عربي ودولي

«مهما كان الثمن» يفضح أسرار فساد مونديال 2022

دينا محمود (لندن)

كشف النقاب أمس عن فضائح فساد جديدة تتعلق بملابسات حصول قطر على حق تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، حيث ألقت صحيفة «ميل أون صنداي» البريطانية (نسخة الأحد الأسبوعية من صحيفة «دَيلي مَيل» واسعة الانتشار)، الضوء على كتاب أصدرته العضو السابق في اللجنة المسؤولة عن الملف الأسترالي لكأس العالم بونيتا مرساياديس، حول خفايا فشل بلادها في تنظيم مونديال 2022، بعدما أغدق النظام القطري الأموال على العديد من أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم قبيل التصويت الذي جرى في هذا الشأن أواخر عام 2010.

وقالت مرساياديس في الكتاب الذي حمل عنوان «مهما كان الثمن: القصة الداخلية للنهج الذي يتبعه الفيفا»، إن قنوات «الجزيرة» الرياضية دفعت أموالاً طائلة إلى «الفيفا» لتبديد مخاوف مسؤوليه إزاء التَبِعات المالية السلبية التي خشوا من أنها ستترتب على حصول قطر على حق تنظيم البطولة، وانفردت «مَيل أون صنداي» بمقتطفاتٍ مطولة من الكتاب الذي قضت مؤلفته سنواتٍ طويلة في إعداده واعتمد في جزءٍ كبير منه على مقابلة أجرتها على مدى يومين مع سيب بلاتر الرئيس السابق لـ«الفيفا»، والذي كان يرأس الاتحاد في الفترة التي جرى فيها التصويت، والذي انتهى بحصول النظام القطري على حق استضافة بطولة 2022.

ونقلت الصحيفة المرموقة عن مرساياديس قولها «إن كتابها هو أول شهادة من داخل كواليس (الفيفا) بشأن ملابسات اختيار الدولة المُستضيفة للمونديال المقرر بعد أقل من خمس سنوات، والتي كُشِفَ على مدى السنوات السبع الماضية، الكثير من الفضائح حول تفاصيلها، خاصة ما يتعلق بالرشاوى التي دفعها مسؤولو النظام القطري إلى أعضاء بارزين في اللجنة التنفيذية التي تولت اختيار الدولة المُضيفة للبطولة».

ومن بين أبرز الفضائح القطرية التي يتضمنها الكتاب الذي سيُدشن رسمياً بعد غدٍ الأربعاء في مقر البرلمان البريطاني في حفل يرعاه ساسة يطالبون بإصلاح المنظومة الكروية العالمية، من بينهم النائب عن حزب المحافظين الحاكم داميان كولينز، كشفه النقاب عن أن مسؤولين كباراً في (الفيفا) شعروا بالقلق خلال الشهور القليلة التي سبقت التصويت في ديسمبر 2010، من أن حصول قطر على حق تنظيم المونديال قد يقود إلى حدوث أزمة مالية حادة تواجه الاتحاد.

وأشارت الكاتبة إلى أن هؤلاء المسؤولين أعربوا عن مخاوفهم هذه في أحاديثهم الخاصة، وهو ما دفع «شبكة الجزيرة الرياضية القطرية» التي أصبح اسمها الآن «بي إن سبورت» إلى الموافقة على صفقة سرية تدفع بموجبها 100 مليون دولار إذا ما فازت قطر بالتصويت، وهو ما حدث فيما بعد. وفي تصريحاتٍ لـ«مَيل أون صنداي»، لم تنف الشبكة القطرية دفعها لهذا المبلغ الهائل، ولكنها حاولت التلاعب كعادتها قائلة إن تلك الأموال كانت مجرد «ممارسةٍ مُتعارف عليها في السوق».

ونسبت الصحيفة البريطانية البارزة لمتحدث باسم الشبكة، زعمه أن هناك «تكاليف إنتاجٍ محليةَ إضافية تُوضع على كاهل الجهة صاحبة حقوق البث عندما تُمنح بطولة رياضية كبرى للسوق المحلي الذي تعمل به هذه الجهة»، وادعى المتحدث أن الاتفاق الذي أُبرم لمنح «الفيفا» تلك الأموال «كان مُنفصلاً عن أي عرض (لاستضافة المونديال)، ولم يكن يستهدف بأي وجه من الوجوه التأثير على نتيجة التصويت»، وهو ما تُكذَّبه بالطبع الوقائع اللاحقة لحصول مسؤولي الاتحاد الدولي على الـ100 مليون دولار.

وكشف كتاب مرساياديس النقاب عن أن هذا الاتفاق المشبوه جرى بعلم وتورط الأمين العام السابق لـ«الفيفا» جيروم فالكه الذي قرر الاتحاد فيما بعد حرمانه من العمل في أي نشاطٍ مرتبط بكرة القدم لمدة 9 سنوات بسبب ضلوعه في ممارسات فساد، وبما يؤكد الصلة الوثيقة بين الرشوة القطرية وحصول الدوحة على حق استضافة المونديال المُحاط بالشبهات، أماط الكتاب اللثام عن أن المفاوضات الخاصة بإبرام الاتفاق المتعلق بها، أُجريت بين النظام القطري والاتحاد الدولي للكرة في أكتوبر 2010، أي قبل شهرين فحسب من التصويت على اختيار الدولة المنظمة لكأس العالم 2022. وأضاف أن هذه المفاوضات التي جرت للتخفيف من «مخاوف فالكه» بشأن إمكانية تأثر إيرادات الاتحاد الدولي للكرة سلباً بالفوز المحتمل لقطر بتنظيم البطولة، انتهت بحصوله - كما قال مسؤول سابق في «الفيفا» - على «نسبة 5% من قيمة الصفقة».

من جانبه، حاول بلاتر في حديثه إلى مؤلفة الكتاب التخفيف من وطأة هذه الفضيحة قائلاً «إن الجهات الراعية وشبكات البث تدفع المكافآت طوال الوقت، هذا ليس بالأمر غير العادي». لكن الكاتبة كشفت عن أن المسؤول الكروي السابق «هز كتفيه» عندما ضغطت عليه للقول ما إذا كان «دفع مكافأة قدرها 100 مليون دولار هو أمرٌ عادي أم لا». وقالت في إشارة إلى أن مسألة إسناد مونديال 2022 إلى قطر كان أمراً مُرتباً ومحسوماً سلفاً، «إن سيب بلاتر كان على علمٍ، حتى قبل التصويت، بأن البطولة ستذهب إلى هذا البلد، وأن الدول المنافسة له مثل الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية ستخسر في مساعيها لاستضافة المونديال».

وقالت الكاتبة إن الأمر بلغ حد إقدام الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم على الاتصال شخصياً بالرئيس الأميركي السابق كذلك باراك أوباما قبل التصويت بأيام عدة، لإبلاغه بأن عرض بلاده للاستضافة لن يُكلل بالنجاح. ونقلت «مَيل أون صنداي» عن مرساياديس قولها إن بلاتر كان على يقين من النتيجة مسبقاً لأن الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لكرة القدم ميشيل بلاتيني قال له إنه وغيره العديدين من أعضاء اللجنة التنفيذية البالغ عددهم 22 شخصاً «سيدعمون هذه الدولة الصغيرة للغاية الواقعة في شبه الجزيرة العربية» (في إشارة إلى قطر)، وهو ما يوحي بحصولهم على مقابلٍ مادي مجزٍ منها لقاء هذا الدعم.

وكشف الكتاب عن أن بلاتر نفسه شعر «بالفزع» بعدما أُعْلِن رسمياً عن حصول النظام القطري على حق استضافة البطولة «وأراد تجريده منها، ولكنه أجرى صفقةً» أدت إلى تراجعه عن القيام بذلك، تضمنت حصوله على ضمان من جانب الأسرة الحاكمة في قطر «بأنه لن يقابل تحدياً من جانب العضو القطري في اللجنة التنفيذية للفيفا محمد بن همام في الانتخابات على رئاسة الاتحاد في عام 2011».

ونقلت الكاتبة عن بلاتر تفاصيل هذه الصفقة المشبوهة التي يقول إنه تم الحديث بشأنها مرتين «إحداهما في الدوحة في أواخر عام 2010 والأخرى في مكتبه في مدينة زيوريخ عام 2011». وكشف بلاتر في مقابلته المطولة مع الكاتبة والتي جرت أواخر العام الماضي في أحد مطاعم زيوريخ - عن أنه التقى في أحد قصور العاصمة القطرية بُعيد انتهاء جولات التصويت في «الفيفا» مع الأمير الحالي تميم بن حمد آل خليفة وشقيقه جاسم ومحمد بن همام كذلك.

وأشار الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم إلى أن حكام قطر كانوا يدركون حينذاك أنه ليس بوسعهم إبقاء مونديال 2022 في بلادهم والفوز بمنصب رئيس «الفيفا» في الوقت ذاته. وقال إن الشيخ جاسم أبلغه أمام ابن همام - خلال اللقاء الذي جرى في الدوحة - بأن الأخير لن يترشح لرئاسة الاتحاد الدولي. وأضاف بلاتر أن المسؤول الكروي القطري، المُلاحق بفضائح فساد هو الآخر، انسحب بالفعل من المنافسة قبل ليلة أو اثنتين من الانتخابات. وأشار إلى أن الجميع ظن في ذلك الوقت أنه أقدم على ذلك بسبب الاتهامات الموجهة له بالفساد، ولكن السبب الحقيقي بنظر بلاتر أنه «أُبْلِغَ بذلك»، مُشيراً إلى أن الشيخ جاسم زار زيوريخ وعقد اجتماعاً ثلاثياً ضمه مع ابن همام، وأمره ثانيةً خلاله بالانسحاب.

وأبرزت الصحيفة البريطانية تأكيد الكاتبة الأسترالية أن بلادها تكبدت ما يفوق 40 مليون دولار قبل سبع سنوات من أجل تعزيز فرصها لاستضافة المونديال، ولم تحصل سوى على صوتٍ واحد في اللجنة التنفيذية لـ«الفيفا»، وقالت إن ذلك يثير سؤالاً عما «قامت به قطر» ودفعته من أموالٍ لتأمين الأصوات التي كفلت لها نيل حق تنظيم الحدث الكروي الأبرز في العالم، رغم أنها تفتقر إلى أي تاريخ كروي أو سابقةٍ في استضافة فعاليات شديدة الأهمية مثل هذه. وأشارت «مَيل أون صنداي» إلى ما وصفت به الكاتبة عملية التصويت على اختيار الدولة المضيفة لمونديال 2022 من أنها الأكثر «ضبابية وإعتاماً» على الساحة الرياضية الدولية، وقولها إنها أول شخص يكتب إفادة من داخل الكواليس بشأن هذا الأمر، مؤكدةً أنها كرست السنوات الماضية - التالية للتصويت - للتعرف إلى حقيقة ما حدث فيه بدقة، وأشارت مرساياديس إلى أنها أُبعِدَتْ عن الحملة الأسترالية لاستضافة كأس العالم، «لأنها رأت وسمعت وعرفت ولاحظت ما يكفي لإدراك أن شيئاً ما لم يكن على ما يرام».