صحيفة الاتحاد

الرياضي

حسن المستكاوي يكتب: ردود أفعال الإخفاق المصري في المونديال لم تتغير منذ 84 عاماً!

هذه مجرد عينة من تناول الصحافة الرياضية المصرية الصاخب لمحصلة أداء المنتخب في كأس العالم في روسيا.. والصفر الآخر هو حصيلة الهزيمة في ثلاث مباريات بالدور الأول لمونديال روسيا، والصفر الأول هو الصفر الشهير الذي حصل عليه الملف المصري في سباق تنظيم مونديال أفريقيا الأول في 2010.
وكما هو معتاد منذ ما يقارب 85 عاماً، شنت جميع المنصات الإعلامية هجوماً عنيفاً على الفريق وعلى اتحاد كرة القدم وعلى المدرب الأرجنتيني هيكتور كوبر، وامتد الأمر إلى البرلمان، وقدمت طلبات إحاطة لوزير الشباب والرياضة، لسؤاله عن نتائج المنتخب الهزيلة في كأس العالم.
لم نتغير بعد.. لم يتغير أي شيء.. أو نحن نتغير ببطء شديد في أساليبنا وفي أفكارنا..لم يتغير رد فعل الصحافة على نتائج الفريق في 1934، وقد كانت هي المنصة الإعلامية الوحيدة في ذاك الوقت، ولم يتغير رد فعل الصحافة عن نتائج الفريق في 1990 وقد صاحبها ردود فعل في برامج تليفزيونية وقتها، ولم يتغير أيضاً رد فعل الصحافة وجميع المنصات الإعلامية بما فيها «السوشيال ميديا» عن نتائج الفريق وهزائمه الثلاث في روسيا.

1
فيما يعرف بالمداخلات التليفونية في البرامج التلفزيونية، بكى رجال وبكت سيدات أثناء الحديث غضباً وحزناً وألماً بعد أن مني الفريق بالهزيمة الثالثة.. وقد يكون ذلك رد فعل طبيعياً لما باتت تمثله نتائج مباريات كرة القدم في البطولات الكبرى من مساس بكبرياء الأمم.. لكن الأزمة الحقيقية أنه لم يتغير أي شيء في التناول وفى رد الفعل!
في عام 1925 كتب الأستاذ فكرى أباظة، أحد أشهر الصحفيين المصريين في زمنه، مقالاً في مجلة عالم الرياضة البدنية، بكلمات ومفردات بدايات القرن العشرين، قال فيه ما يلي: «إن قيل في البلد نهضة رياضية قلت نعم، ولكن انتابتها عوامل الاختلال والاعتلال.. أحضر مباراة بين فريق مصري وفريق إنجليزي، وأرى أعضاء النادي المصريون متأخرون.. ها قد صفر الحكم وليس في الميدان إلا خمسة أو ستة.. والمتأخرون ينقسمون إلى أحزاب. فحزب تعبان من «سهرة إمبارح» وحزب لا يريد «اللعب والسلام».. الخلاصة أننا في حاجة إلى الإصلاح».

2
وعندما تأهل منتخب مصر إلى كأس العالم 1934، نقلت صحيفة الأهرام العريقة خبر التأهل بعد ثلاثة أيام.. فلم تكن البطولة في أيامها الأولى تستحق الاحتفال، لكن الصحافة لم تصمت بعد هزيمة المنتخب أمام المجر 2 /‏‏4.. فالمقالات في الصحف الرياضية التي صدرت بعد خسارة الفريق تطالب كلها بتطبيق نظام الاحتراف، يعنى هذا طلب قديم عمره 84 عاماً، أما جريدة البلاغ فقد أعربت عن استيائها من التشكيل الذي سافر إيطاليا، وقالت: كيف يتم اختيار عزيز فهمي ومصطفى كامل منصور من النادي الأهلي؟
كيف يلعب واحد هو احتياطي لزميله؟ وكيف يصبح الحارس وقفاً على نادٍ دون سواه؟
وقالت إحدى الصحف: نستطيع أن نقول بغير مداراة إن بطولة الأهلي ونفوذه وسيطرته تمثلت في اختيار كامل مسعود فلا غرابة؟ وباختصار الفريق فيه مجاملات، أما الجهاز الإداري للبعثة فكثير العدد ولو أن نادياً أرسل كل هذا لقامت الدنيا ولم تقعد، ولأمطرت السماء دماً!
وفى 28 مايو 1934 كتبت الصحف المصرية الصادرة بالقاهرة: «مصر اعتمدت على هوايتها فلم تتقدم، وكان المصريون يلعبون علي طريقة المجهود الفردي، فكانت طريقة منهكة للغاية في حين كان خصومهم يعتمدون على الجناحين، والتوزيع الطويل، فكانت الكرة بثلاث لعبات، تصل إلى مرمى المصريين، حقاّ كان المصريون سراعاً، خفافاً، لكنهم لم يكونوا يلعبون على طريقة مرسومة بل كيفما اتفق»!
وانتقدت صحف أداء بعض اللاعبين، فالقت إحدى الصحف: «لقد أضاع وضع حسن رجب في الدفاع الأيسر فرصاً كثيرة على فريقه لعدم اعتياده هذا المركز من قبل، وكان الخطر علينا دائماً من جناح المجر الأيمن، وكذلك نزل حميدو إلى المباراة وعلامات المرض ظاهرة عليه، وبالإجمال كان الدفاع بأجمعه مفككاً، ولعب وهو على أسوأ حال»!

3
لقد كانت مصر أول دولة عربية تتأهل إلى نهائيات بطولة كأس العالم، وذلك في إيطاليا عام 1934، حيث لعب الفريق المصري مباراتين مع فلسطين في التصفيات وفاز 7 /‏‏1 و4 /‏‏1، وتأهل للنهائيات، وفي 27 مايو من العام نفسه، لعب مع المجر وخسر 2 /‏‏4.. وكان الشوط الأول قد انتهى بالتعادل 2/‏‏2. وسجل هدفي مصر عبدالرحمن فوزي الذي لعب كمهاجم في الناحية اليسرى.
و في حديثه لمجلة أكتوبر العدد 682، يوم 19 نوفمبر 1989، قال الكابتن محمد لطيف، عضو المنتخب الوطني المصري في كأس العالم 1934: «انتهى الشوط الأول بالتعادل في كأس العالم 2-2، ولم يحدث انهيار للفريق، ولكن حدث أن ظلمنا الحكم في هذه المباراة في هدفين، الهدف الأول كان لمصلحتنا، حين تبادلت الكرة مع الكابتن مختار التتش، ووصلت إلى الخط، ثم أعدتها إليه ثانية وأنا على الخط بعيداً عن المرمى، وأحرز التتش هدفاً، ولم يحتسبه الحكم على أساس أنني كنت متسللاً، والهدف الثاني كان لمصلحة المجر، فحين التقط حارس مرمانا مصطفى كامل منصور الكرة بيديه، ضربه بالبوكس في وجهه قلب الهجوم المجري، ومع ذلك احتسب الحكم الهدف. وخرجت الصحف الإيطالية في اليوم التالي وعلى صفحاتها صورة البوكس»!

4
تلك روايات التاريخ.. ولكن في كأس العالم 1990 صاحبت المنتخب في طريقه إلى كأس العالم بإيطاليا بعد غياب 56 عاماً.. وحين تعادل الفريق مع شقيقه الجزائري في مدينة قسنطينة سلبياً، خرجت صحيفة الشعب الجزائرية وكان يرأس تحريرها الصديق عز الدين مهيوبي، وزير الثقافة فيما بعد، خرجت بعنوان طريف يقول: «كليوباترا تغازل أنطونيو». وحين فاز المنتخب المصري بهدف للاشيء سجله حسام حسن في 17 نوفمبر 1989.. خرجت صحيفة الشعب بعنوان يقول: «بكينا في حجر أم الدنيا».
واحتفلت الصحافة المصرية بالتأهل للمونديال، وتوج محمود الجوهري بطلاً قومياً، وارتفعت أسهمه بصورة مذهلة بعد التعادل 1/‏‏1 مع إيطاليا، وكان المانشيت الرئيس لجريدة الأهرام بصفحتها الأولى هو تعادل مصر مع هولندا 1/‏‏1 في كأس العالم، وهى المرة الأولى في تاريخ الجريدة التي يكون فيها عنوان الصفحة الأولى الرئيس رياضياً على ثمانية أعمدة.
تعادل المنتخب مع أيرلندا ثم خسر بهدف للاشيء أمام إنجلترا، فسحبت سيوف النقد من أغمادها، وأصبح الجوهري، البطل سابقاً، متهماً باللعب بطريقة دفاعية.. وطالبت صحف بإقالته.. حتى جاءت مباراة اليونان الودية التي خسرها المنتخب بستة أهداف، لترتفع حدة النقد والهجوم، ويختفى الجوهري عن الأنظار، ثم أتلقى اتصالاً منه لمقابلته، وحين التقيته نصحته بالاستقالة لأن اتحاد الكرة سوف يقيله من منصبه، إلا أنه رفض.. وقد أقيل فيما بعد!

5
ذهب الجوهري وعاد إلى المنتخب مرات عدة.. وأصبحت قصته مع منتخب مصر مشابهة لقصة عمو بابا مع منتخب العراق.. قصة فيها انتصارات وفيها انكسارات، وبقيت منها الذكريات والآلام، ولحظات الفرح والسعادة..
لم يتغير شيء.. فكما رفعت الصحافة محمود الجوهري إلى السماء، وعادت وهاجمته، تكرر الأمر مع هيكتور كوبر مدرب المنتخب في المونديال الأخير.. فعندما تأهل المنتخب المصري إلى النهائيات احتفلت الأمة بالفريق وبمدربه، خاصة أن التأهل تحقق بعد غياب 28 عاماً، وبعد دراما مباراة الكونغو والتي انتهت بركلة جزاء صلاح. وقبل أشهر قليلة من تلك الدراما، كان المنتخب قد حظي بتكريم الدولة حين تأهل للمباراة النهائية لكأس الأمم الأفريقية التي خسرها أمام الكاميرون بهدف مقابل لا شيء.. ومن مولانا كوبر صاحب الحظ السعيد إلى مدرب فاشل يصادقه النحس.. لم يتغير شيء.
الإعلام مرآة للمجتمع وللملعب المصري والعكس صحيح، ففريق الأبطال الذين كانوا نداً لمنتخب البرازيل وهزموا إيطاليا في كأس القارات عام 2009، تحولوا إلى لاعبين محليين، وخائبين، فعندما تكون من دون مستوى يكون رد الفعل من دون مستوى أيضاً.

6
أذكر أن المنتخب المصري فاز بكأس أفريقيا ثلاث مرات على التوالي بأحسن أداء، ولكنه عجز عن التأهل إلى نهائيات كأس أفريقيا نفسها ثلاث مرات متتالية.. وأذكر أنه حين فاز بكأس الأمم في عامي 2006 و2008 تراجعنا في مباراتين مهمتين في تصفيات كأس العالم.. وحين كان المنتخب هو بطل القارة في عامي 1957 و1959 على التوالي خسر في البطولة الثالثة أمام إثيوبيا وخرج بخفي حنين، وبررنا ذلك بارتفاع هضبة الحبشة عن سطح البحر، وبأسود جلست بجوار الإمبراطور هيلاسيلاسى.
وظل الارتفاع عن سطح البحر مبرراً وسبباً لهزائم حتى لو كانت وقعت تحت سطح البحر بمائة متر، ثم اخترعت درجات الحرارة المرتفعة، ثم البرودة الشديدة، ثم الجفاف، ثم الأمطار الشديدة ثم رحلة الطيران الشاقة، ثم التحكيم.. فيما نسي الجميع الأسود، لأن الإمبراطور كان قد رحل.
وعندما نظمت مصر كأس الأمم الأفريقية على أرضها عام 1974، توقعنا الفوز بها فخسرناها.. وعندما عدنا ونظمنا كأس الأمم عام 1986 فزنا باللقب بدعاء الكروان، وبفضل كانا لاعب الكاميرون.
وعندما سافر المنتخب إلى بوركينا فاسو 1998 ودعناه بقصائد الخوف من الهزائم، فعاد حاملاً كأس النصر وخرجت الأمة لاستقباله.
هذا بخلاف أن المنتخب المصري الأكثر فوزاً بكأس الأمم الأفريقية، والأندية الأكثر فوزاً ببطولات أفريقيا، لكنك تملك منتخباً يعانى كي يصل إلى كأس العالم، وتخرج من التصفيات مبكراً، وباتت كل مباراة بالنسبة لفريقك، سواء منتخب أو نادٍ «عنق زجاجة».. وأصبحنا نحلم بمباراة تعد زجاجة من دون عنق، فكل المباريات تحتمل كل الأشياء وكل النتائج، وإذا سألت مشجعاً لفريق عن توقعاته لأي مباراة، ستكون الإجابة غالباً كلها دعاء: «يا رب.. ربنا يستر.. ربنا معانا».. أو ستكون الإجابة هي: «ممكن نكسب.. وممكن نخسر».
وهل تلك إجابة؟
لا أظن.. إنها إجابة!