ثقافة

صورة شخصيّة لحقل قمح!

للشّاعر الفرنسيّ جان ميشال ملبوا

رسومات فان غوغ، رسومات تبرعم و تتمدّد نحو الشّمس. وسواء أكانت ألسنة من لهب أو عساليج عجفاء، فإنّها تتبدّى لك متمايلة، متراقصة، كعبّاد الشّمس. وأنّى جُلت ببصرك في لوحاته، فإنّك لن ترى غير حقول القمح والشّعير تمتدّ وتصعد نحو السّماء، لتلتفّ بشمس تبدو وكأنّها قدّت من تبن؛ بل إنّ تلك الحقول تتمدّد لتطال حتّى جدران غرفة سان لازار و وجه جوزيف مولان و زوجته؛ فكأنّ حالة الانتشاء بالألوان كانت تدفعه لإتمام حصاد عساليج صفراء على وشك الاحتراق.
«صورة شخصيّة شبيهة بحقل قمح»، كان بإمكان فان غوغ أن يسمّي هكذا صورته الذّاتيّة. و«بحماسة أهالي مرسيليا المدمنين على أكل السّمك» كان فنسنت لا يكاد يتوقّف عن رسم الشّموس في مراحل مختلفة من تفتّحها، مستخدماً الأصفر الصّافي ذي البريق المعدني، على خلفيّة يعمرها الأخضر الفيروني أو الأزرق الملكي؛ وتتساقط أحياناً بعض تلك الشّموس على الأرض شبه ذابلة، فتبدو و كأنّها خراشيف مشتعلة. وكان حسبه في تلك اللّوحات، خطوط أفق خام: بستان خُضر، بعض التّلال، مساحات من التّربة. ومن كلّ ذلك يثير عاصفة من الألوان؛ وفي كلّ الحالات، كان ولا بدّ أن تغمر تلك اللّوحات أمواج البحر الهادرة، جنون الرّيح الدوّار ورجفة المدّ و الجزر. ولو كان فنسنت خزّافاً، لوجدت يداه حتماً، ما يشبع رغبتها في تشكيل وإعادة تشكيل المادّة. فمن غير فان غوغ قبض بفرشاته على الطّبيعة بمثل ذلك الإحكام؟ من مثله جعلها تزحف وتتلوّى على هذا النّحو في سديم اللّوحة؟
إنّ فان غوغ لا يرسم إلاّ الأشياء القابلة للاحتراق، وعندما يلقي بلطخات الألوان على اللّوحة، فإنّ ما يستوقف نبض لمساته، هي ليست درجات الألوان (ظلال الألوان)، وإنّما قوّة تلك الألوان. قد يقول البعض بإنّ ذلك هو محض اهتياج عبثي، وهو في الحقيقة تجلّ للاّمرئي المتخفّي في الدّاخل، اللاّمرئيّ المنسيّ تحت الجلد، وتحت الحجارة، والذي يصعد مدفوعا من الأعماق إلى سطح اللّوحة. وعوضاً عن اجترار مرارة ألمه و توتّره، يجدر بكلّ من يتابع لوحاته في أفراحها وأتراحها، أن يلمس فيها حالات الانفراج المؤقّت الذي كانت تغشاه وهو يرسم تلك اللّوحات: الأمل في العثور على لون يفي بوعوده.
لا تهمّنا كثيراً تشنّجاته العصابيّة، بقدر ما ينبغي أن تستوقفنا طريقته في الحفاظ على هدوءه؛ فعندما عثر عليه ميّتاً، كان يحمل رسالة موجّهة إلى شقيقه ثيو، سطر فيها هذه الكلمات «لك نصيبك من إنتاج بعض اللّوحات التي تحافظ رغم الفشل على هدوئها».
كان لا يعبأ برسم ما يمثُـُل أمامنا، هنا وأمام أعيننا، بقدر ما كان يتوق إلى إيقاظ العين الغافية. و طالما أنّ اللّوحة تتشكّل من لمسات لونيّة و خطوط، فإنّه عوض محوها ومعالجتها لجعلها أكثر شفافيّة، كان يميل إلى جعل كلّ منها علامة تترجم عن ألق اللّون في نزوعه الرّائع كي يكون الموسيقى الصّامتة للمرئيّ.
ترجمة أحمد حميدة