دنيا

جزيرة السمالية.. رسالة معطرة برحيق الماضي إلى الأجيال الجديدة

التواصل بين الأجيال يثمر تقديراً للماضي وتفهما للحاضر (تصوير شادي ملكاوي)

التواصل بين الأجيال يثمر تقديراً للماضي وتفهما للحاضر (تصوير شادي ملكاوي)

أحمد السعداوي (أبوظبي) - فعاليات شبابية حافلة بالمتعة والبهجة، شهدتها جزيرة السمالية يوم أمس الأول، ضمن فعاليات الأسبوع الثالث والأخير من ملتقى السمالية الوطني، بمشاركة واسعة من طلاب مراكز تابعة لنادي تراث الإمارات، انتشروا في ميادين الجزيرة وساحاتها ومارسوا عدداً من المناشط التراثية المميزة، التي حققت لهم المتعة والفائدة في آن، في ظل أجواء طبيعية منعشة منحتها لهم جزيرة السمالية عبر مختلف المظاهر التراثية التي أبهرت الزائرين على اختلاف أذواقهم وميولهم. تُقام فعاليات الملتقى الذي انطلق في السادس عشر من ديسمبر الماضي، برعاية ودعم كريم من سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات، وتولى تنظيم فعاليات المهرجان التراثي نادي تراث الإمارات، بوصفه الجهة الأولى الراعية للتراث بأشكاله المختلفة، والتي تحرص على توصيل رسائل التراث وقيمه وعاداته إلى الأجيال المتعاقبة، ويستمر الملتقى الذي يحمل شعار «الإمارات وطن الريادة والتميز»، حتى الثالث من شهر يناير المقبل، بمشاركة طلاب وطالبات مراكز النادي كافة.
بحر ورمال
بين البحر والرمال والمساحات الخضراء انتثرت المجموعات الطلابية على أرض جزيرة السمالية، ليعانقوا الطبيعة في أبهى صورها، من خلال ملامستهم الحية لألوان التراث الإماراتي الممتزج، بطبيعة هذه الأرض وخصوصيتها الممتدة عبر قرون عديدة، وتمثل ذلك في محاولاتهم الأولى لركوب الهجن والتعرف على عوالمها الخفية تارة، أو في تعلمهم لقواعد الفروسية وركوب الخيل تارة أخرى، أو تلمس طريق المعرفة بالصيد والصقور وغيرها من المفردات التراثية المبهرة التي تقدمها جزيرة السمالية في إطار جذاب وشيق.
أما البحر والصيد البحري بما يمثله من أهمية متفردة بالنسبة للإنسان الإماراتي، فقد احتل مكانة خاصة يوم أمس الأول من خلال رحلة قامت بها سفينة تراثية أقلت طلاب مراكز تابعة لنادي التراث عبر شواطئ ومياه جزيرة السمالية، وكذلك دورات تعليم الصيد التقليدي والممارسة التطبيقية من جانب الطلاب لهذه الدورات التي أشرف عليها كل من الخبيرين التراثيين بنادي تراث الإمارات، الوالد حثبور بن كداس الرميثي، وأحمد مانع المهيري.
طرق الأجداد
وعن هذه الرحلة المميزة، قال الخبير في التراث البحري الوالد حثبور بن كداس الرميثي، إن رحلة الصيد البحري التقليدي تعتبر من أروع الأنشطة التي يمكن أن يمارسها الطلاب الزائرون لجزيرة السمالية، حيث يتعلمون خلالها كيفية استخدام طرق الأجداد في صيد السمك ومنها طريقة «الدفار»، وتستهدف اصطياد السمك الساحلي الذي يعيش بالقرب من السواحل مثل أسماك البدح، الصافي، والحاقول.
وأوضح أنه تم تقسيم الطلاب إلى مجموعتين، الأولى من شباب مركز السمحة وعددهم ستة طلاب، ونفس العدد بالنسبة لمركز أبوظبي ليمثلوا المجموعة الثانية، ولفت الرميثي إلى أنه تمت مراعاة أن يكون الطلاب المختارون على علم ودراية كاملين بالسباحة والغوص، حتى يمارسوا التجربة في أمان كامل تحت رعاية وملاحظة المشرفين المتخصصين التابعين للنادي، حتى يتعايشوا مع التجربة بشكل تام ويتعاملوا معها على طبيعتهم.
وتم إلباس الطلاب المشاركين في التجربة أردية الزي التراثي القديم، وجلسوا إلى المدربين التراثيين لتعريفهم بأنواع الصيد المختلفة، ثم خرجوا في الرحلة بصحبة بحارة متخصصين، أما باقي الطلاب الذين لم يقع عليهم الاختيار، فقد أتيحت لهم فرصة المشاهدة لهذه التجربة المثيرة، التي أدهشتهم لفرط ما فيها من تفرد في طريقة التعرف على أساليب حياة الأهل والأجداد بشكل عملي وجذاب في آن.
المرة الأولى
من جانبه، ذكر مدير إدارة الأنشطة والسباقات البحرية بالإنابة في نادي تراث الإمارات سعيد علي المناعي، أن من هؤلاء الطلاب من شاركوا في هذا النشاط للمرة الأولى في حياتهم، وخاضوا تجربة إلقاء الشباك بأنفسهم، ومن ثم القيام بعملية تفريغها من الأسماك، وكل ذلك تحت الملاحظة والتوجيه المستمر من جانب الخبراء التراثيين في النادي.
وأضاف: من الأشياء المميزة أيضاً في هذه التجربة أن الطلاب الذين شاركوا فيها ينتمي غالبيتهم إلى بيئات بحرية كونهم جاؤوا من منطقة البطين، حيث سكانها هم أهل بحر بالأساس، وكذلك منطقة السمحة، أي أن هذه التجربة يمتد أثرها إلى الأهل الذين يسعدون بأن أبناءهم تعرفوا على عالم البحر والأدوات المستخدمة فيه، وكيف كان يستعملها الأقدمون، كما تعرفوا على عالم الطيور البحرية بأنواعها، والأسماك المختلفة والتي يستخدم بعضها كطعم أم «ييم» بلغة أهل الإمارات.
أغراض الارتحال
وأخيراً نوَّه مدير إدارة الأنشطة والسباقات البحرية بالإنابة في نادي تراث الإمارات إلى أن هناك طلابا ينتمون إلى أربعة من المراكز التابعة لنادي تراث الإمارات، وهي الوثبة، والسمحة، أبوظبي، وسويحان، لافتاً إلى أن هذا الأسبوع يتسم بنكهة خاصة كونه الأسبوع الأخير في فعاليات ملتقى السمالية الوطني، وهناك ثلاثة أنشطة مميزة، الأول تمثل في الرحلة البحرية لتعليم الشباب طرق الصيد التقليدية وتنفيذ جزء من هذه الطرق، النشاط الثاني وهو المطراش أو المرواح وهو عبارة عن رحلة برية على ظهور الإبل يقوم بها الشباب اليوم (الأربعاء) على ظهور الإبل داخل جزيرة السمالية، وسيكون على المطية كافة أغراض الارتحال وسيكون لهم استقبال تراثي في المخيم وسيتم إعداد الطعام لهم باستخدام الطرق التقليدية والطهو باستعمال الخشب.
أما النشاط الثالث، وفق المناعي، فهو رحلة مقناص خارج جزيرة السمالية في منطقة الوثبة وسيكون فيها استخدام الصقور في عمليات الهدد بشكل حي للطلاب المشاركين، حيث سيقومون بأنفسهم باستخدام الصقور ويتعلمون ممارسة استعمال الصقور في الهدد بشكل ذاتي، وسيكون هذا النشاط مسك ختام فعاليات الأسبوع الثالث والأخير من ملتقى السمالية الوطني.
إلى ذلك، أوضح أن نشاطات الملتقى هذا العام حققت نجاحاً كبيرا ولاقت إعجاب كافة شرائح الجمهور الذي زار السمالية، وهو ما أظهرته اللقاءات مع أولياء الأمور وكل من زار جزيرة السمالية على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، خاصة إشادتهم بالأجواء المميزة التي تميز جزيرة السمالية، وكذا قرب المسافة بينها وبين أبوظبي، التي لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة بالسيارة، وتوفير كافة الخدمات للزوار من حافلات لنقلهم على ظهر الجزيرة، ويخوت مجهزة على أحدث طراز لنقلهم من مرسى الجزيرة الخارجي إلى شاطئها الداخلي، وكذلك بيوت الشعر والخيم العربية لتقديم واجبات الضيافة للزائرين، وكذا الاستمتاع بالاسترخاء في ظل أجواء شتاء إماراتي فريد.


يوم تراثي

من الطلاب الذين ساهموا في هذا اليوم التراثي الحافل بالأنشطة المدهشة، نهيان مبارك 12 سنة، طالب بالصف السابع في مدرسة عبد الله بن رواحة في بني ياس، وحديث الانتساب لمركز الوثبة، حيث التحق منذ حوالي شهرين فقط، وقال إن أصدقاءه من منتسبي النادي شجعوه على الانضمام للمركز نظراً لما استفادوه من خبرات ومعارف جديدة تعلموها في المركز، مثل الفروسية والسباحة والصيد البحري الذي تعلم أساسياته بفضل خبراء التراث البحري العاملين في النادي.
وأشار ابن مبارك إلى أن زيارته لجزيرة السمالية تعتبر من أجمل الرحلات التي قام بها طيلة حياته، ولم يكن يتوقع أنها بهذا الجمال، حيث تمكن خلال زيارته لها من مساعدة أنواع عديدة من الطيور والحيوانات تعيش في حرية وكأنها في بيئتها الطبيعية مثل الغزلان الرملية المنتشرة في أرجاء الجزيرة.
خليفة عوض «12 سنة»، طالب صف سابع بمدرسة جرن يافور بالشامخة وانتسب لمركز الوثبة منذ خمس سنوات، قال من جانبه إنه تعلم الكثير عبر الأنشطة والفعاليات العديدة التي ينظمها ويرعاها نادي التراث، حيث تكونت لديه معلومات كثيرة عن السباحة وركوب الخيل وأساسيات الرماية والهجن، وكذلك قضاء الأوقات الممتعة في رياضات مفيدة ومهمة كمثب الشراع الرملي والشراع البحري والملعب الصابوني والطائرات الإلكترونية.


تراث الأجداد

مبارك الهمامي «16 سنة» ذكر أنه التحق بالنادي منذ أن كان في الصف السادس وهو الآن في الصف الثاني الثـانوي، ولا يــزال ينتظــم في أنشــطته وفعالياته بحب واهتمام. موضحاً أن ما جعله يتعلق بنادي التراث أنه كان يجيء مع أصدقائه لنادي التراث في زيارات عادية ثم أعجبته الأجواء التي تتم فيها ممارسة النشاطات التراثية وتعلمها بشكل جذاب.
وأورد الهمامي أن أجمل ما في فعاليات نادي التراث أنها تعلمنا مهارات جديدة وتساعد في حفظ تراث الأجداد من خلال إعلاء قيمته في نفوس الشباب والصغار، والتعريف بما كان يمثله هذا التراث من أهمية بالنسبة للآباء والأجداد.
خالد عمر سالم الكعبري 15 سنة طالب بالصف التاسع في مدرسة عبدالله بن رواحة في بني ياس، قال إنه انضم لمركز الوثبة منذ أربع سنوات لافتاً إلى أن هذه الفترة الطويلة جعلته يتعلم أشياء كثيرة عن البحر وطرق الصيد وركوب الخيل والهجن والصيد بالصقور، موضحاً أن أنشطة نادي التراث تحمل المتعة والفائدة للجميع وهي أفضل من غيرها من الأنشطة التي تضيع وقت الكثير من الشباب ولا تعود عليهم بأي فائدة لهم أو لوطنهم.