عربي ودولي

القضاء المصري يقرر إعادة محاكمة مبارك

مناصرون لمبارك يلوحون بصوره ويهتفون باسمه في بهو مقر المحكمة (إيه بي أيه)

مناصرون لمبارك يلوحون بصوره ويهتفون باسمه في بهو مقر المحكمة (إيه بي أيه)

القاهرة (الاتحاد) - قضت محكمة النقض المصرية في جلستها أمس برئاسة المستشار أحمد علي عبدالرحمن النائب الأول لرئيس المحكمة، بإلغاء كافة الأحكام الصادرة من محكمة جنايات القاهرة سواء بالإدانة أو البراءة، في قضية قتل المتظاهرين السلميين أثناء ثورة 25 يناير، والمتهم فيها الرئيس المصري السابق حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي ومساعديه الستة وعلاء وجمال مبارك وحسين سالم وإعادة محاكمتهم جميعا من جديد أمام إحدى دوائر محكمة جنايات القاهرة، غير التي أصدرت حكمها بالإدانة أو البراءة. وقبلت محكمة النقض الطعون المقدمة من الرئيس السابق مبارك ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، كما قبلت الطعن المقدم من النيابة العامة في القضية، وأمرت بإعادة محاكمة جميع المتهمين.
وبموجب حكم النقض فإن إعادة المحاكمة ستشمل كلا من الرئيس السابق حسني مبارك، ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي و6 من كبار مساعديه السابقين هم اللواء أحمد رمزي رئيس قوات الأمن المركزي السابق، واللواء عدلي فايد مدير مصلحة الأمن العام السابق، واللواء حسن عبدالرحمن رئيس مباحث أمن الدولة السابق، واللواء إسماعيل الشاعر مدير أمن القاهرة السابق، واللواء أسامة المراسي مدير أمن الجيزة السابق، واللواء عمر فرماوي مدير أمن السادس من أكتوبر السابق، عن وقائع قتل المتظاهرين السلميين أثناء ثورة يناير. كما ستشمل إعادة المحاكمة أيضا الرئيس السابق نفسه، ونجليه علاء وجمال، ورجل الأعمال الهارب حسين سالم، عن وقائع الفساد المالي واستغلال النفوذ الرئاسي وتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل.
وسيترتب على هذا الحكم الصادر من محكمة النقض أن يعود مبارك وجميع المتهمين في القضية إلى وضعهم الأصلي قبل صدور حكم جنايات القاهرة بإدانتهم، والمتمثل في كونهم جميعا محبوسين بصفة احتياطية على ذمة القضية، عدا اللواءين المراسي وفرماوي اللذين تم تقديمهما للمحاكمة وهما مخلى سبيلهما. ويقضي مبارك أيضا فترة حبس احتياطي “ثانية” على ذمة التحقيقات بمعرفة جهاز الكسب غير المشروع، لاتهامه بجني ثروات طائلة على نحو لا يتناسب مع مصادر دخله المشروعة والمقررة قانونا، بما يشكل جريمة الكسب غير المشروع، بحيث يبدأ حبسه الاحتياطي في هذه القضية عقب انتهاء فترة حبسه بمعرفة النيابة العامة في القضايا التي يحاكم فيها.
كما صدر قرار “ثالث” بحبس مبارك احتياطيا لمدة 15 يوما على ذمة التحقيق في قضية فساد جديدة، لاتهامه بالحصول على 7 ملايين جنيه كهدايا من مؤسسة “الأهرام” الصحفية بدون وجه حق، في بداية كل عام ميلادي، خلال الفترة من عام 2006 وحتى 2011، على نحو يشكل جريمة العدوان على المال العام حيث يبدأ تنفيذ قرار الحبس الاحتياطي في أعقاب انتهاء حبسه في القضايا الأخرى المحبوس على ذمتها.
وكان المستشار مصطفى حسيني المحامي العام الأول لنيابة الأموال العامة العليا قد أمر مساء أمس الأول “السبت” بحبس الرئيس السابق حسني مبارك 15 يوما على ذمة التحقيق في قضية اتهامه بالحصول على 7 ملايين جنيه كهدايا من مؤسسة “الأهرام” الصحفية في بداية كل عام ميلادي خلال الفترة من عام 2006 وحتى عام 2011.
وكان المستشار محمد النجار رئيس نيابة الأموال العامة العليا قد باشر التحقيق مع الرئيس السابق على مدى 3 ساعات متصلة بمستشفى المعادي العسكري، بحضور محاميه فريد الديب، حيث تم سؤال مبارك واستجوابه في شأن الاتهامات المنسوبة إليه، وتبين أنه يتمتع بصحة جيدة مكنته من الإجابة على أسئلة المحقق طوال جلسة التحقيق. ولم يبد مبارك خلال التحقيقات رغبته في إجراء أية تسوية مادية نظير الهدايا التي حصل عليها، على عكس ما قام به عدد من المتهمين في القضية بالحصول على هدايا مماثلة من “الأهرام”، والذين كان عدد كبير منهم قد قام بسداد مبالغ مالية تساوي قيمة تلك الهدايا التي تلقوها. وأنكر مبارك، خلال جلسة التحقيق، كافة الاتهامات المنسوبة إليه، وقال إنه لم يتسلم بشخصه أية هدايا عينية مطلقا من “الأهرام”، كما أن الجهات الرسمية ومؤسسة الرئاسة لم تتسلم هي الأخرى أية هدايا بالنيابة عنه.
وعقب النطق بالحكم سادت حالة من الفرح بين عدد من أنصار الرئيس السابق حسني مبارك، والذين كانوا قد تجمعوا في بهو دار القضاء العالي منذ الصباح ورددوا الهتافات المؤيدة لمبارك، وتمكن عدد منهم من حضور جلسة النطق بالحكم وهتفوا في قاعة المحكمة فرحين بالحكم. كما حضر فريد الديب محامي مبارك وهيئة الدفاع عن حبيب العادلي، حيث بدت مظاهر الفرح عليهم عقب إصدار المحكمة لحكمها بنقض الحكم وإعادة المحاكمة.
يذكر أن هيئة الدفاع عن مبارك والعادلي كانت قد تقدمت بطعون أمام محكمة النقض على حكم الإدانة الصادر ضدهما، وكذلك بالنسبة للنيابة العامة التي طعنت أمام النقض على أحكام البراءة وانقضاء الدعوى الجنائية الصادرة لصالح الرئيس السابق ونجليه ورجل الأعمال حسين سالم والمساعدين الستة لوزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، في الجوانب المتعلقة بتصدير الغاز إلى إسرائيل، واستغلال النفوذ الرئاسي، والاشتراك في قتل المتظاهرين. وأكد اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية أن الأجهزة الأمنية ستقوم باتخاذ ما ينص عليه القانون بشأن مساعدي وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي الستة المتهمين في قضية قتل المتظاهرين، وذلك بعد أن قررت محكمة النقض إعادة محاكمة جميع المتهمين. وأوضح أن الأجهزة الأمنية ستقوم بتنفيذ ما يقضى به القانون في تلك الحالة بعد أن يتضح هل سيتم محاكمتهم محبوسين احتياطيا على ذمة القضية أم طلقاء.
وكان حكم بالسجن المؤبد صدر بحق مبارك والعادلي في 2 يونيو، إلا أن ستة من كبار المسؤولين الامنيين السابقين الذين كانوا متهمين في هذه القضية حصلوا على البراءة واخلي سبيلهم. وقتل نحو 850 متظاهرا أثناء الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق. وطالبت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” في تحليل قانوني لها حول المحاكمة أمس أن “تتفادى المحاكمة الجديدة تكرار الأخطاء الجسيمة التي شابت المحاكمة الأولى والتي أدت لإلغاء الأحكام الصادرة عنها”. وقالت هدى نصر الله، المحامية في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، إن “المحاكمة كانت مخيبة للآمال منذ بدء التحقيقات وحتى النطق بالحكم، ورغم التفاؤل الشعبي بتحقيق العدالة... إلا أن ما رأيناه كان مجرد تحقيقات سطحية شابها الإهمال”. وأضافت نصر الله أن “الصدمة الأكبر في الحكم بحق مبارك انه يعفي الجهاز الأمني من أي مسؤولية عن قتل المتظاهرين”.
ومبارك (84 عاما) الذي حكم مصر بلا منازع طيلة ثلاثة عقود، هو أول رئيس عربي تطيح به ثورة شعبية وتتم محاكمته. وبعد بضعة أيام من محاكمته، أودع في سجن طرة في الضاحية الجنوبية للقاهرة. وطيلة فترة محاكمته، ظهر أمام القضاة ممددا على سرير بعيدا جدا عن صورة الرئيس التي كان يتمتع بها على الساحة الدولية في ما مضى. وكانت وكالة أنباء الشرق الأوسط أعلنت في 19 يونيو أن مبارك “توفي سريريا” في مستشفى المعادي العسكري بعد إصابته بجلطة في المخ، إلا أن هذا الخبر سرعان ما تبين أنه غير صحيح. وأحيطت صحة مبارك بتكتم شديد خلال فترة رئاسته (1981-2011) وباتت موضع العديد من التكهنات والأنباء المتضاربة منذ الإطاحة به تحت وطأة انتفاضة شعبية في فبراير 2011. وفي أواخر ديسمبر، نقل حسني مبارك من سجن طرة بالقاهرة إلى احد المستشفيات العسكرية “نظرا لتدهور حالته الصحية” ، بحسب ما أفادت مصادر متطابقة. ويرى مصريون أن الأمر لا يخلو من تلاعب بغرض استدرار العطف حيال الرئيس السابق كمقدمة لتخصيصه بمعاملة مميزة، غير أن آخرين يعتبرون أنه أصبح جزءا من الماضي.