دنيا

آفاق لعلاج وتأهيل الإدمان وفق «النموذج العالمي» الشامل

الإدمان يودي بصاحبه إلى مصير مجهول دائماً

الإدمان يودي بصاحبه إلى مصير مجهول دائماً

لم تشهد البشرية أوبئة تحصد البشر، يفوق تأثيرها الطاعون والإيدز، مثل وباء المخدرات!، لكن الاختلاف الكبير الذي يقدم إدمان المخدرات على سواه، أن أي وباء يمكن محاصرته والتعامل معه مهما كانت خطورته. لكن المصيبة الأكبر تكمن في استحالة محاصرة آثار الإدمان المدمرة وقصرها على الشخص المدمن فقط، بل إنها تمتد لتشمل أسرته والمجتمع الذي يعيش فيه بأسره! المخدرات.. باتت وباءً عالمياً يفوق جسامة مخاطرها ما أحدثته كافة الحروب التي دارت في أنحاء العالم على امتداد العصر الحديث مجتمعة دون أدنى مبالغة. آخر تقارير الأمم المتحدة يؤكد أن من أهم الأسباب الرئيسية لوصول تعاطي المخدرات إلى المستوى الوبائي الذي نراه عليه اليوم، هو فشل كثير من الدول والحكومات والمؤسسات المعنية في إيصال المعلومات الصحيحة حول خطر استخدام المخدرات والإدمان عليها إلى الناس، في ظل عوامل ومتغيرات عالمية عديدة خلفت ظلالاً سلبية عديدة على اتجاهات وسلوكيات الصبية والمراهقين والشباب. “الاتحاد” وبالتعاون مع “مركز أبوظبي للتأهيل”، تطرح هذا الملف الشائك من خلال التعريف بالمشكلة، وأهمية التوعية المجتمعية في ضوء المتغيرات الثقافية الجديدة، واستعراض جوانب الإدمان وأهم المخاطر النفسية والأسرية والاجتماعية، وكيفية التعامل معها على صعيد العلاج والتأهيل، على امتداد خمسة أيام.

لا يوجد علاج لأي مرض من الأمراض الجسمية أو النفسية دون تشخيص، وهذا التشخيص يحتاج بالضرورة إلى التعرف إلى طبيعة المرض «أسبابه وأعراضه ومضاعفاته ومآله المستقبلي» دون إغفال إرادة المريض التي تحفزه إلى العلاج، وإذا ما انسحبت هذه الضرورة على مرض الإدمان، علينا أن نتوقف عند «التقييم» الموضوعي لحالة المدمن «صحياً ونفسياً واجتماعياً» - وهي الجوانب الثلاثة الرئيسية التي يعصف بها الإدمان، وتصبح هي نفسها في أحوال كثيرة عوامل ضاغطة على المدمن نفسه، ويجد نفسه لا شعرياً يمارس إنكاراً لمقاومة أي جهد علاجي، إلى أن يصل إلى مرحلة يصعب فيها السيطرة على إرادته وذاته واختياراته وتوجهاته ودقة قراراته، لأنه يصبح مريضاً أسيراً للمادة المخدرة التي يدمن عليها، والتي جعلت منه مريضاً يستحيل معها الاعتماد على نفسه دون دعم ومساعدة الآخرين لتجاوز مرضه الذي ضرب كل أركان وتفاصيل وجوانب صحته وشخصيته وحياته، وحوله إلى مجرد «هيكل» مريض ممزق صحي ونفسي، وأنه أصبح مجرد مستهلك، مكره للعقار أو المادة المخدرة تحت وطأة إلحاح الحاجة الفسيولوجية والنفسية.
المدمن يصبح شخصاً «بلا إرادة» حقيقية، ولا حول له ولا قوة، ولا يرى ولا يحتاج إلا جرعة هذا المخدر أو ذاك، إنه لا يعيش بمعزل عن الوسط والمجتمع الذي يعيش فيه أو ينتمي إليه، فهو خلال رحلته المريرة مع المسكرات أو العقاقير المخدرة، سيكتشف أن إدمانه امتد إلى كل تفاصيل حياته، ليضرب جذورها، ويهدم أركانها، وينسف قيمها وضوابطها، وأنه أصبح عنواناً للعار العائلي والاجتماعي، وسبباً لتفكك وانهيار الأسرة، وتهديداً مزمناً لأمن المجتمع واستقراره وسلامته، من ثم فإن أية رؤية للعلاج عليها أن تنطلق من هذه الحالة!
رؤية ومفاهيم
من خلال هذه الرؤية يصبح المفهوم العلاجي لمريض الإدمان تحقيق حالة من الامتناع عن تناول المخدرات وإيجاد طريقة للحياة أكثر قبولاً، يشعر فيها الشخص أن بإمكانه أن يعيش ويستمتع بحياته بشكل طبيعي دون أي حاجة لأي عقار أو مخدر، بما يحقق له الرضا والاستقرار النفسي، ومن ثم تسهيل تأهيله وإعادة اندماجه في المجتمع بشكل إيجابي.
وما من شك أن هذا البرنامج يحتاج تدابير علاجية، في مقدمتها مواجهة حالة الانقطاع عن تناول المخدرات المسببة للإدمان، والتعامل مع الأعراض الانسحابية بأسلوب طبي علمي لإزالة التسمم من جسم المريض، ومساعدته على تجاوز هذه المرحلة الصعبة، ومن ثمّ مباشرة تقييم طبي ونفسي واجتماعي شامل ودقيق، والولوج في تنفيذ علاج نفسي مناسب يعينه على ترميم ذاته، والتعامل مع كافة الاضطرابات والمشاكل النفسية المصاحبة للإدمان، أو تلك التي خلفها الإدمان في شخصيته، ومحاولة إصلاح تداعيات هذه المرحلة نفسياً واجتماعياً، ومن ثم إعانته وتأهيله تأهيلاً مناسباً يعينه على الحياة والعمل دون مخدرات.
فما هي ملامح البرنامج العلاجي والتأهيلي المناسب لعلاج الإدمان وفق هذه الرؤية؟
العلاج التكاملي
الدكتور حمد الغافري، مدير عام المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي، يوضح أهم ملامح هذا البرنامج، ويقول:” سياسة عمل المركز وفلسفته تنتهج مبدأ السرية التامة التي تضمن خصوصيات المريض واحترامها تماماً، ويعتمد البرنامج العلاجي والتأهيلي لمرضى الإدمان على فلسفة العلاج التكاملي الشامل،الذي يراعي طبيعة “مرض الإدمان” متعددة الآثار منها: العضوية والنفسية والاجتماعية والروحانية. ويشمل البرنامج العلاجي محاور عدة، أهمها العلاج النفسي والسلوكي والتحفيزي، وتجنب ومنع الانتكاسة، والعلاج الأسري والاجتماعي، وحيث ينهض به فريق علاجي متخصص، ويتمتع بكفاءة مهنية عالية. ويمكن تقسيم البرنامج العلاجي إلى مراحل عدة تحاكي مراحل التعافي المختلفة مع مواءمة وصياغة البرنامج العلاجي حسب حالة واحتياجات كل مريض، وتكون الموائمة في نوعية التدخلات العلاجية الدوائية أوالنفسية أوالسلوكية على سبيل المثال، ومستوى العلاج الذي يقدم ويتاح للمريض المقيم ـ الذي يقيم داخل المؤسسة العلاجية إقامة كاملة ـ أو العلاج والتدخلات الخارجية، التي تتوافر في المركز للمرضى الذين يقيمون مع أسرهم ويترددون لزيارة المؤسسة العلاجية من حين لآخر وفق البرنامج العلاجي المحدد له”.
العلاج التحفظي
يكمل الدكتور الغافري:” المرحلة الأولى لبرنامج المريض العلاجي تبدأ من مرحلة الاستعمال الحالي، وفيه يتم على العلاج التحفظي داخل المركز، لمنع أي مضاعفات محتملة خلال تعرض المريض لأعراض الانقطاع أو انسحاب المخدر أو العقار من جسمه، وتسمى هذه المرحلة بمرحلة “الفطام”، حيث يتم فيها إزالة المادة المخدرة «السميات» بشكل تدريجي تحت مراقبة طبية متخصصة، بعد إجراء التقييم المبدئي العضوي أو “الفسيولوجي” من الجانب الطبي والتقييم النفسي والاجتماعي، ويتم في خلال هذه المرحلة الوقوف على التاريخ المرضي للحالة، تمهيداً لمرحلة التقييم والتحفيز وفيها يتم التقييم النفسي الشامل، ومعرفة المهارات المهنية والوظيفية وتطور الوصف التشخيصي للمريض”.
ويوضح الدكتور الغافري قائلاً: “ من خلال المعلومات التي تتوافر أمام الفريق العلاجي عن المريض، يتم وضع الخطة والأهداف العلاجية القريبة والبعيدة، وتحفيز المريض على الالتزام بها، من خلال تقديم الدعم والمساندة النفسية والمعرفية، ويتم وضع البرنامج والأهداف العلاجية بالمشاركة مع المريض في كافة المراحل العلاجية، وتعنى هذه المرحلة بالمقاربات السلوكية بشكل رئيس، حيث تكون بعض القدرات المعرفية لم تتعاف بشكل كامل من المؤثرات العقلية.
التشخيص التبادلي
مع تعافي القدرات المعرفية للمريض يتم إدخال العلاجات المتخصصة للأمراض النفسية في حالات التشخيص التبادلي كالاكتئاب، والقلق، واضطرابات الشخصية، وتضم هذه العلاجات: العلاج النفسي الجماعي والفردي ولاستعانة بالأدوية النفسية حسب الضرورة، بالإضافة إلى الانخراط في برامج تثقيفي متكامل، يستهدف رفع الحالة المعرفية والثقافية للمريض، وتعزيز الصحة العامة والمهارات النفسية التي تعنى بالضبط النفسي والعاطفي، وإعادة الاتزان إلى الشخصية، وإكسابه مهارات كيفية التعامل مع ضغوط ومثيرات الاستخدام، وكيف يقرر بنفسه “أن يقول لا” للعودة إلى التعاطي، وتقديم الدعم الروحاني والديني اللازم، وهي في مجملها مهارات وقدرات خاصة بالتعافي، ثم ينتقل المريض إلى مرحلة التحضير للخروج والالتحاق ببرنامج العلاج الممنهج في العيادة الخارجية، وفي ذلك يتم دراسة الوضع الاجتماعي والمعيشي للمريض قبل خروجه من المريض بعدها لمرحلة العلاج المقيم، وتنسيق خروج المريض بشكل تدريجي لمدد محددة مع الأسرة والمقربين، وقد تمتد هذه المرحلة إلى ثمانية أسابيع.
العيادة الخارجية
مع خروج المريض يلتحق بالعلاج المكثف في العيادة الخارجية، والتي تضم علاجات ومتابعات نفسية مكثفة لمنع الانتكاسة، ومتابعة تطبيق مهارات التعافي، وإجراء الاختبارات والفحوص الدورية، وتضم هذه المرحلة التي تمتد إلى 16 أسبوعاً العلاج العائلي”الأسري”، والذي يشمل تثقيف الأسرة عن كيفية التعامل مع المريض في مرحلة التعافي وفهم وعلاج العلاقات داخل الأسرة، والتي يكون لها طابع وديناميات خاصة لكل أسرة، وإكساب المريض والأسرة مهارات التعامل اليومي مع ضغوط الحياة، وكيفية مساعدته في التغلب على مشاعر الحاجة إلى التعاطي، والاشتياق إلى المخدر أو العقار، ويتم في هذه المرحلة تعزيز القدرات الخاصة بالدعم الذاتي.
وبعد الانتهاء من برنامج العلاج الخارجي الممنهج يتم متابعة المريض حسب حالته وتوفير العلاجيات الدوائية اللازمة”.

النموذج العلاجي الأحدث «عالمياً»

الدكتور هشام فاروق العربي، رئيس قسم التثقيف الصحي والتدريب، بالمركز الوطني للتأهيل في أبوظبي، يشير إلى أن المركز يطبق النموذج العلاجي الأحدث “عالمياً” في علاج وتأهيل حالات الإدمان على المخدرات والمسكرات والعقاقير المخدرة الأخرى، وفق منظور شمولي يستند إلى المفهوم العالمي الجديد لتشخيص الإدمان باعتباره مرضاً يصيب الشخص، وله أسباب وأعراض، وتداعيات جسمية ونفسية واجتماعية، ترتبط ببعضها بعضاً، ويتم العلاج بتكامل التخصصات العلاجية، وتتحدد وصولاً إلى النتيجة المطلوبة، وهي التعافي التام وليس التعافي الجزئي أو المحدود، ذلك أن العلاج الحقيقي لا يقتصر فقط على علاج أعراض الانسحاب، ثم ترك المريض بعد ذلك ليعود وينتكس من جديد، إنما يجب أن نصل معه إلى استرداد عافيته الأصلية واسترداد قدرته على الاستمرار، ومواصلة نشاطه المعتاد في الحياة من دون مخدر، ومن وجوه ثلاثة، جسدية ونفسية واجتماعية، ومن ثم تكون البداية بإزالة السموم من جسم المريض والتخفيف من آلام الانسحاب أو الانقطاع المزعجة، وتقييم وضعه الصحي والاستعانة بالتخصصات العلاجية الأخرى كافة، وبعد استقرار الحالة مبدئياً، تتم عملية التقييم النفسي والاجتماعي الشامل، ووضع خطة العلاج والتأهيل التي تبدأ بالتقييم النفسي للمريض، وتشخيص نوعية الاضطرابات النفسية والصراعات الداخلية التي يعانيها المريض أو تلك الناتجة عن عدم تكيفه مع نفسه ومع المحيطين به، وقد يخضع المريض لاختبارات نفسية، تكشف بعض المشكلات لديه، ثم يبدأ في جلسات نفسية لمساعدته في التخلص من الضغوط والتفكير والوساوس والتنفيس عن رغباته الكامنة.
كما يقوم الاختصاصي النفسي بعمل جلسات نفسية، وجلسات علاجية جماعية «علاج جمعي»، وأيضاً يتعرف إلى سلوكيات وميول المريض وقدراته، من خلال مراقبته في الأنشطة الاجتماعية والترفيهية التي يمارسها، واستثمارها في الاتجاه الإيجابي، وفق الخطة العلاجية.
ويضيف الدكتور العربي: “الفريق العلاجي يؤهل المريض تأهيلاً اجتماعياً ومهنياً، من خلال الأنشطة والفعاليات والندوات والمحاضرات والأنشطة الرياضية والترفيهية والدورات التدريبية، ويتم مساعدة المريض على ممارسة هواياته للتعبير عن رغباته الكامنة، وذلك بغية الوصول إلى التكيف الاجتماعي الذي افتقده، هذا بالإضافة إلى تعليم المريض بعض المهارات والسلوكيات للتعامل مع المجتمع بعد خروجه.
وهناك أيضاً برامج لتنمية وتطوير ميول المريض ومهاراته وهواياته في الفنون الجميلة، كالرسم والموسيقى، وتعليم اللغة الإنجليزية، والحاسب الآلي، وتعويده المطالعة، والتركيز على تثقيفه إزاء أضرار المخدرات والإدمان عليها.

علامات منذرة لانتكاسة المريض

ينصح الفريق العلاجي بالمركز الوطني للتأهيل، في أبوظبي، الأسرة وذوي القربى من مريض الإدمان، خلال تعافيه، أن يراقبوا عن كثب التغيرات البسيطة التي تطرأ عليه في الاتجاه السلبي، والتعاون التام مع الفريق العلاجي لمناقشتها واحتوائها مبكراً حتى لا يجد المريض نفسه قد عاد إلى التعاطي والإدمان من جديد، وهو ما يعرف بالعلامات المنذرة للانتكاسة.
حيث يفترض أن تتعرف الأسرة على صفات وسلوكيات الابن أو الأخ أو الزوج المدمن، وملاحظة التغير المفاجئ في السلوك اليومي المصحوب باللامبالاة، والإكثار من الخروج من المنزل مجدداً من دون مبر أو الفوضى، والإهمال العام، والانقطاع عن العمل، واضطراب الإحساس بقيمة الوقت، وتغير عادات النوم، واستقبال اتصالات مريبة، والعودة إلى اضطراب، وتغير عادات الأكل أو حصول نقص تدريجي في الشهية، واختلاق الأعذار، والعودة إلى الملل والضجر والشكوى من وجود ضيق أو ضغوط ، وأن يتسم سلوكه وردود أفعاله بالانفعالات والعصبية، والغضب من دون مبرر مقبول.
فالمدمن غالباً يميل إلى العزلة والانطواء، ويميل إلى التعاطي في عزلة تامة أو بمشاركة أصدقاء السوء، كما يميل إلى أن يكون وحيداً في البيت، ويحرص على الجلوس في غرفته والابتعاد عن الجو العائلي، ويفسّر هذا السلوك بأسباب عدة منها: خوفه من انكشاف أمره، و رغبته في الاستغراق في النشوة الزائفة، وأن تكون لديه الحرية في تكرار الجرعة عندما يريد.
إن مثل هذه التغيرات أو الأعراض السلوكية، ما هي إلا مؤشرات وعلامات منذرة، وليست قطعية، بل هي أعراضٍ محتمِلةٍ، وعندما يتعافى لفترة ما، يعود وتظهر عليه بعض من هذه الأعراض أو التغيرات، على الأسرة اللجوء إلى الفريق العلاجي للتعاون من أجل تدارك الموقف في الوقت المناسب.