الرياضي

درس كبير من منتخب صغير

في بعض الأحيان تنقلب مفاهيم الكرة، وقد تمشي الكرة الأرضية على رأسها، ويصبح جميع العارفين بأسرارها خارج الموضوع، لا لشيء، إلا لأنهم لم يفهموا المغزى الحقيقي من لعبة كرة القدم، ولم يستوعبوا دروسها التي هي بعدد شعر الرأس، ولم يقدروا مفعول هذا الجلد المكور حق قدره، وطبيعي أن يجرفهم تيار المكابرة إلى مناطق أخرى غير التي اخترعت من أجلها كرة القدم، وإلا بماذا نفسر ما وقع في بنما منذ أيام، حيث عاد منتخب هذا البلد يجر ثلاث هزائم بالتمام، والكمال، وعاد حارسه فرحاً مسروراً مثل تلاميذ الابتدائي.
رغم أن شباكه ابتلعت 11 هدفاً لم يرد عليها الهجوم إلا في مناسبتين بلقب بليد وثقيل، ويقول إنهم المنتخب الأضعف في الدورة، وغيرها من الألقاب والنعوت التي أطلقتها الصحافة العالمية على منتخب بنما الذي عاد إلى بلاده، وهو في قمة السعادة، وتم استقباله كأروع ما يكون بطريقة أذهلت بقية العالم، وطاف اللاعبون الذين خسروا ثلاث مباريات على متن حافلة وسط العاصمة، وبين أحضان الجماهير الغفيرة جداً، والتي خرجت لاستقبالهم على ظهورهم الأول في المونديال، وكانت الشهادة العظمى بأن كرة القدم تصنع المستحيل، وتقلب المفاهيم رأساً على عقب، بمجرد أن يفهم الناس روحها وسرها وسبب بعثها في هذا العالم..
فهذا الجلد المكور أدار الرقاب لبلد اسمه بنما، كما أن منتخب بنما خرج على العالم في أول مونديال ليقول بالصوت العالي، «هأنذا» رغم أن الكرة في هذا البلد ما زالت تحبو وتسير بسرعة الرضع، ورغم ذلك ترشح هذا المنتخب ورفع راية بلده بين رايات بقية الأمم الحاضرة في روسيا، وجاء جمهوره من كل صوب وحدب ليخلد هذا الحدث التاريخي، دون البحث عن ورقة عبور كان الجميع يعرفون منذ البدء أنها منعدمة وغير ممكنة، وبالتالي لم يعش منتخب بنما أي ضغوط في مونديال روسيا، بل هو حضر ليتسلى ويبصم مع أكبر منتخبات العالم، ويسجل حضوره التاريخي.
وهو ما فهمته كل الأطراف في هذا البلد الصغير جغرافياً، رغم أنه ودع المونديال منذ وصل أرض روسياً، لكنه عاد بلقب لم يسبقه إليه أي منتخب في العالم، وهو لقب «الخاسر السعيد»، لأنه جاء إلى أرض الكرملين ليرقص ويفرح على أنغام هذا العرس الكبير، ولم يضع في رأسه أي حسابات أخرى، ماعدا إسعاد الجمهور بهذا الحضور المثير.
على جناح الأمل، الحقيقة في كرة القدم أن ليس هناك حقيقة ثابتة، وأن الأمور تتغير مع اطلالة كل موعد..فالكرة فوز وتعادل وهزيمة، وإن هذه النتائج يمكن أن تحصل مع أي فريق أو منتخب..
أي بلغة أخرى فنية «يوم لك ويوم عليك موش كل يوم معاك»، وإذا أردتم الدليل اسألوا ميسي ورونالدو اللذين يحملان عشر كرات ذهبية، وعادا يسكبان أنهاراً من الدموع الكروية.