الرياضي

«بصمة بيب».. المونديال يغازل «الفيلسوف» للمرة الثالثة !

 جوارديولا

جوارديولا

محمد حامد (دبي)

للمرة الثالثة على التوالي في كأس العالم تتأكد بصمة الفيلسوف الإسباني بيب جوارديولا، صحيح أنه ليس حاضراً على الخط الجانبي لقيادة أحد المنتخبات، وليس ضيفاً على «الفيفا» ليسرق فلاشات الكاميرات في المدرجات، كما أنه لا يفضل الجلوس في قاعات واستديوهات التحليل التلفزيوني لتحليل المباريات، ولكنه على الرغم من كل ذلك كان الغائب الحاضر الأكبر في مونديال جنوب أفريقيا 2010 والذي شهد تتويج إسبانيا باللقب، وسجل بصمته في التربع الألماني على عرش المونديال البرازيلي 2014، وهو الآن يبصم من جديد على أداء منتخب إنجليري مختلف، قد يذهب بعيداً، وربما تتوقف رحلته في المحطة السويدية، ولكنه يظل مختلفاً عن جميع الأجيال التي مثلت «الأسود الثلاثة» في كأس العالم في النسخ الأخيرة.
جوارديولا حصد الدوري الإسباني والألماني والإنجليزي 7 مرات من أصل 9 محاولات، وسجل بصمته الواضحة مع البارسا وبايرن ومان سيتي على مستوى بطولة الدوري على الأقل، واستفاد الإسبان والألمان والإنجليز من هذه الأندية الثلاثة بصورة واضحة في مونديالات 2010 و2014، و2018، فضلاً عن تأثير المدرب الإسباني على فلسفة وطريقة الأداء وليس فقط تقديم عدد كبير من اللاعبين للمنتخبات التي توجت باللقب أو تطمح للفوز به.
الإقرار بوجود «بصمة بيب» على منتخبات إسبانيا 2010، وألمانيا 2014، وإنجلترا 2018 قد يراه البعض ظلماً للمدرب الإسباني الحكيم فيثينتي دل بوسكي، الذي قاد الإسبان لارتشاف كأس المجد المونديالي للمرة الأولى في التاريخ، وقد يعتقد البعض أنه تجاوز لحقيقة تقول إن يواكيم لوف هو صاحب التأثير الكبير في تربع الألمان على عرش الكرة العالمية في 2014، كما أن عدم الاعتراف بتأثير جاريث ساوثجيت في الأداء الإنجليزي في النسخة المونديالية الحالية سيكون أمراً قاسياً على من يرون فيه أحد أكثر الوجوه التدريبية التي تعمل بعقلية علمية.
هي ليست حرباً أو صراعاً، بين من يرون للمدرب الإسباني بيب جوارديولا تأثيراً وبصمة في النسخ المونديالية الأخيرة، وبين من لا يرون ذلك، كما أنها ليست مقارنة لمعرفة حجم تأثير دل بوسكي ولوف وساوثجيت على منتخباتهم مقارنة ببصمة جوراديولا على المنتخبات الثلاثة، بل إن ما فعله المدرب الإسباني في دوريات إسبانيا وألمانيا وإنجلترا يظل مؤثراً على منتخبات هذه الدول، وإن كان هناك مجال للخلاف فهو ما يتعلق بحجم وتأثير تلك البصمة، مما يعني أن نفي وجود هذا التأثير ليس عادلاً في حق الفيلسوف الإسباني.

تيكي تاكا إسبانيا
هي التجربة الأكثر رسوخاً في أذهان الملايين من عشاق الكرة العالمية، والتي تجسد البصمة الكبيرة لجوارديولا على منتخب متوج بالمونديال، والأمر هنا يرتبط بفلسفة أداء تشابهت بل تطابقت بين «بارسا بيب» وبين منتخب إسبانيا بطل مونديال 2010 تحت قيادة دل بوسكي، فقد كانت «التيكي تاكا» في قمتها، ولم يكن هناك كيان كروي دفاعي واحد في العالم يستطيع مواجهتها، خاصة أنها توهجب بأقدام المايسترو تشافي هيرنانديز، والمايسترو أندريس إنييستا، ومعهما في منتصف الملعب القلب النابض سيرجيو بوسكيتس، وفي الخطوط الخلفية بويول قلب الأسد، وبيكيه صاحب الأداء الأنيق في هذه الفترة، فضلاً عن فابريجاس وبيدور بروحهما الشابة.
ويبلغ عدد نجوم البارسا في القائمة الإسبانية بمونديال جنوب إفريقيا 8 نجوم، منهم 5 من العناصر التي خاضت جميع مباريات المونديال، وكانوا أصحاب البصمة الأكبر فردياً وجماعياً، وخرجت إسبانيا لتحتفل بمجدها الكروي في شوارع مدريد، ولكنها لم تقدر على الاعتراف بأن بذور هذا المجد خرجت من كتالونيا، وبعد سنوات من الشد والجذب، أقر الإسبان أن مجد مونديال 2010 تحقق بـ «بصمة بيب» وذكاء وهدوء ودهاء دل بوسكي، وهو ما لا ينفي تأثير نجوم الريال وعلى رأسهم المقاتل سيرخيو راموس ومن خلفه حامي العرين إيكر كاسياس، بل إن إسبانيا استفادت من روح بيب وفلسفته في يورو 2012 لتتوج باللقب القاري.

المانشافت الأنيق
في سباق العثور على بصمة بيب المونديالية، يظل تتويج الألمان بمونديال 2014 الأكثر إثارة للجدل، فالألمان أبطال العالم قبل بيب، وسوف يعودون لصدارة المشهد من بعده حتى وإن ودعوا مبكراً في النسخة الروسية، كما أن يواكيم لوف هو أحد أكثر الوجوه التدريبية استقراراً، ومن ثم فهو صاحب الفضل الأول في سيمفونية الإبداع والتألق في مونديال البرازيل 2014، ولكن من جانب آخر، أقر الألمان أن بيب سجل بصمته في التتويج الألماني، فقد توهج نوير حامي العرين الألماني في دور أقرب إلى قلب الدفاع، وهي واحدة من الأشياء التي يتمسك بها جوارديولا، أن يجعل حارس المرمى جيداً في الخروج من مرماه، ومهارة استخدام القدم والتمرير.
كما أن بصمة بيب اتضحت على أداء نجوم الوسط تحديداً، وهم شفاينشتايجر، وكروس، ومعهم النجم المؤثر لام، الذي قام بأدوار مهمة في وسط الملعب ومركز المدافع الأيمن، ويضاف إلى هؤلاء موللر وجوتزه وبواتينج، أي أن عدد نجوم بايرن الذي كان جوارديولا يتولى تدريبه بلغ 7 نجوم، وجميعهم من العناصر الأساسية، صحيح أن المنتخب الألماني قد يعتمد على هذا العدد من العناصر البافارية في وجود بيب أو في عدم وجوده، إلا أن بصمته كانت واضحة في 2014، خاصة ما يتعلق بالتمرير القصير، والأداء الأنيق، والسيطرة والاستحواذ، وهي فلسفة كروية لم يكن الألمان يعترفون بها كثيراً قبل قدوم بيب.

الإنجليز الجدد
صحيح أن عدد نجوم مان سيتي الذي يتولى جوارديولا تدريبه حالياً يبلغ 4 لاعبين في صفوف المنتخب الإنجليزي المشارك في المونديال الروسي، وصحيح أن نجوم توتنهام يسجلون بصمتهم الأقوى بزعامة هاري كين، وغيره من نجوم النادي اللندني، إلا أن الأمر لا يتعلق بعدد نجوم سيتي البالغ 4 لاعبين، ولكنه بالتأثير الذي جلبه بيب للكرة الإنجليزي، والبريميرليج، فقد فرض فلسفته التي تقوم على التمرير القصير الكثيف، والسيطرة والاستحواذ، والبناء من الخلف، وإحالة المنافس إلى مشاهد على غالبية الأندية الإنجليزية، وخاصة تلك التي تتنافس في مستوى القمة، ويبدو الأداء الإنجليزي مختلفاً تماماً هذه المرة في المونديال.
تأثير ساوثجيت بالعناصر الشابة التي تدربت على يديه في منتخب إنجلترا تحت 21 عاماً يظل الأساس في الظهور الإنجليزي الجيد، إلا أن صحافة لندن وكتاب المقالات يعترفون بتأثير جوارديولا على أداء الأسود الثلاثة، وهو التأثير الذي لا يرتبط بوجود نجوم سيتي فقط، بل بالبصمة التي ابتكرها في الدوري الإنجليزي، وتمكنه من تغيير مفاهيم كرة القدم الإنجليزية بطريقة انقلابية، فقد أصبح اللاعبون أكثر اعتماداً على المهارة، وارتفعت معدلات التمرير، وخاصة من جانب العناصر الدفاعية ووسط الملعب، بهدف السيطرة، وهو ما لم يكن شائعاً من قبل في دوري الإنجليز، أو في أداء منتخب إنجلترا، وما يحسب للإنجليز وصحافتهم أنهم لا يقعون فريسة للمكابرة في الاعتراف ببصمة بيب.