»؟
** ما من شيء أثر على حياتي منذ بداياتي الأولى مثل سحريّة العلم، وبصورة خاصة الفيزياء وعلوم الفضاء والفلسفات المرتبطة بها. كنت لا أزال في الابتدائية عندما أردت أن أكون مثل أديسون، فقمت بغفلة من أهلي بتجارب كهربائية كادت تودي بحياتي، مثلما اقتنيت مرصد أطفال رحت أراقب به السماء، لعلني أعثر على طبق طائر قادم من كوكب آخر. وفي تلك المرحلة أيضاً قرأت كتباً عن مختلف المخترعين والمكتشفين وحياتهم. هذا الإغراء ظلّ يلازمني حتى اليوم. أتابع بشغف حتى اليوم النظريات العلمية الكبرى في عصرنا وبخاصة في علاقتها بالفلسفة، واجداً فيها دائما متعة الشعر الحقيقي.
هذا الهوى تمثل في العديد من أعمالي. بطل عملي الأول «مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة» عالِم شرير يحوّل الناس في مدينته إلى أنصاب حجر. وفي العمل ذاته ثمة ملحق عما كنت أسميه «نظرية الكون المهجور»، وهو بحث عن معنى وجود كون قد لا يوجد فيه شيء سوى الحجارة والرمل والعواصف والانفجارات الشمسية، فضلاً عن أن روايتي «كوميديا الأشباح أو الطريق إلى الجنة» ترتكز في بنائها على مفهوم عالم الفيزياء الأميركي ريتشارد فينمان الذي توفي في العام 1988 عن الوجود، حيث لا يكون لموجودات العالم مجرد تاريخ وحيد في المكان ـ الزمان وإنما كل تاريخ ممكن مثل سطح الأرض الدائري الذي لا بداية له ولا نهاية.

شعر الغرب
* أي شعر ينتج في ألمانيا وأوروبا والغرب كله اليوم، خصوصاً وأنك تعيش بين ظهراني هذا الغرب منذ ما يزيد على أربعين عاماً وتحتكّ مباشرة بشعرائه ونقاده وقرّائه؟
** من الصعب تقديم صورة حقيقية هنا عن الشعر في ألمانيا وأوروبا والغرب، لأن الأمر يتعلق بمئات وربما الألوف من الشعراء الذين يمتلك كل منهم ما يميزه عن غيره. وهذا يعني أن ما أقوله يظلّ في حدود الانطباع. لا يمتلك الشعر في الغرب كله الشعبية التي تحتلها الرواية، على الرغم من أن التلاميذ يُدربون على كتابة الشعر كجزء من تعليمهم الأكاديمي في العديد من البلدان. كما يندر أن يبيع ديوان ما أكثر من بضعة آلاف في أحسن الأحوال. ومع ذلك يواصل الشعراء كتابة الشعر.
ولعل المشكلة تكمن جزئياً في الشعر المقدم نفسه. ثمة صعوبة في استقبال الاتجاهات الأكثر حداثة مثل القصائد الكونكريتية القائمة على اللعب باللغة والتجريبية وقصائد الصوت. أمتلك علاقات شخصية مع العديد من الشعراء الألمان الكبار وأتابع أعمالهم. ومن بين الشعراء الأميركيين أستمتع بقراءة شعر «تشارلس سيميك» و»رسل ايدسون» وبالطبع «إدريان ريتش».
الملاحظة العامة على شعر الغرب كله الآن هي الميل الكبير نحو قصيدة النثر، وهي تعني في الغرب كتابة النص مثل أي نص نثري من دون تقطيع، ليكون نصّاً ينتمي إلى النثر والشعر معاً. في الغرب كله لم يعد أحد يناقش في أن الشعر يجب أن يكون موزوناً أو غير موزون، كما فعل «إزرا باوند» قبل عقود من الزمن. القصيدة الجديدة تكتب من دون شروط مسبقة. كل شاعر يخلق بنفسه إيقاعه الخاص به.

حضور عميق
* تُرجم العديد من أعمالك الشعرية والروائية إلى اللغتين الألمانية والإنكليزية.. كيف تعامل القارئ الغربي مع نصّك الإبداعي؟ وبالمناسبة قيل إنّ الكاتب والروائي البريطاني كولن ولسون كان أحد قرائك المعجبين، هل تعرّفت إليه شخصياً؟ وما الذي لفته في كونك الإبداعي؟
** أعمالي في الحقيقة مترجمة إلى أكثر من عشرين لغة، إما ككتب أو ضمن عشرات الأنطولوجيات والمجلات والمواقع الإلكترونية، وصدرت لي في الإنجليزية وحدها ستة كتب بعدّة طبعات ومن دور نشر عالمية كبيرة. وهناك عشرات المقالات والدراسات المكتوبة عنّي بمختلف اللغات، كما قدمت عن تجربتي الشعرية والروائية أطروحات دكتوراه وماجستير عديدة.
عندما أقدم موقع «ووردس وذوت بوردرس» الأميركي المعروف على نشر الفصل الأول من رواية «آخر الملائكة» حدث ما لم يكن في الحسبان: حقق الفصل أعلى نسبة قراءة في تاريخ الموقع وطوال عامين متتاليين، ما جعل «دار سيمون آند شوستر»، وهي أكبر دار نشر في العالم تبادر إلى شراء حقوق نشر الرواية التي حققت مبيعات كبيرة وكتبت عنها مقالات كثيرة في الصحف والمجلات. أما مجموعتي الشعرية «صانع المعجزات»، فقد دفعت شاعرة أميركية كبيرة مثل «أدريان ريتش» إلى اقتطاف صفحات عدّة من شعري وتضمينها مقالة طويلة لها عن الأدب. ونشرت بالألمانية في معظم الصحف الكبرى أكثر من عشرين مقالة عن رواية «آخر الملائكة» وحدها. وكتب أحد النقاد الصحافيين مقالة بعنوان «آخر الملائكة تحدث ضجة كبيرة في سوق الكتاب الألماني».
كتب «كولن ولسن» أكثر من مرة بحماسة عن أعمالي. كان يهمني أن أتعرف عليه، ولكنه رحل قبل أن تتاح لي فرصة الوصول إليه. إقامتي الطويلة في الغرب والدعوات الكثيرة التي تصلني من مختلف بلدان العالم ومشاركاتي في المهرجانات العالمية، جعلتني أتعرف على أعداد كبيرة من شعراء وكتّاب العالم وأشترك معهم في الندوات والقراءات، وبعض هذه العلاقات تطور إلى ما هو أكثر من المعرفة العابرة. ومن بين هؤلاء الكبار الروائي الألماني الكبير الصديق «توماس لير» الذي أهدى روايته «سبتمبر السراب» التي حصدت العديد من الجوائز الكبرى إليّ، مع استخدامه بعض نصوصي الشعرية داخل الرواية، و»انتزينسبرغر» و»إيلكا إيرب» و»فولكر براون» والكندية «مارغريت أتوود» والتركية «أليف شافاق» والبريطاني الهندي «سلمان رشدي» والنيكاراغوي «أرنستو كاردينال» الذي وقّعت على رسالة لترشيحه لجائزة نوبل خلال زيارة لي إلى نيكاراغوا والأميركي الراحل «أميري بركة» والكاتبة الإيرانية «آذار نفيسي»، والشاعر الجنوب أفريقي «برايتون برايتنباخ» وعشرات غيرهم.
ولكن أطرف ما صادفني هو تعرفي أحياناً على أبناء أو أحفاد شعراء ومفكّرين كبار راحلين. فقد اشتركت في قراءة شعرية مع شاعرة بريطانية اسمها «فريدا هيوز»، وهي ابنة الشاعرة «سيلفيا بلاث» والشاعر الكبير «تيد هيوز». وفي لندن التقيت ابنة «ستيفن سبندر»، وهو أحد الشعراء الذين تأثر بهم السياب وزملاؤه الآخرون. وضمن إحدى لجان التحكيم الأدبية البريطانية التي كنت عضواً فيها، اكتشفت أن اثنتين من الأعضاء الأربعة هما: «روث باول» (حفيدة داروين) و»إستر فرويد» (حفيدة فرويد).

ما يبقى من الشعر
* يقال إن الشاعر الحقيقي هو من يبادر إلى تصفية الكلام من كلاميّته.. ماذا تقول؟
** ربما كان المقصود بالكلاميّة هو ما عناه الفيلسوف الألماني هيغل عند حديثه عن ترجمة الشعر، حيث يرى أن الشعر الحقيقي هو ما يبقى بعد الترجمة. الترجمة تسقط عادة الزوائد والطنطنة اللغوية ومجانيّة القول والصياغات غير المنطقية للمعنى، وهي سائدة في الكثير من الشعر العربي الحديث. وبالفعل جعلتني الترجمة من العربية إلى الإنجليزية بصورة خاصة أدرك هذه الركّة الكلامية بصورة أكثر تجليّاً عند الشعراء الذين يقعون تحت إغراء مجانية اللغة فيقتلون بذلك اللغة نفسها.

* يبدو أنّ ما نسمّيه شعراً لم يعد محدّد المعالم. يقول رومان جاكبسون: «إذا أردنا أن نحدّد هنا مفهوم الشعر، علينا أن نقابله بما ليس شعراً، إلا أنه ليس من السهل أن نقول اليوم ما لا يكونه الشعر».. ما تعليقك؟
** لا يتعلق الأمر بما يكون أو لا يكون شعراً، وإنما بالطريقة التي ننظر فيها إلى العالم وعمق المعنى الذي نضفيه على علاقاتنا به والكشف الجديد الذي يتضمنه أو يفاجئنا الشاعر به. وعلى الرغم من أنني أرفض أي تعريف يقنن الشعر، فإنني أعرف أن ما لا يمكن أن يكون شعراً، وهنا أقصد الشعر الحقيقي، هو الاعتيادية والتكرار والعواطف السطحية المجانية والوعظية واليقينية الخالية من الفكاهة والسخرية.

التعدد.. غِنى
* عودة إلى عالمك الأدبي.. لا نقول جديداً إن قلنا إن الشعرية هي هويتك الإبداعية في كل ما تكتبه، لا بل نعثر على خطوط الرواية في مجموعاتك الشعرية (مجموعة «الشجرة الشرقية» مثالاً)، ربما أكثر من بعض رواياتك نفسها. ونورد مثالاً هنا روايتك فائقة التميّز «مخلوقات فاضل العزّاوي الجميلة».. لكنك تعود فتقول «تظل القصيدة عندي قصيدة والرواية رواية والقصة القصيرة قصة قصيرة والمقالة مقالة».. هل أنت حريص على بقاء كل جنس أدبي في قلعة تسميته المتعارف عليها؟
** لست حريصاً أو غير حريص على بقاء كل هذه الأجناس الأدبية، فهي موجودة تاريخياً بمعزل عنّي وليس من الواقعية أو الضرورة في شيء الدعوة إلى إلغائها. إنني مع التعدّد دائماً، لأنه يعني المزيد من الغنى. في بعض قصائدي تجد انتقالات بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر والقصيدة العمودية، كما في قصائدي عن امرئ القيس وطرفة بن العبد، ما من شكل مقدس، إذ عليه أن يثبت قدرته على التطور إن كان يريد أن يظلّ حيّاً.

الجوائز.. قارب نجاة
* هل جعلتك الإقامة الدائمة في ألمانيا، واستطراداً في أوروبا والغرب بعامة، مواطناً عالمياً.. واستطراداً شاعراً عالميّاً؟ وهل راودتك وتراودك فكرة الترشح لجائزة نوبل؟
** إنني شاعر وكاتب عربي من العراق. أعيش منذ أكثر أربعين عاما في ألمانيا، وقد مكّنني ذلك من التنقل بين الكثير من بلدان العالم ومدنه في قارات العالم كلها، وهو أمر ما كان ليتحقق لو مكثت في العراق، من دون أن أنسى لحظة واحدة المكان الذي جئت منه ولا الأمة التي أحمل ثقافتها معي. ولكنني أنتمي في الوقت ذاته إلى العالم كله. أصدقائي وقرائي موجودون في الكثير من بلدان العالم.
إنني أكتب من دون تفكير في ربح أو خسارة، ولم أكن صائد جوائز في حياتي كلها. كل جائزة، ومن بينها جائزة نوبل، يمكن أن تكون قارب نجاة للكاتب من الفاقة، ولكنها لن تجعل منه كاتباً مجيداً ما لم يكن كذلك قبل ذلك. أعظم كتّاب عصرنا (كافكا، بروست، جيمس جويس) لم يحصلوا على جائزة نوبل فيما حصل عليها كتّاب لم يعد يتذكرهم أحد الآن. من الطريف أن سارتر كان قد رفض الجائزة ثم عاد وطالب بها، حينما ساءت أوضاعه المادية في أواخر حياته. لكنّ لجنة الجائزة رفضت طلبه. لقد أدرك سارتر ولو متأخراً أن المهم في الجائزة هو قارب النجاة الذي فاته.

ملاحم النثر
* أنت من شعراء القصيدة الطويلة والتي سميتها مرة بـ «الملحمة النثرية»، هل ما زلت تميل إلى هذا النوع من طقس الكتابة اليوم؟
** هذا الأمر يعتمد على النص وموضوعه. فثمة ما يمكن أن يقال في أبيات أو سطور قليلة وما قد يتطلّب نصّاً بأكثر من ألف صفحة، كما في «سهرة عزاء فينيغان» لجيمس جويس. فأنت كشاعر قد ترصد حركة موجة في النهر في سطور قليلة، ولكنك سوف تحتاج إلى أكثر من ذلك لتكتب عن النهر كله. هذا الأمر يمكن أن يتحقق في الشعر، كما في النثر. «موبي ديك» لملفيل ليس رواية فحسب، وإنما ملحمة زاخرة بالشعر، وكذلك هو الأمر مع «دونكيخوته» لسيرفانتس و«هكذا تكلم زرادشت» لنيتشه و«المسخ» لكافكا. لقد سحرتني دائماً «الأوديسة» لهوميروس و«الجحيم» لدانتي و«التحولات» لأوفيد.

حياتي تقف وراء قصيدتي
* ما الذي قادك، يا ترى، كي تُشبه نفسك شاعراً، وتُشبِهك بالتالي قصيدتك؟
** أكيد أن كل شاعر يشبه قصيدته وكل قصيدة تشبه شاعرها. ما أكاد أقرأ قصيدة لشاعر ما حتى أدرك نمط الشاعر الذي يقف وراءها. لم أفكر كثيراً في الأمر، ولكني أعرف أن حياتي كلها تقف وراء قصيدتي. فأنا أتقن أربع لغات وأكتب بثلاث منها، مثلما ترجمت عشرات النصوص الشعرية لشعراء عرب إلى الإنجليزية. كما نشرت ديواناً كبيراً يتضمن مختارات شعرية لي بالألمانية بعنوان «في حفلة سحرية».
إنني أوجد في الحقيقة داخل العديد من الثقافات، وأفكر بالعديد من اللغات. سألتني سيدة ذات مرة إن كنت أتكلم العربية أم الألمانية في أحلامي. ربما كان أهم ما يميز حياتي هو أنني عشت دائماً في بيئة متحررة من التعصب وضيق الأفق ومنفتحة على العالم والحداثة.

لي عراقي
* أي عراق ما زلت تحمله في أعطافك حتى الآن.. ثم ألا ترى أنه ينبغي للشاعر أن يخدم الحقيقة قبل أن يخدم الحرية؟
** لقد تركت ورائي عراقاً لم يعد قائماً وأحلم بعراق يمكن لمن يبحث عنه أن يعثر عليه في قصائدي. لا أعرف كيف تكون الحقيقة من دون الحرية. الحرية هي الطريق إلى كل حقيقة في عصرنا وإلا انتهينا إلى الظلام ثانية.

* أخيراً، قل شيئاً لا علاقة له بسؤال؟
** ثمة من يرى أن القارئ الجيد يجعل النص الجيد أكثر جودة. وهو قول ينطبق على هذه المقابلة أيضاً.