الملحق الثقافي

الاستشراق باعتباره «حفريات»!

لوحة تمثل الحروب الصليبية

لوحة تمثل الحروب الصليبية

د. خزعل الماجدي

منذ البدايات المبكرة جداً للاستشراق وحتى يومنا هذا كانت مسيرة الاستشراق تمضي بقوة بالخطوات المتتابعة الآتية (الاتصال بالشرق ودفع أذاه، التقرب منه، أخذ ثقافته وعلومه، التفوق عليه، إطلاق الأحكام الاستشراقية عليه، بدء الاستشراق العلمي مع بداية القرن التاسع عشر، توسعه وتخصصه، انتقال الاستشراق إلى رؤية علمية استشراقية في النصف الأول القرن العشرين، نهاية الاستشراق القديم، ظهور الاستشراق الجديد بهدف أديولوجي واضح هو بلبلة الشرق وتفكيكه)، كل هذه المراحل كانت نوعاً من الحفريات (الأركيولوجيات) المتصلة بوسائل مختلفة لروح وعقل وجسد الشرق.
بعد أن امتلك الغرب إبان عصر النهضة وعصر الصناعة الوسائل الكافية لإجراء مثل هذه التحريات العلمية (الحفريات) وتصنيفها وتبويبها ويبدو لنا العدد الهائل من الكتب التي كتبت حول الشرق الأدنى مثلا (مابين 1800-1950)، والتي بلغت 60.000 كتاب تأكيداً لعمليات الحفر المتصلة، والتي انتهت أو تضمنت السيطرة على هذا الشرق ووضعه في أرشيف المعلومات الجاهزة في أية لحظة للاستخدام لاجتياحه أو لتحريك عوامله أو لتنفيذ العمليات الجراحية، التي يقوم بها عادة الجراح الطبيب العالم الغربي على اعتبار أن هذا الشرق رجل مريض مُعدي، أما أن يشفيه الطبيب الغربي، أو يأخذ منه ما يحتاجه من الدم والأعضاء وقطع الجسم الأخرى الصالحة للاستعمال، والتي تنفع الإنسان الغربي، ثم لتأتِ بعد ذلك رصاصة الرحمة. إن «الاستشراق هو جهاز ثقافي، هو عدوانية ونشاط ومحاكمة وإرادة للحقيقة، ومعرفة والشرق وُجد من أجل الغرب، أو هكذا بدا لعدد لا يحصى من المستشرقين، الذين كان موقفهم من الموضوع الذي اشتغلوا عليه أما أبوياً أو متعالياً.» (1)
وبالرغم من إن الاستشراق قد قطع شوطاً طويلاً عندما وصل إلى (سلفستر دي ساسي) و(رينان)، لكنه اتخذ على يديهما شكلاً منظماً ومدروساً، فقد عمل (دي ساس) أولاً على حصر كتلة الشرق الهلامية بين يديه، ثم دونها في نصوص، وبذلك بدأت أول إجراءات الحفار المعرفي (الابستمولوجي) الغربي، الذي طوّع الشرق واستطاع أن يحصره ويحدد خارطته المعرفية، ويؤشر خطوطها «لقد تمثلت أصالة ساسي بالنسبية في كونه قد عالج الشرق بوصفه شيئاً ينبغي أن يُرمّم، ليس بسبب فوضى الشرق الحديث بحضوره السرابي وحسب، بل وكذلك، بالرغم منه، لقد موضع ساسي الغرب في الشرق الذي كان موضع في المعرفة العامة والمعرفة الحديثة، لذلك ينتمي الاستشراق إلى تراث البحث العلمي في أوروبا.. غير إن مادته كان ينبغي أن تُخلق من جديد على يد المستشرق قبل أن تصبح قادرة على دخول الرواق جنباً إلى جنب مع الهيلينية واللاتينية.»(2)، والجملة الأخيرة تشي بكل سلوكية الغرب فهو لا يستطيع فهم الآخر، حتى في ماضيه، إلا إذا طوّعه وقدمه بنص أو صيغة أو خطاب (إنشاء) من وضعه هو.
ترويض الفريسة
تدخل النصوص الحقيقية في المتاحف ودور المخطوطات أما النصوص الفاعلة في حياة الغرب العلمية والجامعية واليومية (الإعلامية وغيرها) فيجب أن تكون من صنع الغربي نفسه، فهو الذي يقدمها أو يعملها، وهذا يعني مسك الفريسة وتقييدها وترويضها بطريقة معينة. أما إرنست رينان فقد قام حقاً بالخطوة اللاحقة، لقد حول النصوص (التي طوّعها وصنعها دي ساس) إلى خطابات، وأول إجراء خطابي ذكي كان عبر إجراء (فقه اللغة)، وكانت هذه الخطوة هي الخطوة الريادية لرينان في صنع خطابات فقه لغوية عن الشرق، وذلك من خلال مقارنات اللغة السامية بالآرية «فإنه في كل موضع آخر من عمله يبرهن على إن لغاته (الشرق) الشرقية، السامية، لا عضوية، متعطلة النمو، مستحاثة بشكل كامل، وعاجزة عن أن تجدد حيويتها وقوتها، وبكلمات أخرى يبرهن رينان على أن السامية ليست لغة حية، وأن الساميين في نهاية المطاف ليسوا مخلوقات حية، وعلاوة، فإن اللغات والثقافات الهندو- أوروبية حية وعضوية بسبب المختبر لا بالرغم منه.»(3).
هذه المركزية الرينانية مركزية أوروبية يتم خلقها داخل المختبر الفقه لغوي (لأنه يشكّل ويبني) أي يستعمل القوة.. إن هذا التمركز اللغوي أوجد التمركز العرقي والنظرية العرقية والاضطهاد الاقتصادي، هكذا إذن حول رينان الشرق والغرب وعلاقتهما من خلال اللغة (النص ثم الخطاب) إلى معرفة ثم سلطة.. إلى مركز ومحيط. إن الاستشراق هو مظهر من مظاهر المركزية الغربية، ووسيلة من وسائلها في توسيع الأفق الأيديولوجي لها، والاستحواذ على ثقافة الآخر، وإذا عرض الأمر بكليته لبحث في المحددات والموجهات، سيتضح، إنه بواسطة الاستشراق بدأت المركزية الغربية تقترح على نفسها موضوعات تسوغ من خلالها رؤيتها لمتعصبة للشرق، وبذا إنها بدأ باختلاق موضوعها تبعاً لحاجاتها وليست لمقتضيات الموضوع، ولم يعد للشرق من وجود عياني إلا بوصفه مكوناً خطابياً غربياً.(4).
وتتوالى بعد رينان الحملات الأركيولوجية المعرفية لإحكام السيطرة على الشرق، فينهض مفكرون كبار في هذا المجال، ويكاد القرن التاسع عشر كله أن يكون جملة حفرية عظيمة قام بها الغرب لحفر مخطوطات وآثار وأرض الشرق كله وإعادة تصنيعه، من جديد، لتبدأ ها حملة عسكرية واسعة شهدها القرن العشرون بعد موت (الرجل المريض)، وتقسيم ميراثه استعمالاً واحتلالاً واغتصاباً.
وقد يوحي لنا تتابع الحملات الاستشراقية والعسكرية خلال الألف سنة الماضية بنوع من الترتيب الذي تعززه القراءة الابستمولوجية لتراث الاتصال بين الشرق والغرب، ولن نلوي الحقائق إذا وجدنا أن بعد كل حملة استشراقية كانت هناك حملة عسكرية استعمارية، وكما يلي:
1. الحملة الاستشراقية الأولى (الدينية): والتي قام بها رجال الدين المسيحيون لمواجهة الإسلام أولاً، ثم لمعرفة مادته بعد انهيار دولته المركزية.
2. الحملة العسكرية الأولى (الصليبية): والتي مهدت لها الحملة الاستشراقية الأولى، وهيأت الأذهان لها، وأثارت الضغائن، وظهر فيها المسلمون كمغتصبين للأراضي المقدسة.
3. الحملة الاستشراقية الثانية (العلمية): والتي قام بها رجال عصر النهضة بعد نهاية القرون الوسطى، وحتى القرن الثامن عشر، أُخذت فيها علوم ومعارف الشرق العربي الإسلامي خاصة، مما تسبب في قيام أوروبا ونهضتها، ثم بداية عمليات الاستشراق المنظمة في بداية القرن الثامن عشر.
4. الحملة العسكرية الثانية (النابليونية): التي كان الاستشراق في مرحلتها الثانية قد حفز عليها وهيأ لها الأذهان، ونضجت بعد بدء العصر الصناعي واختراق انجلترا للهند.
5. الحملة الاستشراقية الثالثة (الجامعية): استغرقت القرن التاسع عشر كله، حيث ظهر فيها كبار المستشرقين وأعلامهم، وتم فيها تقليب تراث الشرق كله وفق مناهج أكاديمية وعلمية.
6. الحملة العسكرية الثالثة(الاستعمارية): بدأت بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد تفكك الدولة العثمانية، حيث دخلت الجيوش الأوروبية إلى الشرق العربي الإسلامي واحتلته بالقوة. واستمرت هذه الحرب باغتصاب فلسطين والحروب الصهيونية على العرب، واستمرت في احتلال أفغانستان، وحرب الخليج الثانية سنة 1991، التي كانت ذروة هذه الحملة، ثم حرب الخليج الثالثة.. إلخ.
وهكذا استغرقت الحملة العسكرية الثالثة القرن العشرين كله، كما استغرقت الحملة الاستشراقية الثالثة القرن التاسع عشر كله، رغم أن الاستشراق لم يهدأ طيلة القرن العشرين، وربما عمل بطريقة أكثر ذكاءً ليمهد لحملة عسكرية قادمة.
وهكذا يتضح لنا إن كل معرفة بالشرق كانت تقود إلى استعمال السلطة ضده، هذا المعرفة/‏ السلطة كانت واحدة من أهم كشوفات فوكو عن العقل الغربي.. لقد اعتبرها واحدة من أهم آلياته.
يقول ماركس «إن على انجلترا أن تحقق في الهند رسالة مزدوجة، الأولى تدميرية والثانية إحيائية تجديدية – إفناء المجتمع الآسيوي، وإرساء الأسس المادية للمجتمع الغربي في آسيا.» (5).
وهذا يعني إن المستشرق مهما كان موضوعياً في علاقته مع الشرق فأنه لا ينجو من بنية معرفية فوقية تشكلت مع الزمن تجعل منه أداة داخل جهاز كبير يحمل على احتواء الشرق وابتلاعه « ،حيث إن المعنى النهائي لجدل سعيد ولجدل مير، يتلخص ب: إن كل مستشرق يخدم حملة غربية إمبريالية وثقافية تهدف إلى تدبر الشرق والسيطرة عليه واستغلاله»(6).
إن دراسة الشيء، يعني السيطرة عليه وإعطاء الحق بالتصرف به وهكذا عملت هذه البنية الفوقية الاستشراقية، فما أن يدخل مستشرق جديد هذا القطاع وبغض النظر عن نواياه فأنه يساهم في ترسيخ هذه البنية لأنها كانت قد تأسست منذ زمن بعيد وإنها لا تتزحزح بسهولة، وهكذا يعلو المستشرق، دون أن يدري، المنصة الأبوية المركزية ويعطي لنفسه حق التصرف بالمادة الشرقية. «إن تواريخ المستشرقين كانت تنطوية على «أبوية» إفهام الشرق تاريخه بطريقة تؤول إلى: أولاً، إنه تاريخ ميت (يمكن تفكيكه إلى قطع) وثانياً، إن تاريخ ثانوي (مساعد) يرفد في نهاية المطاف الذروة الأوروبية التي آل إليها تاريخ العالم»(7).
إن هذه النتيجة التي توصلنا إليها لا تلغي أبداً الجهود الكبيرة التي بذلها المستشرقون طيلة تاريخهم، ولكننا نقول إن تشكيل البنية الاستشراقية كان مبكراً وقد تضمن هذه التشكيل علاقة سلبية صدامية مع الشرق، وقد اغتنت هذه البنية الاستشراقية طيلة تاريخ الاستشراق، وتعززت وأحكمت عتلاتها وقواها، فما كان بالإمكان الخروج عليها مهما تحوط المستشرق الفرد وأراد أن يكون موضوعياً. لقد بذل إدوارد سعيد جهداً عظيماً في الكشف عن آلية المعرفة/‏ السلطة في هذه البنية الاستشراقية مستخدماً المنهج الفوكوي الابستمولوجي في حقل الاستشراق فهل توقف إدوارد سعيد عن هذا الحد؟ أعني هل كان عمله محدوداً بهذا فقط؟
أرى إن إدوارد سعيد مهد وساهم وتأثر أيضاً بمنهج آخر جاء على أعقاب البنيوية وهو المنهج التفكيكي، الذي يقف على رأسه المفكر جاك دريدا.. وقد كان كتاب الاستشراق في صلب جهود البحث والتأثر بفكرة (التمركز الغربي)، التي أماط دريدا اللثام عنها، وهذا ما يتطلبه بحث آخر عن علاقة سعيد بدريدا فيما أسمته (التفكيكية) ب (مركزية العقل والصوت الغربية).

.................................
الهوامش:
1. سعيد، إدوارد: (الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء) ترجمة كمال أبو ديب: بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية ط2 1984، ص216
2.المرجع نفسه: ص151
3.المرجع نفسه: ص 163
4. إبراهيم، عبد الله: (المركزية الغربية للاستشراق) ضمن ملف خاص (العرب والغرب): آفاق عربية. العدد 9. أيلول 1993. السنة 18
5. سعيد، إدوارد: المرجع السابق ص171
6. الدعمي، محمد عبد الحسين: (التاريخ العربي والاستشراق): تطبيقات نقدية في دوافع المستشرقين. آفاق عربية. كانون الأول السنة 17/‏1992
7. المرجع نفسه.