الملحق الثقافي

الذّهب البليغ

نماذج من الحلي التقليدية في الإمارات (من المصدر)

نماذج من الحلي التقليدية في الإمارات (من المصدر)

هناك تشابه كبير بين الصيغة الجمالية للحلي، والصيغة الجمالية المعيارية للأسلوب، كلاهما ينشد الجمال والبريق والتألق، واستوقفتني الحلي في بحث نشرته مؤخرًا بعنوان (نموذج الجمال في شعر عمر بن أبي ربيعة - دراسة أسلوبية)، وتعرفت من خلال تتبعي للموضوع على الحلي التي كانت تتزين بها المرأة آنذاك، وإذ بي أجد أن مقاييس الجمال لديهم لا تختلف كثيرًا عن الحقب اللاحقة إلى عصرنا هذا، سواء على مستوى المعجم الشعري أم على مستوى الأنساق التركيبية والتصوير الفني الذي يتشكل منه نسيج النص الإبداعي. فالشاعر يمتح من منابع النشأة التي عاشت المرأة المترفة في أجوائها في نعمة ودلال وثراء، لأن تلك الحلي تخص المترفات من النساء.
إذن ثقافة الحلي لم تتغير منذ غابر الأزمان في كونها ذات وهج براق خاص بالبيوتات النبيلة. فمن أبرز أنواع الحلي التي أشار إليها عمر في ديوانه: الذهب/‏ العقيق/‏ الديباج/‏ الزبرجد/‏ الياقوت/‏ القلائد/‏ العقود/‏ الخلخال/‏ الجمان/‏ المرجان... إلخ. ولا أظن أن مثل هذه الأسماء قد اختلفت عن المعاجم في العصور التالية اللهم إلا بعض الحلي والجواهر الجديدة.
ولكي نلم بدائرة الخطاب الجمالية وتأصيله عبر الأزمان التاريخية لابد أن نضع في اعتبارنا زمنية ذاك التأصيل الذي سوف يتماهى مع معطيات تلك الممارسة الإبداعية، ومن هنا نستطيع إغلاق تلك الدائرة ولكن لفترة محدودة.
إننا نتساءل: هل أفانين الحلي تشبه أفانين القول؟ أقول ودون شطط إنهما يتشابهان فعلاً. إذن لا بد مع موضوع الحلي من تجاوز النمطية والرتابة، وتطوير الآليات التي نمتلكها للوصول إلى ذاك الكشاف المعجمي الخاص بالمنتج الجمالي لكي يتفاعل مع جميع الفضاءات للوصول إلى عمق تلك الصنعة النادرة.
إن حركة الحياة وتجديدها المستمر يجعلنا نعشق ونقدس أبجدية الجمال بكل المقاييس المتاحة. والخطاب الجمالي يكاد يتوازى مع الخطاب النقدي، فكلاهما يصنع الجمال، ويؤسس لفلسفة ذات سمت عريق، له قيمة حضارية محاطة بثوابت نسقية متداخلة عبر منظومة متمسكة بهوية الذات على مدار العصور والحقب الزمنية المتلاحقة. وتفحص الجمال مع أي منتج فني يتطلب منا مهارات قرائية لها أبعاد ذوقية تستوعب كل هذه الفروق، دون وضعها في قوالب أو مرتكزات ثابتة لا تتغير.
فهل يا ترى! نستطيع أن نتعرف إلى الشخص وإلى طبيعية المجتمع الذي يعيش فيه من خلال تلك الحلي؟ خاصة وإن تلك الجواهر تستوحي بصماتها من التراث الذي تعيش فيه؟!
هل عبرت تلك الحلي عن هوية صاحبها بدقة قادرة على إعطاء الأنموذج المثالي الخاص به؟
إن صيرورة ذاك التفاعل ينتج عنه جدلية القدرات الابتكارية عبر أيدلوجيات فنية متغيرة ومتجددة لإثبات قيمته النفعية والتداولية والوظيفية لتطبيق المنهج البراجماتي لنجاح الأداء المطلوب، بحيث يتفاعل مع مقتضيات الفن فيما يخص الزمان والمكان، ويتماهى ضمن معطيات تؤسس لقاموس الجمال. فالإبداع يعني السمو الذوقي، والاعتلاء بالفكر دون الخنوع للجدل الأجوف، لأن الاستفسارات التي ذكرناها قبل قليل كلها واردة، فالمواقف، وإن تكررت مع جميع النساء، وفي جميع الأزمنة إلا أنها تسير في خط عرضي تتشابه حينًا وتختلف أحيانًا طبقًا للهوية ولمحاور أخرى كثيرة، وربما يكون شبه الثابت هي المركزية الذاتية لدى جميع النساء في عالم محسوس يجسد انفعالاتهن من خلال تلك الجواهر التي تقتنيها طبقًا لثقافة العصر ولتفاعل جمهور المتلقين وتوجهاتهم الجمالية.. وخلق قطع جمالية من الحلي ومن الكلام أمر ليس يسيرًا على الإطلاق، فصوغ الحلي يتطلب مهارة فنية كإنشاء عملية كلامية عالية القيمة من حيث التراكيب والصور.
ويحضرني في هذا المجال مثل يقال في المجوهرات (زينة وخزينة) والمعنى واضح فهو للزينة وممكن استثماره في وقت الحاجة. ولعل القيمة الدلالية لأجمل الهدايا تكون طقمًا جميلاً من الحلي مثلاً.
وللخليج صولات وجولات في الرقي بالتصاميم وتزيينها بالأحجار والألماس والياقوت والزمرد وسواه لتبدو في أجمل صورة، وهناك علاقة حميمية لا تنقطع بين عبق الكلام إذا ما تمازج بين الأصالة والحداثة وبين جمال الجواهر إذا ما تراوحت بين هذه وتلك.
ولا شك في أن الحلي فعلاً نافذة على العالم، وترجمان يجسد مفاهيم عدة لها علاقة وطيده بالمستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويعبر عن العادات والتقاليد السائدة في كل مجتمع، وهذا له علاقة بالغايات العقائدية أيضاً فضلاً عن المكانة الاجتماعية المرموقة لمقتنيها.
وأخيرًا لنا أن نقول إن مشغولات الحلي الخليجية لها أبعاد وغايات في الرقي والحضارة لأنها تدخل في مضامين الانتماء والهوية، وتشبه تلك اللغة الكلامية المشتركة ذات الرموز المتشابكة والدلالات الثقافية والرمزية رفيعة المستوى وترمز إلى ثقافة شعبية خليجية معتد بها على جميع المستويات.
واستنطاق الإرث الجمالي بأشكاله المتعددة يقدم لنا صياغة قادرة على الاندماج والتماهي عبر جميع الأنساق الإبداعية ذات الأبعاد الحضارية منذ القدم.
وسوف تكشف لنا هذه القرابة بين الحلي للزينة والإبداع الكلامي والجمالي عن شفافية الحس الذوقي خاصة فيما يتعلق بالثقافة التي تتناسب مع الطبيعة الأنثوية.