تقارير

أميركا و«الأونروا».. وُعود ووعيد!

في منتصف شهر ديسمبر الماضي أكدت وزارة الخارجية الأميركية للأمم المتحدة أنها ستساهم بنحو 45 مليون دولار لشراء حصص غذائية طارئة وغيرها من الإمدادات الضرورية لنحو مليون من الفلسطينيين المحتاجين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وسيتم تصديق «الشيك»، الذي وافقت عليه واشنطن، بشكل رسمي في الأسبوع الأول من يناير.
ومن ثم، وبناء على هذه المعطيات، قامت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين «الأونروا» بشراء أرز وعدس ودقيق وغيرها من المواد الغذائية الحيوية، تبلغ قيمتها ملايين الدولارات. بيد أن الولايات المتحدة ستخفض قيمة «الشيك»، لتترك وكالة الأمم المتحدة المسؤولة عن اللاجئين الفلسطينيين في مأزق، بحسب ما ذكرت مصادر دبلوماسية.
وأمام «الأونروا» حالياً فاتورة ضخمة غير مدفوعة في الوقت الذي تواجه فيه استقطاعات كبيرة من إدارة ترامب بالنسبة لبرامجها الخاصة بالتعليم والرعاية الصحية، إلى جانب حالة من عدم اليقين بشأن توفير المزيد من المساعدات الأميركية في المستقبل.
وقد جاء تعهد واشنطن قبل أيام من استخدام السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هالي حق «الفيتو» للاعتراض على قرار أممي يدين قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ومنذ ذلك الحين، هدد ترامب وهالي بقطع المساعدات الإنسانية عن الفلسطينيين ما لم توافق السلطة الفلسطينية على الاستمرار في المشاركة في محادثات السلام مع إسرائيل بوساطة الولايات المتحدة.
وفي تغريدة على تويتر، شكا ترامب من أن الولايات المتحدة تدفع مئات الملايين من الدولارات كل عام «ولا تحصل على أي تقدير أو احترام... ولم تعد لدى الفلسطينيين الرغبة في إجراء مباحثات سلام، فلماذا إذن يجب أن نقدم لهم هذا الكم الضخم من المدفوعات المالية»؟
وحتى الآن، لم تبلغ إدارة ترامب بعد الأمم المتحدة عما إذا كانت ستلتزم بتعهدها بدفع قيمة المساعدات الغذائية في أعقاب مطالبة ترامب وهالي بأن يتعهد الفلسطينيون بإجراء محادثات سلام في مقابل الحصول على مساعدات إنسانية. ولم ترد وزارة الخارجية والبعثة الأميركية في الأمم المتحدة على طلب بالتعليق.
يذكر أن «الأونروا» قد أنشئت قبل سبعين عاماً، بعد حرب 1948 بين العرب وإسرائيل، لمساعدة أكثر من 700 ألف لاجئ فلسطيني. وهي اليوم تقدم الغذاء والتعليم وخدمات أخرى لأكثر من 5 ملايين لاجئ فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا، بما في ذلك توظيف نحو 30 ألف معلم يخدمون أكثر من نصف مليون طفل.
وفي العام الماضي، أكدت السفيرة هالي ل«الأونروا» أن الولايات المتحدة ستحافظ على المستويات الحالية من التمويل لعملياتها. ولكنها عكست مسارها بعد أن قدم الفلسطينيون قرارات في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة التابعين للأمم المتحدة لإدانة اعتراف ترامب بالقدس، ولمطالبة الولايات المتحدة بإلغاء القرار.
ومن ناحية أخرى، أحدثت قضية المساعدات الفلسطينية انقساماً بين أعضاء فريق الأمن القومي في إدارة ترامب، حيث يفضل «جاريد كوشنر» -صهر الرئيس ومبعوثه إلى الشرق الأوسط- ونيكي هالي قطع المساعدات الإنسانية المقدمة للاجئين الفلسطينيين بالكامل، حتى توافق السلطة الفلسطينية على المشاركة في محادثات السلام مع إسرائيل التي تتم بوساطة أميركية.
أما وزير الخارجية ريكس تيلرسون، ووزير الدفاع جيمس ماتيس، ممثلا مجتمع الاستخبارات الأميركي، فهما يمارسان ضغوطاً محسوسة للحفاظ على تمويل جهود عون وإغاثة اللاجئين الفلسطينيين. وفي محاولة لسد الفجوة، اقترح تيلرسون، خلال مأدبة غداء مع ترامب الأسبوع الماضي، حلًا وسطاً يقضى بإعطاء الأمم المتحدة 60 مليون دولار، أي أقل من نصف مبلغ ال125 مليون دولار الذي كان من المقرر أن تدفعه الولايات المتحدة ل«الأونروا» في الأول من يناير. وهذه الأموال، التي كانت في البداية مخصصة لسداد رواتب الموظفين وعمال الصحة، لا يمكن استخدامها لتغطية فاتورة الغذاء البالغ قيمتها 45 مليون دولار. وللمرة الأولى على الإطلاق، أصرت الولايات المتحدة أيضاً على إنفاق المال فقط لدعم برامج «الأونروا» في الضفة الغربية وغزة. ولا شيء من هذه الأموال يمكن استخدامه لتمويل برامج في لبنان وسوريا.
وعلى العكس من ترامب وهالي، اللذين ربطا مباشرة تخفيض المساعدات بالمحادثات السياسية، أصر مسؤولو وزارة الخارجية على أن قرار خفض التمويل يهدف لدفع «الأونروا» لتنفيذ إصلاحات إدارية ومالية. وفي تصريحات صحفية يوم الثلاثاء، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية «هيذر نويرت»: «إن هذا لا يهدف إلى معاقبة أي شخص». ولكنها رفضت تأكيد ما إذا كانت الولايات المتحدة قد أعطت «الأونروا» قائمة بتغييرات محددة، أو برامج تحتاج إلى القيام بها للإفراج عن بقية التمويل الأميركي.
وقالت «نويرت» إن الدول الأخرى يجب أن تتحمل أيضاً مزيد من التكاليف لتمويل برامج «الأونروا». واستطردت: «في الواقع، نحب أن تتقدم الدول الأخرى التي تنتقد الولايات المتحدة وتقدم مزيداً من المساعدات للأونروا».

*محرران في «فورين بوليسي»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»