صحيفة الاتحاد

ألوان

الشريعة الإسلامية نظمت العلاقة بين التاجر والمستهلك

حسام محمد (القاهرة)

تعاني بعض المجتمعات في الفترة الأخيرة ظاهرة ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه حتى أن أصحاب الدخل المحدود أصبحوا يواجهون معاناة كبيرة من العيش بشكل ميسر ويعانون كثيراً في تلبية متطلبات أفراد أسرهم والواقع يؤكد أن الدول تتخذ العديد من الإجراءات لتخفيف المعاناة عن مواطنيها، ولكن رغم ذلك تبقى تلك الظاهرة موجودة يعاني منها الغني والفقير على حد سواء في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار، وهو ما يطرح السؤال المهم حول كيفية مواجهة المجتمع لظاهرة الغلاء؟.

التكافل
بداية يقول الدكتور محمد الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية: حرصت الشريعة الإسلامية على إيجاد حالة من التكافل والتعاضد بين كل أفراد المجتمع المسلم بحيث يكون التاجر والمستهلك إخواناً لا يظلم أحدهما الآخر وحثت على التواد بين الناس، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمي»، وهكذا نشأ المجتمع المسلم منذ صدر الإسلام وهو يدعو لنشر قيم التكافل وعلى الجانب الآخر فإن القرآن الكريم عن أكل الأموال بالباطل فقال تعالى:(... لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ...)، (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)، كما حث رسول الله على تنظيم حركة البيع فقال صلى الله عليه وسلم: «أَهْلُ الْمَدَائِنِ، هُمُ الْجُلَسَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رِدْءُ الإِسْلامِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَثَغْرُهُمْ، فَلا تَغْلُوا عَلَيْهِمْ، وَلا تَحْتَكِرُوا، وَلا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ».
يضيف د. الجندي: لقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم التجار من رفع الأسعار لمجرد الجشع منهم، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليُغْلِيَه عليهم فإن حقًا على الله أن يقذفه في جهنم»، ولهذا فعلى التاجر المسلم أن يراعي حق المستهلك في الحصول على السلعة التي يبيعها له بسعر مناسب فلا مغالاة ولا بخس في الحقوق، فعلى التاجر أن يوازن بين نسبة ربحه وبين التكافل الذي حث عليه الإسلام ودعا لنشره بين المسلمين، وقد وصف النبي المال والربح الذي يأتي من المغالاة في الأسعار بأنه مال حرام وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من أكل الحرام، فقال صلى الله عليه وسلم: «كل لحم نبت على سحت فالنار أولى به»، ومما حرمته الشريعة حماية للمستهلك «النجش»، وهو الزيادة في قيمة السلعة ممن لا يريد شراءها وكذلك حرمت الشريعة تلقي الركبان خارج الأسواق لأن ذلك مآله إلى غلاء الأسعار ومما حرمته الشريعة إنفاق السلعة بالحلف الكاذب وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممحقة للبركة، وهكذا وضعت الشريعة الإسلامية الأسس التي تحقق العدالة في السعر، وبالتالي تختفي ظاهرة الغلاء نهائياً، والشريعة الإسلامية حثت المسلم على ضرورة كسب المال من الحلال.

الترشيد
من جانبها تقول الدكتور وجيهة مكاوي أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: عندما نناقش ظاهرة غلاء الأسعار علينا أن نناقش أسبابها وهو الأمر الذي فعلته الشريعة الإسلامية قبل ما يزيد عن الألف وأربع مئة عام فعلى سبيل المثال حرمت الشريعة الاحتكار بوصفه أحد أهم أسباب الغلاء والاحتكار هو حبس السلع عند حاجة الناس إليها لتشحَّ من الأسواق فيغلو ثمنُها، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا يحتكر إلا خاطئ» يعني آثم كذلك حذرت الشريعة التجار من التعسف والجور والظلم والشطط واستغلال حاجات الناس، حذّرت التجار من الجشع والطمع والأثرة والأنانية والكذب والغش والخداع ورفع الأسعار على الناس بدواعٍ وهمية وصنائع مفتعلة وأعذار جوفاء وأقوال خرقاء بلا وازع ولا رادع، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا معشر التجار: إنكم تبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق»، وهذا استثناء لأولئك التجار الذي يخافون الله، أهل الصدق والبر والإحسان الرحماء بالمجتمع فالتاجر الصدوق هو الذي يربح دون جشع أو طمع، ولذا جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء».
على الجانب الآخر- تتابع د. مكاوي - فإن المسلم يجب أن يكون رشيداً عند الإنفاق لتحقيق التوازنات المطلوبة في حياتنا ولا يكون الترشيد في السلع الغذائية فقط، ولكن في كل الاحتياجات وعلى كل الفئات الاجتماعية الغني قبل الفقير ويأتي ذلك بالتدريب بإيجاد بدائل لبعض المنتجات، وفي هذا السياق يطرح بين أيدينا علي بن أبي طالب رضي الله عنه نظرية في مكافحة الغلاء وهي إرخاص السلعة بإبدالها بسلعة أخرى، فعن رزين بن الأعرج مولى لآل العباس قال: غلا علينا الزبيب بمكة فكتبنا إلى علي بن أبي طالب بالكوفة، فكتب أن أرخصوه بالتمر أي استبدلوه بشراء التمر الذي كان متوافراً في الحجاز وأسعاره رخيصة، فيقل الطلب على الزبيب فيرخص وإن لم يرخص فالتمر خير بديل، وأيضاً الاستغناء عن بعض السلع، فقد جاء أن الناس زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشتكوا إليه غلاء اللحم، فقال أرخصوه أنتم فقالوا نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة، فتقول أرخصوه أنتم، فقالوا وهل نملكه حتى نرخصه؟ فقال قولته الرائعة اتركوه لهم، وأيضاً نعيد معاني الرضا والقناعة التي غابت عن حياة الكثيرين، فإذا سعى المسلم إلى تحقيق المقصد الأعلى في حياته وهو عبادة الله عز وجل فستهون عليه الدنيا.

سياسات شرعية
يقول الدكتور عبد الفضيل القوصي عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف: حرصت الشريعة الإسلامية، وهي تناقش أمر السياسة الاقتصادية أن توجد عدداً من القواعد الضرورية لحفظ التوازن بين الفرد والمجتمع والحاكم والمحكوم عن طريق النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تنهى عن الظلم والفساد والغش والاحتكار وتنهى عن الإفراط والتفريط، كذلك وضع الإسلام قيمة التكافل كوسيلة من وسائل مواجهة الغلاء، وذلك بإيجاب النفقة على الفقير من قريبه الغني، وليس هذا الأمر على سبيل الاستحباب، بل هو حق أمر الله به، فقد عمل الإسلام على إنقاذ الفقراء من الفقر والمهانة، فشرّع لذلك تضامن أعضاء الأسرة الواحدة يشد بعضهم أزر بعض، ويعين قويهم ضعيفهم، ويكفل غنيهم فقيرهم، فقد قال تعالى: (... وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى? بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، «سورة الأنفال: الآية 75»، كذلك فرض الإسلام الزكاة والتي تهدف أساساً إلى إغناء الفقراء باعتبارهم أول من تصرف لهم، بذلك أمر النبي معاذاً عندما أرسله إلى اليمن أن يأخذ الزكاة من أغنيائهم ويردها على فقرائهم.