الملحق الثقافي

كالحب.. كالحياة (1)

1
مثل بركان ينفجرُ من أعماق سحيقة، حاملاً آثاراً تتراصُّ فيها وتتوحّدُ طبقاتٌ من الثقافة الأوروبية: شعراً، نثراً، فلسفة، منذ العهد اليوناني، متموّجةً بترانيم وتراتيلَ مسيحية (كاثوليكية رومية)، مع تمرداتٍ عليها تظهر في النصوص حيناً بعد حين. بهذا يمكن لي أن أوجزَ الصورةَ التي أرى من خلالها شعر ميشيل دوغي، أحد أهمّ الشعراء الفرنسيين لمرحلة ما بعد الحركة السوريالية.

2
ميشيل دوغي باريسي معاصر (حسب نظرية الشاعر المفتوحة إلى المعاصرة)، من مواليد عام 1930. ابن عائلة برجوازية، متديّنة، تحترم الطقوس والشعائر في البيت كما في الكنيسة. أما تعليمه فقد تلقاه في المدرسة العمومية، اللائكية. حرص في تكوينه الشعري والثقافي على التجذر في الثقافة الأوروبية والتمسك بها. يُديم الرحيل، في كتاباته، بين أزمنة هذه الثقافة وأرْوقتها. وفي ظلالها تمتد أعماله وتتشعّب. فهو ينطلق من مبدإ استمرارية الماضي في الحاضر، لا من رفضه أو «محو آثاره»، كما يقول بريخت مثلاً. «لا نقاشَ في محو الآثار. يكتب ميشيل دوغي، ولستُ أنا الذي يخترعها: فالفترة الزمنية تلفّ، تُعيدُ تدْوير جميع البقايا. يجبُ تحويل كلِّ شيءٍ إلى آثار، وهو ما نعيشه في كل لحظة».
يعتبر ميشيل دوغي نفسه مُخْفقاً، تبعاً لما كتبه ستيفان ملارمي هو الآخر: «مُخْفقون، نحن كذلك جميعاً»، فهو أخفق في مباراة الالتحاق بالمدرسة الوطنية للإدارة، فيما كان جميع رفقائه متأكداً من نجاحه. ويعطي هذا الإخفاق بُعداً وجودياً. كما أنه لم يكن، على مستوى الالتزام السياسي، مثقفاً منخرطاً في قضايا زمنه، مثل حرب الجزائر، أو منتمياً إلى الحزب الشيوعي، على غرار عامة المثقفين الفرنسيين، منذ العشرينيات حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. كان إلى حد ما سارترياً، وقريباً من فلسفة مارلو بونتي. ثم كان بين 1953 و 1954 يميل، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، إلى مانديس فرانس «الدوغولي اليساري». لكنه شارك في مظاهرات 1968، وعندما طُلب منه أن يلتحق بجامعة فانسين، معقل الحركات اليسارية، وافق على التدريس فيها، رغم أنه لم يكن من المنتسبين إلى حركة 68. على أنه، كما يصف نفسه، لم يكن رجعياً على الإطلاق.

3
إذنْ، هو شاعر خارج التصنيف اليساري لزمنه. نشر ديوانه الأول ثقوبُ رمْي السهام سنة 1959، وفي السنة الموالية توفّق في نشر ديوانه الثاني في دار غاليمار، أعرق دور النشر الفرنسية. ثم أصبح أحد أعضاء لجنة القراءة فيها، حتى جاءت لحظة طرده من اللجنة والقطيعة معها، كما تناول الموضوع في كتاب اللجنة، الصادر عن دار شان فالون، سنة 1988. هي قطيعة في سياق حياة مشحُونة بالصراعات الثقافية. لا ينتهي صراع حتى يتأجج صراعٌ جديد. حياة ذاق خلالها مرارة أساليب الحقد وخيانات الأصدقاء، مثلما ذاق مرارة الإخفاق. إخفاق بعد إخفاق. ولا يتراجع الشاعر عن تحمّل مسؤولية ما يقع له قائلاً: «لا آخذ مكانَ ولا وضعيةَ متابَع أمام القضاء، يدافع عن نفسه باعترافات، ولا مكانَ المحامي، أو الشاهد. بل مكان القاضي، الحكيم، العارف بخبايا الأمور». لكن الإخفاقات تخلق في أعماقه قوة متجددة، ومن حفرته ينتفض، يمشي، يواصل المشْي، في الشعر، في الكتابة، في الصراع وفي الحياة.

4
لميشيل دوغى سلسلةٌ من دواوين ودراسات عن الشعرية، تجمع بين الشعر والفكر الفلسفي. ولديه أيضاً كتاباتٌ تؤكد على «الشغف بالتفكير» في الحياة والثقافة على السواء، وترجمات من الألمانية أولاً، ثم من الإنجليزية (الأميركية). نشر ما يقرب من خمسين كتاباً. وهي، في تنوعها واتساع حقولها بين الشعر والنثر والفكر والترجمة، تتمنّعُ على الاختزال.
أعمال تمتد رؤوسها نحو اتجاهات مختلفة. لا فرق بين قارئ مختص، دارس، وقارئ مُحب للشعر. فهي تعود من دون توقف إلى طرح العلاقة بين الشعر والفلسفة، أو بين بين الشعر والفنون المختلفة، أو بين الشعر والبيئة، أو بين الشعر والحياة. أعمال تعْبر الحداثة. والعُبور يتم من خلال «الشغف بالتفكير»، الذي يتجسّد في النص المفرد، مثلما يتجسّد في الكتاب، في النصوص المتعددة الأشكال، مجتمعة في كتاب واحد، كما هو الأمر، مثلاً، في الكتابين قبر دوبيللي والحياة المباغتة. في الكتاب الواحد تلتقي القصائد والتأملات والتنظيرات. تتوالى أو تتقاطع. ما المانع؟ ليس هذا سؤال الشاعر المعاصر ولا سؤال الحداثة.
لا أعرف شاعراً فرنسياً، حديثاً أو قديماً، جمع بين الشعر والفلسفة على نحو ما جمعهما ميشيل دوغي. سقراط، أرسطو، باسكال، ديكارت، هيجل، نيتشه، هيدغر، حنا آرندت. أسماء فلاسفة تدور مع مختلف أصناف كتابات ميشيل دوغي دورتها الفلكية. تمضي لترجع، في عبارات، تعريفات، نظريات. هي نصفُ وجْه كتابته. وهناك، في المقابل، شعراءُ همْ في الوقت نفسه بمثابة آباء الشاعر وأصدقائه. هوميروس، لوكريس، دانتي، دوبيللي، شكسبير، هلدرلين، بودلير، رامبو، ملارمي، فاليري. فلاسفة وشعراء أروبيون جميعاً.

5
شأن الشعراء، الواقفين على الحدود، واحدٌ، مهما كانت لغتهم وكان زمانهم، ما عدا المتصوفة الشعراء وشعراء الزن والبوذية. شأن هؤلاء الواقفين على الحدود هو نفسه شأن ميشيل دوغي، الذي دعا نقاداً فرنسيين إلى رفضه باعتباره شاعراً، وإلى رفض قصيدته باعتبارها شعراً. مع العمل الأعمال، نحن أمام شاعر بأكثر من جناح. يكتب قصيدة ديواناً تلو القصيدة الديوان. لن أسقط في شرَك الجدل. ميشيل دوغي شاعر استثنائي، أو هو «شاعر قادم» حسب تعبيره، أو «الشاعر الذي أريد أن أكون»، كما يفضل أحياناً أن يقول.




عتَبة
في المَساء عندما أدخلُ إلى غَابة نوْمي، ونظّاراتٌ من الظلّ فوقَ العيْنيْن المثْقلتيْنِ، مُنحّياً أشجاراً من الأضواءِ، عبْر مسالكَ مُعتمةٍ تُؤدّي إلى منْبع الدمُوعِ، تتقدّمني حُزْمةُ اللّيْل. ما يثْبتُ منَ النهار يتوجّهُ نحْو العيْنيْن الجامدتيْنِ.
ليلٌ كثيرُ الطَّرائدِ، أليْسَ هذا تقييداً ليدَيِ القصيدة؟ وبودّي «لوْ أحبُّكِ» تُصبحُ «أُحبُّكِ»...
لكنْ عليْكَ بالأحْرَى أنْ تسْهرَ! لأن الأرضَ هي الطللُ الأكبرُ.
لا تُنقّبْ عن الأصْل الذي تحْتفظُ به، أوْ عن أثرٍ عظيمٍ يتحجّرُ فيه الغيابُ. يبوحُ الأملُ بأنّ بلداً ينتظرُكَ، فيه حبُّكَ للكتابةِ شهادةُ ميلادْ.

الرّيح
ريحٌ تهبُّ على القرْيةِ ! خشبُ البيوتِ يرْتجُّ، والماءُ المتجمّدُ فوق الزجاج يتفرْقعُ بفعلِ خُطواته القويةِ. كلُّ شيْءٍ قابلٌ لأنْ يكونَ مادّةَ خُرافةٍ، ويكونَ بالنسبة لي قليلاً منَ القصَائدِ. أمامَ العيْنيْن الجاحظتيْنِ يدور الشريطُ الوثائقي.
كيْفَ تكونُ في هذا العالم الجديدْ؟
شجرةٌ ورأسٌ ودمٌ وريحٌ وثُقبٌ وتجاعيدُ ووشْوشاتٌ، والأذنُ تقْرعُ تحتَ ريح الدّم. رأساً لرأسٍ يضجّانِ، حفيفٌ، شجرتانِ تائهتانِ في لطخاتٍ منْ فراغٍ، مُسْتودعاتُ العظام الضّخْمةُ في المدَارات الألْفِ. عصْفُ الريح يحركُ شبَاك صُور الأشْجار فوق الصّخُور.
عصْفُ الريحِ... يوقدُ كلاماً...
هناك الريحُ !
ريحٌ تُغري الجذْرَ، وهي تكْتشفُ الفضاءَ من غيْر تبصُّرٍ !
ترفعُ الأذنيْنِ وهي تعْبُرُ
شجرةٌ تغرسُ في الترابِ ذهُولي وتمْضي هاجمةً على محْور اللّيْلْ

الخَائن
رياحٌ إقطاعيةٌ ضخمةٌ تُطاردُ الأرضَ
مُطاردةٌ خالصةٌ. تُميل الرياحُ القمحَ، تُغيّرُ مجْرَى الأنهارِ، تُطيّرُ التِّبنَ وتنزعُ ألواحَ الأرْدوازِ، رياحٌ سيِّدةٌ، ومجموعُ الناس ينْصبُ لها الفخاخَ من الحُور الرجْراجِ، يرفعُ أوتاداً من السّرْوِ، ويضعُ شبَاكاً من البامبُو في عرْض مسَالكها، ويعْترضُها بالنواعيرِ الهوائيّةِ.
الشاعرُ هو الخائنُ الذي يغذّي ريحَ الجنوبِ العاصفةَ (2)، يضبطُ إيقاعَها ويشدّها إلى قُدراتهِ الإبداعيةِ، يدلّها على مَسالك الأطرافِ والممرّاتِ الجبليّة.

شجرةُ التفّاح
انتظرتُ، كعاشق للحُقول يتواعدُ تحتَ شجَرةِ التفّاح الصَّلبةِ، وفي العشْب الذي يصْفرُّ ينتظرُ طيلةَ ما بعد الظُّهْر أسفلَ أطنانٍ من السُّحب. لا تأتي العشيقةُ.
ما هو تافهٌ، يمكن تطويقُه حافةُ الأرْساغ الملتويةِ تضفرُ عيوناً بدوائرَ عديدةٍ، حلزونٌ منْ نعيقٍ يهْجمُ، حلَقةُ أصْواتٍ، ألَمي ألَمي، سمُوٌّ ينادي، وهْو يُلْقي على الأرْض هنا المنْهوكَ المتأوّهَ، لهذا النداءِ، عوليسُ ريفيٌّ (يصْطادُ الدجاجَ المرْعوبَ) ذو عيْنيْن لحِيمتيْن، وجهٌ مُعرّضٌ للريحِ، مغْشيٌّ عليْه لا يتوقفُ عن «أين أنَا؟»، ذاكرةُ هبَة الأشْياءِ الحذرةِ تتلمّسُ طريقهَا فوق طبقةٍ رقيقةٍ لجليدِ العالمِ.
تحتَ شجَرةِ تُفاحٍ فاتنةٍ، يتمدّدُ الشاعرُ لكن يثرثرُ بمُبالغةٍ تمنعُ كتابةَ قصيدةٍ (مع ذلك يتسلّق التيارُ العنيفُ أغصاناً خفيضةً، بحثاً عن عُشٍّ في مأْمن أخضرَ) هل قسْمتُنا ألاّ يخْطرَ على بالنَا بعدُ سوَى صراعَاتِ البشَرْ؟

المرْآة
مدينةٌ خفيةٌ لوْلاَ نهْرٌ
أظهرهَا لنفْسهَا
تسْحبُ قسمةً منَ الماءِ
وتجْلسُ في بيتها على مُنحدَر النهْرِ
جهةٌ تنظرُ إلى الأخرَى تتفاعَلانِ تلْتقيانِ
تنعكسُ الضفّةُ في الأخرَى
وكلُّ واحدة منهما هيَ نفْسُها في النهْرِ
وهو يُقسّمُها إلى قسْميْنِ هكذا يُضاعفُها
ويُمكّنُها من أنْ تتعرّفَ على نفْسها

أنتِ
قريبةً مني، هناكَ، غالباً ما تقفينَ، حيث لا أريدُ أنْ أكونَ.
بسَبب الخوْف لا تُوجَدينَ في العالم، وأنا باللاّمبالاة والجُرأةِ.
اتْركيني ! أُجمّعُ نفسي في الهُروبِ، أجدُ مكاني في الحادثة، وأكْرهُ الخطأَ الشنيعَ المتبادلَ.
القلبُ في الليلِ كأعرجَ القلبُ يريدُ أنْ يتيهَ وحدهُ.
شبحٌ أساسيّ.

الشّاعر
لا يُنصتُ ولا حُلمَ لهُ، يختلفُ قليلاً عن الرَّاعي الأقْدم، ها هيَ النفْسُ ذاتَ يوم أيضاً ربّما ورغْماً عنه تنهارُ، تثقبُ صممَه، تُحرّضُ على الوشْوشة على الأبْعد فيهِ. وها هُو بعْد ملايينَ من الدوَرات يصيبهُ الحظُّ، إنساناً صلباً مثل كُريّةِ حزّاز أوْ مثل جُبْنة، مع ذلك الكلامُ في القلْب يجْعلهُ ينْفطرُ. ينْجحُ التطعيمُ في قلْبه والآن بمجمُوعةٍ منَ القصائد يشبهُ أيّلاً في عامه السَّابع كما ترْويه الخرافةُ التي كان يسْخرُ منها. يحْفرُ الألمُ نافذةً من جهة الصُّدغيْن. عارضةٌ من الدّم تجفّف قرْنية العيْنِ الكثيفةِ. والموْتى الذين كانوا يتيهُون يجْعلون في الشّاعر مدْفنَهم.

نهايةُ المسَاء
قريباً من أنابُّوليس
ما يبْقَى منَ السفَر، هو القصْدُ الذي من أجله، ولوْ بحذَرٍ، تمّ السفرُ، مُشْرفاً على كوارثهِ، وما كان سيُضيّعهُ على طريقِ العوْدةِ، حتّى عودةِ ما لم يكنْ مَقْصياً بلْ ضائعاً، لا في أيِّ لا وعْيٍ ولا بأيّ مصْلحةٍ في الضَّياعِ، وما سيكُون، عند الرجوعِ، بالتالي، منْ أجل انتظار لاَ شيْءٍ، هديةً، ما يبقَى من السفَر هو الذكْرَى، لكن ذكْرَى ماذا، ذكرَى ودَاعةِ الأزمةِ، أو بالْتباسٍ أكبرَ ذكْرَى هبَةٍ تصْنعها الواحدةُ بالأخرى، الأزمةُ والودَاعةُ، الحافَةُ والقهْقرَى.
عندَما كانَ في ما بعْدَ الظهيرةِ يبحثُ عنْ نهايته في أنابُّوليسْ، كانت السّماءُ تُقلّصُ مساحةَ الضَّوءِ، وكانَ ثمة معَ الشروع في العوْدة إتقانُ نهاية العَمل الذي لهذا المُضافِ: نهايةُ النهايةِ، الذي يُوحي بهِ ولكنّ نهايةَ أنابُّوليس لم تكن بعدُ في مُتناول اليد: منْ خليجٍ للخليجِ، منْ حلَقةٍ فيها يُزرَّرُ الخليجُ بضواحيه الموْصُولةِ حيثُ عالمُ السفرِ وضعَ نهايةً، كانَ لا يزالُ بإمكانها ألاَّ تحْدُثَ.
كان ما بعْدَ الظهيرةِ يكادُ ينْتهي من أنابُّوليس على جوانبَ فيها المنعَرجُ يبحث عن انْعطافه، يُحاذي الخليجَ مع م. و. س (3). كان التَّيهَانُ يخترعُ ضاحيةً حتى لا مجالَ للذّهابِ أبعدَ، يخترعُ نقطةَ انْعطافِ السّفرِ الذي يتساوَى في الأخير مع غيرهِ. في الأخير عثرْنا على طريق بدُون منْفذٍ، في الأخير ضعْنا بالصُّدْفة شيئاً فشيئاً عبْر مسْلكِ طريقٍ مُطنبٍ، كان يعلنُ في نهايته عن ساحةٍ هنا أوْ في مكانٍ آخرَ يؤدّيان إلى النتيجة ذاتها، هيَ أن تكونَ هنا، أن تكونَ حقّاً هنا، وهكذا في الاستراحة من دون مقارنةٍ«، فقال بطرسُ ليسوعَ:»يا سيدُ، ما أجملَ أن نكونَ هُنا: فإنْ شئتَ، نصبْتُ هنا ثلاثَ مظالَّ...«. وبينما هو يتكلم ظللتهُمْ سحابةٌ مضيئةُ (4)».
كان بإمكاننا أنْ نبقَى أوْ ألاَّ نبْقَى، فمُصادَفةُ الأضْدادِ بنتْ عُشّاً حيث الأجسادُ فوقَ ظلالها تنامُ في العشْبِ الطويل والمُنهَكِ، فيما بعْد الظهيرةِ يجْلدُ السماءَ. كانَ البحْرُ الممنوحُ، عبْر بايْ بريدْج، يهَبُ الأفقَ، وعبْر سُفن الشحْنِ التي تتقاطعُ، يهَبُ البحْرَ الذي كان هناكَ يمرُّ، كانَ يُنهكُ لسانَ اللاّند هذه، في النهاية، في الأقاصي، في اللطفِ، في اللامبالاةِ بالطريق بلا مَنْفذٍ، في المقطعِ الشعريِّ لعوْدتنا «قومُوا، لا تخافُوا (5)».
صورةٌ تشهدُ على ذلكَ، لكنْ هلْ هي قادرةٌ على أنْ تُظهرَ ما تكتبهُ القصيدةُ؟ ومن أجل استقْصاءِ ما تتكهّنُ به «صورةٌ تذكْاريةٌ»، إنْ كان حقّاً أنّ المنسيَّ الذي يعودُ هو الحقيقيُّ ليس إلى حدّ قطْعتيْنِ من الوقتِ منزوعتيْن من التتابع الذي صورتُه الشعريةُ (مائل) تلائمُ بالتفْضية موْقعاً مع ذاته فإنّه لمنَ الحاجَة أن نُنزلَ مرةً أخرى إلى الأرض كلماتِ المُعجَم الموْسُوعي، «دعامةُ الصّاري» أو «السُّعادَى» (6). كذلكَ كان الناسُ يسْهرُونَ في الجَرْباوَات الحَكيماتِ وكلامُهم يسمعُ الرّيح.
ما يُعطي مُحتوًى لضيافَةٍ منْ طبيعةِ القصيدةِ، لنقلْ إنهُ التقارُب. الصورةُ هي الكسلُ الذي يستقبلُ الأشياءَ بأسْمائها في المُتقارَب، الأشياءَ التي يتركها نظامُنا العروضيُّ متباعدةً كابتعاد حقل الرُّزّ عن النقرة (7)، لكنَّ تقاربَها المُتجانسَ صوْتياً هو أبسطُ مظاهر الحظِّ لقوْل شيْءٍ. وَما يجعلُ الترجمةَ ممكنةً ليس الآلةَ ولا الكفاءةَ، التي عطالتُها هي الصورةُ الصامتة. فالقصيدةُ تتعلقُ بما يتماسكُ في القصيدَةِ وما يتعلقُ بالقصيدَة.

حكايَة
ذاتَ مساءٍ عندمَا كنّا وضعْنا حزَاماً واحداً
كُنتِ تهْمسينَ لي بحكايةٍ في أذْني عنِ الثلجِ
وكنتُ أقول لنفْسي إنني متأثّرٌ
وكنا قد تخطّيْنا عدةَ مسافاتٍ كبيرةٍ
منْ أقواسٍ للْغيابِ أكْبرَ منْ أقواسِ أفينْيون (8)
ثم عُدْنا إلى أنفُسنا عبْرَ مَعابر ماؤُها يَفيضْ

حافَاتٌ
لكنْ أيُّ مجهودٍ، أيُّ سرٍّ، أيُّ سُرعةٍ في الظلِّ والعتمةِ الأقربِ إلى الساقيْنِ، أيُّ خياناتٍ، أيُّ ثقةٍ في رحْمةِ المُحرَّمِ، أيُّ سِلاَلٍ يدويةٍ، أيُّ جَسارةٍ، أيُّ إفْشاءٍ بهْلوانيٍّ للأسْرارِ، أيُّ يأسٍ في أنْ تعْرفَ أيَّ ذوْقٍ لهذا الذوْقِ، أنْ تبْتهجَ باللذةِ وأننا كُنّا أقْنعناها بالغِواياتِ، بالغبْطةِ، كيْ تدخُلَ في المقارنةِ.
كلُّ شيْءٍ مُظلمٌ، معَ ذلكَ رقْصٌ، رقْصٌ، رقصٌ وإيقاعٌ: لا يقْدرونَ على كتْمانِ الفرحِ. قسطُ الألمِ، الذي لا يفْهمُه الأحياءُ، يأتي من هذه الحافَةِ على ضفاف الخارجِ، منْ ظهْرِ السفْحِ هذا الذي يسقطُ فيه عُميانُ بروغل (9)، دفعةً واحدةً هنا وخارجَ هنا، في الوقتِ ذاتِه للسُّرورِ، للسّكْرةِ، للفجْرِ الجنوبيِّ الذي ينفجرُ بينَ عمارتيْنِ.
«كلُّ شيْءٍ في الخَارجِ رياحٌ
حركةٌ تجْلبُ السَّعادة»

شكْل
«يا ليْتَ عارضَتي تتفجّرُ! يا ليتَني أذهَبُ إلَى البَحرْ! (10)»
هي قصيدةٌ تقولُ لنا ذلكَ، قصيدةٌ تتناولُ منْ جديد خطاطةَ الإبْحارِ الشعريِّ، مديحِ الملاّح، هشَاشةِ الزوْرقِ الصّغيرِ القَصيدةِ. لكنّ السَّفينةَ، كيْ تكونَ سكرانةً، عليْها أنْ تظلَّ متميّزةً عن المادّة التي تواجهُها، تقْطعُها، تخْترعُها: تظلَّ مضْمومةً لتُواجهَ حسَب قانُونها مسَاراً في الغريبِ. وبالنّظر إلى الحَالة الرّامْبويّة التي لا تحطّمُ فيها الرغبةُ في التَّشظَّي قفصَ القصيدة، تظلُّ هذه القصيدةُ موصولةَ الأطرافِ في شكْلِ صفائحَ واضحةِ التَّوازي، متساويةٍ معَ الأبياتِ الرباعيةِ ذاتِ الإثنيْ عشرَ مقطعاً...

مُمدَّدُون
لا أتوقّفُ عن إضَاعتكِ على بُعدِ هذه الغُرفةِ في الفُندقِ
حيث عاريةً ومُلتفِتةً صرخْتِ في وجْهيَ اذْهَبْ
لمْ أعدْ أتذكّر خصامَنا، خطَئي
لكنْ أتذكّرُ ورقَ الحائطِ، ظهرَكِ المُنحني،
لوحةَ طبَقِ الفواكهِ التي تجْمعُ بينَ النّهار والخزانةِ،
واعتقادي غيرَ المؤْلم وأنا واقفٌ بأنّني سأراكِ منْ جديدْ

الشمسُ في طنجَة
البارحةَ عنْد زاويةِ نهايةِ أرضِ طنجةَ هناك حيثُ تفترقُ القارّتان، مَضِيقٌ شاسعٌ فيه يتلاقى بحرُ عوليسَ بالمُحيط العظيمِ، ونحنُ ننظرُ إلى الشمسِ تميلُ، تحمرُّ، تغرقُ.
في اللّيلِ ومُنتصفِ النوْمِ المفكِّرِ، أنا (لكي أختزلَ من ضمير المتكلم الفكرةَ الحالمةَ والمتكلمةَ، السفرَ النفسيَّ الليليَّ، المحرِّرَ للإبْحَار، الكونيِّ، الذي يُسميه دوستويفسكي «المثيرَ للسُّخرية»)، أنا، إذنْ، فكرتُ في الشمْس. في «النّظامِ الشّمسيِّ» المخدِّر والمختلِّ الذي فيهِ الكائناتُ الأرضيةُ، من عهُود إلى عهُود، ساخنةٌ، جليديةٌ، نعسانةٌ، بالغةُ الصفاءِ، عليها أنْ تعيشَ وتوجدَ.
نسيانُ الوجود، هو نسيانُ الشمْسِ. ما الذي هوَ بالفعْل أوْضحُ من هذا: نحنُ ننْسى الشمسَ. أحياناً، شروقَ الشمس كما يصوّرهُ رسّامٌ لأجل مُراقب سَفينتنا الذي يستريحُ، أو من أجل حلْيةِ السُّهوب الذهبيةِ أوْ جبالِ الأنْديز (11)، أو مُضاعَفاً في فن صبَاغة فانْ غُوغْ، أو في أساطيرَ قديمة العهد نقسّمُها مقطعٌ لأبّولون، نبرةٌ لراسينْ أو فاليري، «شمسٌ مقدّسة» (12) أو «خطأٌ مفضُوح» (13)، أو في درْس فرنسيسْ بّونْج، للحظة تُسلّمُنا وديعةً لها منْ جديدٍ. لكن تولّهَ العُطلة (عصرَ التشمُّسِ) يستهلكُ النسيانَ بدلاً من أن يُزيله. ربما كانتْ وحدها الفيزياءُ الفلكيةُ لا تنْسى الشمسَ: العلمُ، تحويلُ الطاقة الشمسيّةِ إلى تيّار كهربائي، يمكنُ أن يوسّع الخيالَ ويندهشَ اندهاشاً لائقاً بالكوكب الأبِ المجنُون لمعنى كهفنا (14).
نحنُ ننسى الوجودَ (15)، عليْنا لكيْ نسْمعهُ أنْ نسمعَ أننا ننْسى الشمْسَ. نحن، لا الواحدَ منّا أو الآخر، منْ كان يفكر فيها ذاتَ مسَاءٍ في طنجة، بل «الناسُ» في تجمّعاتهم الحديثة، في ازدحامِ الأنواعِ، وحشُ البحْر العديدِ من وحُوشِ البحْرِ المُهْلكاتِ التي عيّنتِ الأقمارُ الاصطناعيةُ جُحورَ مُدخِّناتها الضارّة، نحن، في شكل كُتلةٍ معاصرةٍ، خرجنَا منْ دهْشة وجُودنا في الشّمس. لا مكانَ في الأعمال الإنسانية، التقنية، المُبرمجة التي يوقفها الموتُ أحياناً بصمْتِ دقيقتها الرسميةِ للقيامِ بتمْجيدٍ لا فائدةَ فيه للشمْسِ. نحن بدوْرنا لم نعدْ نقدّمُ لها الهبَاتْ.
نعمْ، يمكن أنْ ننْسَى الشّمْس.

شاعر بأكثر من جناح
شأن الشعراء، الواقفين على الحدود، واحدٌ، مهما كانت لغتهم وكان زمانهم، ما عدا المتصوفة الشعراء وشعراء الزن والبوذية. شأن هؤلاء الواقفين على الحدود هو نفسه شأن ميشيل دوغي، الذي دعا نقاداً فرنسيين إلى رفضه باعتباره شاعراً، وإلى رفض قصيدته باعتبارها شعراً. مع العمل ـ الأعمال، نحن أمام شاعر بأكثر من جناح. يكتب قصيدة ـ ديواناً تلو القصيدة ـ الديوان. لن أسقط في شرَك الجدل. ميشيل دوغي شاعر استثنائي، أو هو «شاعر قادم» حسب تعبيره، أو «الشاعر الذي أريد أن أكون»، كما يفضل أحياناً أن يقول.

..................................
إحالات وهوامش:
1- عنوان مختارات شعرية موسعة للشاعر ميشيل دوغي، ترجمها وقدم لها محمد بنيس.
2- ريح الجنوب الغربي في فرنسا.
3- مونيك اسم زوجة الشاعر الأولى وسيلفي اسمُ ابنته.
4- الكتاب المقدس، إنجيل متى، التجلي ومجيءُ إيليا، 17,4، الترجمة العربية المشتركة، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، 1993، ص. 30.
5- م. س.، الصفحة نفسها.
6- جنس نباتات من فصيلة السعدية تكثر في المنابع.
7- صدع يفصل الثلج عن جدران الحفرة التي يوجد فيها. يلعب الشاعر هنا على الجناس الصوتي بين الكلمتين في الفرنسية، وهو ما يترجم.
8- أقواس قنطرة مدينة أفينيون الفرنسية.
9- رسام هولندي (1525 1569).
10 - من قصيدة «المركب السكران» لرامبو.
11- سلسلة جبلية واسعة، ممتدة على طول الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية.
12- الاقتباس من مسرحية «فيدر» للشاعر الفرنسي راسين.
13 - الاقتباس من قصيدة «المقبرة البحرية» للشاعر الفرنسي بول فاليري.
14- الشمس هي أول ما نجد عندما نخرج من كهف أفلاطون.
15- الإشارة هنا إلى الفيلسوف الألماني هيدغر الذي يتحدث عن نسيان الوجود.