الاقتصادي

الأتمتة لا تدمر الوظائف بل تساعد البشر على الإبداع

نجح معظم الأميركيين الذين دمرت التكنولوجيا وظائفهم، في البقاء على قيد الحياة والحفاظ على قوت يومهم. فالتكنولوجيا التي يرى البعض أنها تدمر الوظائف وتزيد من أعباء العمال، لا تؤدي بالضرورة إلى مشكلات وكوارث بل تزيد من الرخاء، فقد أصبح المزارعون أكثر إنتاجية بنسبة لا تقل عن 25%، فبفضل الآلات يمكن لثمانية محاصيل أن تنتج ما يوازي عشرة محاصيل على الأقل مما يقدم المزيد من الأغذية للأشخاص ويزيد من الرخاء في المجتمع. وإذا سأل أحد ما مصير العمال الذين تم الاستغناء عن خدماتهم، فيمكن ببساطة أن يتحولوا إلى أعمال أخرى في حاجة لجهودهم ولا يمكن للآلة أن تستولي على تلك الوظيفة منهم مثل أن يعملوا في مجال التجميل وفي صالونات الحلاقة. في هذه الحالة سيستفيد المجتمع بوفرة الطعام وكذلك بأحدث تسريحات الشعر. الأتمتة نادرا ما تدمر الوظائف، بل على العكس من ذلك، فإنها تتولى المهام الروتينية التي تستهلك الكثير من الجهد والوقت من العمال من البشر، وفي الحقيقة عندما تتولى الآلة الأعمال الروتينية فإنها تتيح الفرصة للبشر للإبداع وتولي مهاماً أكثر تعقيداً وكذلك التفكير في خطوات مستقبلية من شأنها زيادة الإنتاج.
وهذا خلاصة ما طُرح في كتابيّ «مستقبل العمل» بقلم داريل ويست، و«الإنسان + الآلة» لبول دوجيرتي وجيمس ويلسون.إن الخوف من أن العمال الزائدين عن الحاجة قد يجلسون عاطلين عن العمل بدلاً من الانتقال إلى أعمال أخرى في حاجة إلى عمال أو اكتساب مهارات جديدة تمكنهم من الانتقال إلى مجال عمل آخر ربما يفتح المزيد من المجال أمام فرص التوظيف. وفي حالة إن كان هذا السيناريو القاتم هو الواقع، فإن بالتأكيد العمال الذين مازالوا على رأس عملهم سيتحملون الأعباء المالية والنفسية اللازمة لدعم جيرانهم الذين فقدوا وظائفهم. وعلى الرغم من أن مثل هذه النتيجة لم تتحقق أبداً، إلا أنه دائماً ما ستكون هناك خطط بديلة يمكن تطبيقها في المستقبل لتخفيف العبء على العمال العاطلين عن العمل. وفي كتاب «مستقبل العمل»، يقدم الباحث في مؤسسة بروكنغز داريل ويست رأيه حول ادعاء شائع الآن يقول، إن الروبوتات والذكاء الاصطناعي يجعلان هذه الزمن مختلفاً.

العمال ذوو المهارات
ويصف ويست، مستقبلاً سيتم فيه بالفعل تغيير كل الأفكار المعروفة عن ظروف العمل القديمة بسرعة فائقة تفوق استيعاب الأوضاع الجديدة التي ستفرض على أجواء العمل، وأشار إلى أن ذلك سيترك «العمال ذوي المهارات المحدودة دون فرص حقيقية»، وحذر من أنه نتيجة لذلك ستنتج «الاضطرابات الاجتماعية» واحتمال تحول الأمر إلى مأساة وفوضى وربما تتطور الأمور إلى زيادة نسبة العنف في المجتمع. ويستنتج السيد ويست من ذلك ضرورة أن تدفعنا سرعة التطور التكنولوجي إلى «إعادة التفكير في مفهوم العمل نفسه».
ويقدم المؤلف لمحة مثيرة للاهتمام عن أحدث الابتكارات مثل الروبوتات الذكية، والبرمجيات المتطورة، والإنترنت لتواصل الأشياء بعضها بعضاً دون تدخل الإنسان والتي تسمح للآلات أن تتبادل المعلومات والبيانات بينها وبين بعضها بشكل تلقائي ويومي. ويوضح ويست كيف أن هذه الابتكارات قد تؤثر على الصناعات القائمة وتؤثر على الصناعات الجديدة، وتقلل من الحاجة إلى بعض أنواع الوظائف وتزيد من الحاجة إلى وظائف أخرى، وكذلك تسفر عن تغيير الطريقة المألوفة التي يمارس بها الأشخاص أعمالهم في الوقت الراهن.
ولكن ما هو مفقود فعلاً، وجود الدليل على أن مثل هذه الاختراقات التكنولوجية تقلل من طلب الشركات توظيف المزيد من العمال. على العكس من ذلك، يبدو أن الشركات الأميركية التي يصفها ويست باستخدام التكنولوجيا الحديثة تبدو في نهاية الأمر أنها توظف عدداً أكبر من الناس.
ويصف «ديناميك»، الشركة المصنعة التي كانت تستخدم في السابق أربعة أشخاص لتجهيز احد مراحل التصنيع الرئيسية، ولكنها قامت بعد ذلك بشراء روبوت بقيمة 35000 دولار والذي كان حسب المسؤولين في الشركة «فعّالًا في أداء وظيفته بدرجة قد تماثل او تفوق العمال الأربعة» الا أنه لم يتم تسريح أس من العمال نتيجة لذلك. فلا يزال الروبوت بحاجة إلى من يقوم بتشغيله كما أن الشركة بحاجة إلى فني صيانة أيضا للإشراف على الروبوت.
وحققت شركة أخرى، هي شركة تاكو كومفورت سوليوشنز، مكاسب إنتاجية غير عادية في العقد الماضي حيث ضاعفت قوتها العاملة باستمرار. وعلى مستوى الصناعة، يؤكد ويست أن «عدد الوظائف المفقودة في قطاع البيع بالتجزئة يفوق عدد الوظائف الجديدة التي يتم إنشاؤها»، ولكن بشكل عام يشير ويست في كتابه «مستقبل العمل» أن الأرقام والبيانات الرسمية تُظهر وجود زيادة في الوظائف على مستوى الصناعة في كل عام وبشكل مطرد منذ عام 2010.

عواقب التكنولوجيا
وعلى الرغم من أن عواقب التكنولوجيا التي قد تكون مدمرة لم تظهر بعد، فربما ستظهر وجهها الآخر القبيح قريباً. وللبحث في كيف يمكن ومتى ستكشف التكنولوجيا عن جانبها السلبي، تعاون السيد ويست مع قسم أبحاث متخصص في جامعة أوكسفورد في إعداد دراسة توصلت إلى أن نصف العمال في الولايات المتحدة من المرجح أن يروا وظائفهم انتقلت من الإنتاج اليدوي البشري إلى الإنتاج الآلي خلال السنوات العشرين المقبلة. لكن الدراسة في الوقت ذاته حددت الوظائف التي ستكون «سخيفة» - على حد وصفها إذا تم انتقالها من البشر إلى هيمنة الآلة مما يجعل من العاملين في تلك الوظائف أكثر حماية من احتمال فقد وظائفهم. ومن تلك الوظائف الأقل عرضة للأتمتة: المرشدون السياحيون، وكلاء العقارات وعارضات الأزياء وهي الوظيفة التي ترى الدراسة أن أتمتتها شبه مستحيلة. وينافسها في نفس درجة استحالة تولي الآلة مهام العمال من البشر وظيفة يفعل سائق الحافلة المدرسية، فالآباء لن يوافقوا في أي يوم من الأيام أن يضعوا أولادهم غير الخاضعين للرقابة في صناديق معدنية ذاتية القيادة كل يوم.
والمشكلة الأوسع نطاقاً، والتي حاول السيد ويست إبرازها هي هل يمكن أو لا يمكن أن يتم «أتمتة» الوظائف بطريقة تجعل الموظف شيئاً غير ضروري بالمرة. فمثلاً اذا نظرنا إلى وظيفة الإشراف على بوابات العبور لرسوم المرور على الطرق نجد أن الآلة تقوم بمعظم العمل ولكن في الوقت ذاته لا يمكن الاستغناء عن البشر لحل أي أزمة تطرأ أو مشكلة تعطل حركة السير فتكون عواقبها وخيمة، وبالفعل برغم أن الآلة تقوم بكل العمل تقريباً إلا انه لا يمكن الاستغناء عن البشر في نفس الوقت.

مستقبل عمل الإنسان
وتوصلت الدراسات المتعددة التي تبحث في مستقبل عمل الإنسان في ظل التقدم التكنولوجي إلى أن الوظائف المهددة تكون على أساس المهام المكلفة بها فالأتمتة يمكن أن تطال أجزاء كبيرة ومتعددة من الوظائف، ولكن لازال يمكن أن يسفر ذلك عن الاستغناء عن العامل البشري تماماً. ويمكن أيضاً أن تساعد التكنولوجيا العمال الذين هم في حاجة ماسة إلى أن يصبحوا أكثر إنتاجية، وبحسب الدراسات يمكن أن يتم استبدال الإنسان بالآلة بشكل كامل فقط فيما يتراوح بين 5% إلى 10% من الوظائف. وبالتالي، فإن معدل نمو الإنتاجية الذي تنطوي عليه الموجة المقبلة من التشغيل الآلي ستصل بمعدلات الإنتاج إلى أرقام قياسية.
ومع ذلك، فإن مسألة الاتمتة مقابل الزيادة في الإنتاج هي مسألة مركزية لمستقبل العمل بسبب آثارها ليس فقط على معدل التغيير المتوقع، بل أيضا على استمرار أهمية العمال الأقل مهارة. إذا احتاجت الشركات إلى عمال من أجل تشغيل تكنولوجيا جديدة، فيمكنهم نشرها بالسرعة التي تمكنهم من تدريب العمال على استخدامها. وهكذا تظل الشركات مقيدة في تحسين عملياتها - بما في ذلك الأتمتة - من خلال توفير العمالة الموجودة بالفعل وقدرتها على استيعاب التغيير، وقد يساعد هذا القيد على تفسير سبب ثبات نمو الإنتاجية، وليس تسارعه. ويقترح ويست أن أفضل الأفكار في مستقبل العمل يمكن العثور عليها في دهاليز الإدارة اليومية للأعمال.

«الإنسان + الآلة»
وفي الوقت ذاته، يشير بول دوجيرتي وجيمس ويلسون في كتاب «الإنسان + الآلة» إلى أنه يمكن أن يعمل الإنسان جنباً إلى جنب مع الآلة من اجل إنتاج اكثر كفاءة وأغزر. وأشار الكتاب إلى أن هذا النموذج من التكامل موجود بالفعل في مصنع سيارات بي ام دبليو الالمانية حيث «يتعاون عامل ورجل آلي» في مراحل إنتاج السيارات الشهيرة. ويرى الكاتبان أن «الآلات لا يمكن لها ان تسيطر على العالم، ولا على قطاع الاعمال بشكل كامل، كما أن الآلة لا يمكن أن تستغني عن الانسان في أي وقت في مكان العمل».
ويشرح بول دوجيرتي وجيمس ويلسون، على سبيل المثال، السبب الذي يجعل تشغيل الروبوتات إلى جانب البشر أمراً حاسماً لاستمرار المصانع في جني الأرباح - وهو الأمر الذي أكد عليه الرئيس التنفيذي دايناميك.
وفي نهاية المطاف، فإن ما يمكن أن نستخلصه من هذين الكتابين أن «نتخيل» كيفية تغيير التكنولوجيا لشكل وطريقة العمل مع مرور الوقت، ولماذا قد لا تثير فينا المخاوف أكثر من أي وقت مضى ترديد جملة «الروبوتات قادمة لتغزو الأعمال».

* الكاتب: أورين كاس