صحيفة الاتحاد

رأي الناس

اللغة والقانون

قليلة هي الدراسات العربية الثرية الماتعة العابرة بين ضفتي اللغة والقانون تشريعاً وقضاء، ونادرون هم الباحثون المبدعون الذين يشيدون جسوراً بين علم اللغة القانوني، أو ما يطلق عليه علم القانون اللغوي، وبين روافد أخرى في أصول الفقه والتشريع، وصولاً لرسم لوحة جمالية لمفهوم النقاء والارتقاء والتميز اللغوي وتماسك النص القانوني.
وحتى لا نجحد قائماً، ولا ننكر واقعاً، فالمكتبات زاخرة بالإصدارات في مجالات اللغة والقانون، ولكن تكمن الندرة في الدراسات التطبيقية التي تبحث وتنقب وتقارن وتقارب بين عوالم اللغة وعوالم النص القانوني لتعود إلينا بسفر يجعلك تمسك بتلابيب صفحاته حتى منتهاها لعمق الربط ودقة التحليل واستحضار الأدلة واستدعاء الأصول، واستجلاء المصادر والروابط في العلوم الأخرى. هنا تعلم يقيناً أن المنتج العلمي الذي بين يديك منتج استثنائي، شكلاً ونهجاً وموضوعاً وأثراً. شعور يتملكك بعودة الابن الغائب حين تخوض بروية عبر صفحات كتاب «لغة القانون في ضوء علم لغة النص دراسة في التماسك النصي» للدكتور سعيد بيومي، وبرغم صفحاته التي تجاوزت 500 صفحة، إلا أنك لا تمل وأنت تتصفح أبوابه السبعة بين معايير النص القانوني والعلاقات السياقية له والتماسك المعجمي والنحوي، انتهاء بالبنية التنظيمية والتفاسير والدلالات التي تحكم التعامل مع النص القانوني.
سواء كنت في مقاعد أهل اللغة المشتغلين بالترجمة والإعلام والتحرير وتوليد وإدارة المحتوى، أو كنت من سدنة العدالة من قضاة أو محكمين أو مستشارين ومحامين، فالجميع متفقون على قاسم يجمعهم: التماسك النصي هو نتاج جهد ومثابرة، ومن يتجنب مشاق البحث والتأصيل اللغوي والقانوني قبل أن يمضي في مسيرته المهنية سيبقي دوماً في تيه الحائرين لأن أدواته ولبنات فكره غير مكتملة، ومن لم يعرف الأصول والفروع والغصون طال به الانتظار قبل أن يحمل لواء أهل الإتقان وصناع بلاغة التحرير ودقة التعبير ووضوح المعاني والمباني والمقاصد والتماسك النصي القانوني الرصين.
كل الامتنان لأهل اللغة والقانون الذين تعهدوا غرساً فريداً حتى بات نبتاً ثرياً للقاصدين في دروب أصول ومعايير وجماليات التماسك النصي القانوني.