الملحق الثقافي

قبطان المفاهيم

الراحل قضى عمره مبحراً في صناعة المفاهيم

الراحل قضى عمره مبحراً في صناعة المفاهيم

مرت في الثالث من يوليو الجاري الذكرى الأولى لرحيل الفيلسوف ومترجم الفلسفة الغربية وأستاذها في الجامعة اللبنانية الدكتور موسى وهبة. هو مفكّر ومترجم رفض أن يفصل بين كتابة الفلسفة وترجمتها، لا بل ذهب إلى حدّ اعتبار ترجمة الفلسفة مدخلاً لا غنى عنه لكتابتها بالعربية، هذا المطمَح الذي كان يدعوه «قول الفلسفة بالعربيّة» أو «التفلسف بالعربيّة». مطمحٌ ظلّ يؤسّس له وينظّر ويكتب فيه طيلة العقود الأخيرة من حياته التي أمضاها في الفعل الفلسفيّ حتّى آخر لحظاتها.

لدى الكثيرين من القرّاء ارتبط اسم الفقيد العزيز بعمل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، وذلك بباعث من ترجمته الرّائدة لكتابه الأساس «نقد العقل المحض». كانت تلك بادرة أولى جسيمة في المسار الفلسفي للدكتور وهبة، أحدثت قَطعاً في ترجمة الفلسفة العربية بفعل الأفق الذي انخرطت فيه هذه الترجمة والانهماكات اللّغوية والفكرية التي شغلتْه فيها سطراً سطراً وعبارةً عبارة.
هذه الطبيعة الإمعانيّة وهذا الانهماك العجيب في الترجمة وصوغ القول الفلسفيّ رافقاه في كلّ محطّات عمله التي تبعت ترجمته الأولى تلك، لاسيّما أشغاله الواسعة على فكر هوسرل وهيوم ونيتشه وهايدغر.

اشتغال مفاهيمي
لم يكن موسى وهبة يستسهل صياغة الجمل، بل حفظ عن قدامى الفلاسفة العرب أهميّة البيان في التعبير الفلسفيّ كتابةً وترجمةً. كان يتعهّد عبارة الفيلسوف الذي يترجم عنه برعاية فنّية ويستولد لها البيان المطلوب حتّى يوصلها إلى مرماها الصحيح، ويُتيح فهمها وتلقّيها من لدن القارئ، سائغةً رغم تعقيدها، ممتعةً على ما فيها من تعرّجات بنيانيّة ولوَينات وفروق تعبيريّة. لكنّ الفريد في تجربته هو أنّه لم يكتفِ بهذه البراعة في إيصال العبارات، بل أضاف إليها عناية فائقة بالمفاهيم («الأفهومات» أو «الأفاهيم» كما كان يسمّيها).
مبكّراً أدرك أنّ ترجمة الفلسفة أو كتابتها لا يمكن أن تستوي وتتأسّس إلّا إذا ما أمعن خائض هذه التجربة في تأمّل عمل المفاهيم وسعى إلى إعطائها مقابلاً عربيّاً يتمتّع بالقدر ذاته من الحيوية والقدرة على الفعل. هذا ما أدركه من قبلُ قُدامى تراجمة الفلسفة العرب وشُرّاح أرسطو من الفارابي إلى ابن سينا وابن رشد، إذ رأوا في المصطلح أو المفهوم عماد التفكير الفلسفيّ وآلته الضرورية، لا بل المُلزِمة. وكم كان مبلغ ارتياح الدكتور وهبة عندما اكتشف بعد سنوات نشاطه الأولى أنّ أحد أكبر فلاسفة فرنسا في القرن العشرين، ولعلّه فيلسوفها الأكبر، جيل دولوز، كان يعتبر ابتكار المفاهيم أو إبداعها أساس عمل الفيلسوف، وهو ما اعتبره موسى وهبة أساس عمل مترجم الفلسفة أيضاً.
وللدلالة على متابعة الدكتور وهبة لفكر جيل دولوز، يمكن أن نذكر، بين مناسبات عديدة، مقالة له في التعريف بكتاب تلميذه الذي صار من بَعدُ أكاديميّاً وزميلاً له، جمال نعيم، المعنون «جيل دولوز وتجديد الفلسفة»، كتب فيها: «إذا كانت الفلسفة إبداعاً للأفاهيم، توجّب تمييز الأفهوم من سواه من الأنشطة القريبة. والأنشطة القريبة في رأي دولوز تتفرّع من أصلٍ واحد هو التفكير...». وفي المقالة ذاتها يؤكّد الدكتور وهبة على أهمية بادرة دولوز المتمثّلة في التشديد «على استقلالية الفلسفة واستمراريّتها»، وهو ما يعني لديه أنّ الفيلسوف الفرنسي قد «قرأ جيّداً، بخلاف مُعظم معاصريه، ما أراده هايدغر من إعلانه نهاية الفلسفة، بمعنى نهاية مرحلة من الانتباه إلى الكائن وتباشير مرحلة من الانتباه إلى المطلب الأصليّ للتفكير والإنصات لنداء الكون».
بيد أنّ تركيز جيل دولوز على أولويّة المفاهيم هذه قد يبدو للقارئ العجول مجرّد شعارٍ لفظيّ أو رغبة في تمييز الفكر الفلسفيّ عن سواه من فنون القول. ولن يُدرك القارئ حقيقة هذا الإعلاء من شأن المفاهيم في الفلسفة والفكر بعامّة إن هو لم يُحِط بالوظيفة التي كان دولوز يُنيطها بالمفهوم، والطبيعة أو الخصيصة التي كان يُعيره إيّاها. إنّ صناعة المفهوم هي في نظر دولوز إبداعٌ حقيقيّ. فلا يبتكر مصطلحاتٍ فاعلة كلُّ من أراد، وليس يمكن إنعاش المفاهيم ومدّها بالحيوية اللّازمة وفرضها على الاستعمال السائر بفعل إلهامٍ محض أو بالبراعة اللغوية لا غير. لا بل ينبثق المفهوم من سياقه الدقيق كأنّما من تلقاء ذاته، يتشرّب بحاجاته ويلخّص ضروراته الفاعلة، فإذا ما وُلد هذا المفهوم كان بمثابة نور غزير وكاشف مسلَّط على هذا كلّه. ولذا – وهذا هو اشتراط دولوز الثاني للمفهوم الصحيح أو الناجع – ينبغي أن يكون المفهوم المبتكَر فعّالاً وذا طبيعة إجرائيّة لا غبار عليها، أي مشحوناً بقدرة تعبيريّة وإفهاميّة لا يطالها الشكّ. هذا لا يعني بالطبع أنّ المفهوم المبتكر يكون مفهوماً وسائغاً منذ أوّل وهلة بالضرورة، لا بل قد لا يكون قابلاً للإدراك البتّة خارج سياقه الدقيق وبعيداً عن ميدان استخدامه الخاصّ.

تمكين القول الفلسفي
على هذا الأساس نفهم أن يقف بعض القرّاء حائرين أمام بعض ابتكارات الدكتور موسى وهبة في ترجماته للفلاسفة أو في نصوصه ذاتها، الساعية إلى تمكين القول الفلسفيّ بالعربية. أكيد أنّنا لا نميل إلى القول إنّ كلّ ما ابتكره من مفاهيم في العربية سائغٌ أو إجرائيّ تماماً (وقد لا تجد هذا لدى كلّ فيلسوف أو مترجم للفلسفة)، لكن يكفي قراءة أغلب ابتكاراته المفهومية في سياق كتاباته وترجماته الدقيق لنرى كيف تتلوّن بالمعنى وتشعّ بالفهم وتصبح مكتنزة ومعبّرة.
ولكي نُدرك أنّ إبداع المفهومات لم يكن يتحقّق عنده في ما يشبه الارتجال أو بتوخّي سحر الألفاظ وحده، يكفي أن نراجع التحوّطات والإلزامات العملية التي كان يحيط بها صناعته للمفهوم. يمكن أن نراجع بهذا الصدد مقالاته العديدة ومقدّماته لأغلب ترجماته الفلسفية، وآخرها ترجمته لكتاب «مباحث منطقية» لإدموند هوسرل في أجزائه الثلاثة، صدرت في منشورات مشروع «كلمة» للترجمة في أبوظبي، 2010. في نظر الدكتور وهبة، ينبغي أن يكون المفهوم الجديد مبنيّاً على أساس سابق في العربيّة، أو على قياس مألوفٍ فيها. وبناء على ذلك يمنح المفكّر-المترجم نفسه حرية التفنّن في نحت المفهوم حتّى يُكسبه مرونةً أو تشكّليّةً كافية. ثمّ إنّ عليه من بَعد أن يمدّه بتعريفاتٍ شافية ويدخله في استعمالٍ لا اصطناع فيه، يضمن له ما يكفي من الحيويّة والفعاليّة.
من بين الأمثلة اللّافتة على المفاهيم التي نحتها موسى وهبة على أساس عربيّ قويم، نذكر «أفهوم» (بدل «المفهوم») و«أمثول»، صاغهما على وزن «أسلوب» و«أُفعول» المعروفين في العربية من قبل، و«العاقلة» و«الفاهمة»، نحتهما على وزن «الذاكرة» و«الحافظة» وسواهما من أسماء المَلَكات بالعربيّة. ومن هذه الابتكارات أو الإبداعات المفهومية أيضاً ترجمته le transcendantal إلى «المُجاوِز» بدل «المتعالي» ودعوته إلى تسمية الفينومينولوجيا أو الظاهراتية «فيمياء» على وزن كيمياء وخيمياء وفيزياء... في هذا كلّه كان يعمل بشروط الحيويّة المفهومية التي نظّر لها جيل دولوز من جهة، وببراعة العرب في توليد المصطلحات من قلب سياقات القول، من جهة أخرى. وهو نفسه نبّه مراراً على ذلك كما عندما أكّد في إحدى مقالاته: «من هنا عبقريّة الترجمة العربيّة للقاطيغوريا بالمقولة، اشتقاقاً من القول أو اللّوغوس، أي العقل ناطقاً أو قائلاً لمعرفته بموضوعه».
كان يأتي على الدوام بالمسوّغات اللّغوية لابتكاراته المفارقة للسائد. كما عندما يبرّر استخدامه للمفردة «أفهوم» في محاورة معه أجرتها رحيل دندش، بالقول: «إنّ استخدام «المفهوم» خاطئ لأنّ المصطلح الكانطيّ الأصليّ «begriff» يدلّ على فعلِ تفكير وليس على حصيلة التفكير كما في المفردة «مفهوم».
من هنا كان ينبغي تحوير المفردة أو إعادة نحتها بحيث تكتسب الطاقة الكامنة في الكلمة المصوغة على وزن «أفعول». وعلى النحو ذاته يبرّر الدكتور وهبة بعض تجوّزاته في استخدام نحو اللّغة العربية في ترجمته لكانط مثلاً. قال في الحوار ذاته:«كلّ قوة كانط هي في التركيز على أنّ الفكر يجاوز نفسه إلى موضوعه، أي أنّ الفكر هو الذي يعيّن الموضوع. فـ«فكّر» هو عند كانط فعلٌ متعدٍّ، وقد كتبتُ في ترجمتي: فكّر الشيء، وليس: فكّر في الشيء، وهذا تجوّز لغويّ ذكرته وقلت إنّه ضروريّ ».
ينبغي ألّا ننسى أيضاً أنّ الكثير من أهمّ أفكار الدكتور موسى وهبة منبثّ في المحاورات التي أُجريت معه في المجلات الفكرية. فيها نجد تحليلات معمّقة للأفكار الفلسفية التي كان يشتغل عليها وإضاءات على مشروعه في قول الفلسفة بالعربية، وتذكيرات دائمة بالتمييزات الواجب إقامتها بين الفلسفة بما هي مراس فكريّ مخصوص وأنماط القول الفكريّ الأخرى كالفكر السياسيّ أو الاجتماعيّ أو التاريخيّ أو الدينيّ. في الكثير من الكتابات العربية التي ينتحل واضعوها تسمية الفيلسوف يُرينا، بلا عدوانيّة وبكامل التجرّد والاحترام لجهود الغير، أنّها، مهما يكن من عمقها وضرورتها، ما هي إلا دراسات في المجتمع العربيّ أو في سوسيولوجيا الثقافة العربية أو في التأريخ للفكر الإسلاميّ أو في نقده. وهذه كلّها ممارسات «قطاعيّة» منحصرة في مجال معلوم، ولا يمكن احتسابها على الفلسفة التي تمثّل في رأيه نشاطاً يتّجه إلى تأويل الوجود ويشمل الإنسانية جمعاء. لا بل رفض حتّى الفصل بين فلسفة غربيّة وأخرى شرقيّة، وقال عن هذا الفصل في المحاورة المذكورة أعلاه:«بالتّأكيد لا أوافق عليه، ولا أوافق أصلاً فلاسفة كباراً، كهايدغر الذي يستعمل مصطلح «الفلسفة الغربيّة»، وبرتراند راسل الذي لديه كتاب اسمه «تاريخ الفلسفة الغربيّة». بالنّسبة إليّ الفلسفة هي فلسفة، ونقطة على السّطر. ليس هناك ما يسمّى الفلسفة الغربيّة والفلسفة الشرقيّة، هناك الفلسفة التي بدأت من اليونان واستكملت حتّى هابرماس اليوم، أو فتغنشتاين. نعم صودف أنّ معظم الكتابات هي بلغات غربيّة ولكن هذا لا يجعل منها فلسفة غربيّة، ثمّ ما معنى «غربيّة»؟! أين يبدأ الغرب؟ الغرب يبدأ من حدود الهند، نحن غرب آسيا، وما يسمّى ثقافة غربيّة اليوم أو حضارة بصورة عامّة نحن جزء منه، ولسنا غرباء عنه...».
كما ينبغي ألّا ننسى أنّ القول الفلسفيّ كان مرتبطاً عند الدكتور وهبة بأفعالٍ وأنشطة دائمة من أجل الفلسفة والفكر بعامّة. لقد أسّس ملحق «نهار الكتب» في جريدة «النهار» اللبنانية وكان مدير تحريره لسنوات عديدة. كما أسّس جمعيّة «اللقاء الفلسفيّ» ومجلّة «فلسفة»، وكان من أهمّ الناشطين في اتّحاد الفلاسفة العرب وفي مختلف المؤتمرات الفكرية في العالم العربي. إلى هذا، كوّن في لبنان أجيالاً من تلامذة الفلسفة ما برحوا يجهرون بدَينهم له، شأنهم شأن العديد من ممارسي الفلسفة ومترجميها في أقطار عربية أخرى يقرّون بالتتلمذ عليه وإن لم يكونوا من تلامذته الفعليّين أو المباشرين.
الخلاصة، كان الدكتور موسى وهبة رجلاً أنموذجيّاً في فنّ الصداقة والإخاء الفكريّ والحوار الفعّال، وكلّنا شغف في رؤية كتاباته ومحاوراته المتفرّقة مجموعة في مجلّدات عديدة، كما وعد به بعض أصدقائه وتلامذته السابقين.

صناعة المفهوم
صناعة المفهوم هي في نظر دولوز إبداعٌ حقيقيّ. فلا يبتكر مصطلحاتٍ فاعلة كلُّ من أراد، وليس يمكن إنعاش المفاهيم ومدّها بالحيوية اللّازمة وفرضها على الاستعمال السائر بفعل إلهامٍ محض أو بالبراعة اللغوية لا غير. لا بل ينبثق المفهوم من سياقه الدقيق كأنّما من تلقاء ذاته، يتشرّب بحاجاته ويلخّص ضروراته الفاعلة، فإذا ما وُلد هذا المفهوم كان بمثابة نور غزير وكاشف مسلَّط على هذا كلّه. ولذا – وهذا هو اشتراط دولوز الثاني للمفهوم الصحيح أو الناجع – ينبغي أن يكون المفهوم المبتكَر فعّالاً وذا طبيعة إجرائيّة لا غبار عليها، أي مشحوناً بقدرة تعبيريّة وإفهاميّة لا يطالها الشكّ.

نحّات المعنى
من بين الأمثلة اللّافتة على المفاهيم التي نحتها موسى وهبة على أساس عربيّ قويم، نذكر «أفهوم» (بدل «المفهوم») و«أمثول»، صاغهما على وزن «أسلوب» و«أُفعول» المعروفين في العربية من قبل، و«العاقلة» و«الفاهمة»، نحتهما على وزن «الذاكرة» و«الحافظة» وسواهما من أسماء المَلَكات بالعربيّة.
ومن هذه الابتكارات أو الإبداعات المفهومية أيضاً ترجمته le transcendantal إلى «المُجاوِز» بدل «المتعالي» ودعوته إلى تسمية الفينومينولوجيا أو الظاهراتية «فيمياء» على وزن كيمياء وخيمياء وفيزياء... في هذا كلّه كان يعمل بشروط الحيويّة المفهومية التي نظّر لها جيل دولوز من جهة، وببراعة العرب في توليد المصطلحات من قلب سياقات القول، من جهة أخرى.