ثقافة

دون كيشوت لا يموت أبداً

دون كيشوت: نحن بإزاء اسم سَرَى ذكره في الآفاق الرّحبة حتّى غدا بالكاد يجهله أحد منّا. وليس ثمّة من وجوه أدبيّة أخرى أنجبتها العصور الحديثة تشاركه مثل هذا التّبريز والامتياز. لقد غدت هذه الشّخصيّة التي انبثقت من دماغ سرفنتاس مدجّجة بالسلاح، صورة مجسِّدة للبطل. وحين تقترن الثقافة والخيال بنفس إبداعي ساحر ومدهش كالذي كان لسرفانتيس، فإن هذا التزاوج لابدّ أن يثمر عملاً منذوراً للديمومة في التراث الإنساني.
ويظلّ دون كيشوت رغم ذلك، وبصورة مفارقة، لغزاً محيّراً. فهو يحضر في ذاكرتنا على هيئة الفارس النبيل، البطل المثالي الذي ينازل طواحين الهواء، والحالم الذي يرى في أوهامه.. الحقيقة؛ وهو أيضاً العاشق الغريب الأطوار... الذي لا ينفك يدفعنا إلى التساؤل: لماذا يثير فينا هذا الفارس المتشرّد الضال أكثر من علامة استفهام؟
فلهذا البطل السمة الاستثنائية للخلود، لأنه متى أغلقنا الكتاب، سوف يمعن لا محالة في سفره في ثنايا خيالنا؛ لذلك فإنّ دون كيشوت لا ولن يموت أبداً. حتى وإن أرسل زفرته الأخيرة، فإن هيدلغو البائس المكنى بألونسو كيخانو، سوف يحل مكانه. لذلك، يظل تواصل ذكر هذا الفارس ذي الطلعة الآسرة، فريدة وتندّ عن كل مثال. وسوف تكون له استمرارية في الفرنسية: قصة الرائع دون كيخوت دي لامنش لفيل ودي سان مرتان وروبير شال، وفي اللغة الإنجليزية: «الثائر.. سيدي كيخوت» للكاتب غراهام غرين.
ثم تأتي الاقتباسات في المسرح والسينما، وهي غزيرة وتعز عن الحصر. وكانت هذه الرواية.. الكتاب الأثير لدى شخصيات تاريخية هامة مثل سيمون بوليفار أو خوسي ريزال بطل الاستقلال في الفيلبين، ولم تتوقف، وعبر قرون، عن إلهام سِيرٍ بطولية. ومنذ سنوات خلت، وبمناسبة الذكرى الأربعمائة لصدور هذا العمل العظيم، أقدم أحد متسلقي الجبال الإسبان على الصعود إلى أعلى قمة جبلية بأمريكا اللاتينية، قمة أكونكاغوا التي ترتفع إلى 6960 متراً، ليقرأ فحسب مقطعاً من «دون كيخوت دي لا منشا».
ومع ذلك كانت لكل عصر وجهة نظر مختلفة عن هذه الرائعة الأدبية. فنيتشه مثلا ألمح إلى هذه المفارقة: إن معاصري سيرفانتيس كانوا يقرأونه بذوق تشوبه مرارة، فيما كانت روايته تثير لدى قرّاء نهاية القرن السابع عشر موجة من الابتهاج الصاخب، إذ غدت تُتَقبّل على أنهـا رواية شعبية هزلية، وبطلها جامح، لطيف وآسر. أما بعد الثورة الفرنسية، فقد غدا الضحك مستنيراً، وباتت الرّواية تثمّن عاليا الأخلاق المضمّنة فيها: للأفراد الذين هم على صواب.. حق معارضة المجتمع بأكمله.
وبذلك كان بإمكان دون كيخوت أن يصبح عظيما؛ إنّه ذلك الآخر الذي لا يمكن أن نكونه، ولذلك نحن نحبّه. في القرن التاسع عشر، أصبحت الرواية تُقرأ على أنها غوص في إسبانيا في عصرها الذهبي. بل إن هيغل رأى فيها لحظة جوهرية في التاريخ الاجتماعي لأوروبا؛ وفي القرن العشرين، غدت رواية «دون كيخوت» مصنّفة ضمن قمم الأعمال الأدبيّة الكلاسيكية. بتقنيتها في السرد، بنبضها الداخلي وتدخّل الكاتب ذاته في أحداث نصه، أصبح ينظر إلى هذا العمل على أنه ليس آخر رواية في الفروسية فحسب، وإنما أول رواية حديثة. وما عسى يكون وضع هذه الرّواية بعد غد؟ أي تصور سيكون لنا لهذا الفارس الذي يحمل بين جنبيه نصيباً من ذات كل واحد منا. فعلى كل منكم مهمة كتابة تاريخه الذي هو تاريخكم.

*جوزيف ماسي كارون
ترجمة: أحمد حميدة