الرياضي

لماذا لم تستفد المنتخبات العربية من 43 محترفاً في أوروبا؟

منير رحومة (دبي)

لسنوات طويلة كانت الجماهير العربية تطالب باحتراف لاعبيها في الدوريات الأوروبية واللعب في صفوف الفرق الكبرى، حتى يرتقوا بمستواهم ويطوروا إمكاناتهم، ويعود ذلك في الأخير بالنفع على منتخبات بلدانهم، ونقدر على المنافسة بجدية في الاستحقاقات الكبرى أسوة بالمنتخبات العالمية المستفيدة من انتشار لاعبيها في أشهر الأندية الكبيرة، والدوريات القوية.
وخلال مونديال روسيا استبشرت الجماهير بتأهل أربعة منتخبات عربية مدججة بـ43 لاعباً في الدوريات الأوروبية، واطلق الجميع العنان لأحلامهم وأمنياتهم بمشاهدة منتخب على الأقل ينافس بقوة ويصعد إلى الأدوار المتقدمة، ويحقق إنجازاً جديداً لم يسبق ان تحقق من قبل، خاصة في ظل تواجد نجوم كبار أصبحوا من ضمن مشاهير اللعبة في العالم أمثال المصري محمد صلاح لاعب ليفربول الذي خاض نهائي دوري أبطال أوروبا من أيام قليلة، أو المغربي أشرف حكيمي لاعب ريال مدريد المتوج على عرش أوروبا مع ناديه.
تبخرت الأحلام مع ضربة البداية، وذهبت الأمنيات أدراج الرياح، وسرعان ما أصيبت الجماهير العربية بخيبة أمل كبيرة بالسقوط المدوي لمنتخباتها والظهور المتواضع لنجومها، لتودع المونديال مبكرا تاركة العديد من علامات الاستفهام عن الأداء الباهت للمحترفين، وعدم الاستفادة من مشاركتهم، وانطلقت المقارنات مع الأجيال السابقة في زمن الهواية، عندما حقق لاعبوها الإنجازات وخطفوا الأنظار بمهاراتهم وامكاناتهم، منذ ملحمة تونس في الأرجنتين عام 1978 بفوزها على المكسيك والتعادل مع ألمانيا بطلة العالم، مرورا بفوز الجزائر على ألمانيا بطلة أوروبا في مونديال 1982، وتأهل المغرب في 1986 إلى الدور الثاني، بالفوز على البرتغال والتعادل مع إنجلترا وصدارة مجموعتها، وصولا إلى مونديال 1994 عندما صعدت السعودية إلى الدور الثاني في مونديال أميركا.
وبعد ما حققه المنتخب الجزائري في النسخة الماضية للمونديال بالتأهل إلى الدور الثاني، ونيل احترام وتقدير العالم، بفضل مشاركة 19 لاعبا بالدوريات الأوروبية توقع الكثيرون تكرار السيناريو في مونديال روسيا، خاصة أمام المشاركة القياسية للاعبين العرب بأوروبا، إلا أن المفاجأة كانت عكسية والصدمة كبيرة بالصورة المهزوزة للأسماء الكبيرة التي خفت نجمها في سماء روسيا.
وضمت قوائم المنتخبات العربية في روسيا نخبة كبيرة من اللاعبين المحترفين خارج دولهم سواء بدوريات عربية أو أوروبية، وهو ما جعل العدد قياسيا بتواجد أربعة منتخبات، على عكس الدورات السابقة، وأيضا للتوجه الحاصل لدى الدول العربية بتشجيع لاعبيها على الاحتراف الخارجي، حيث إن منتخب المغرب ضم نصيب الأسد في قائمته من المحترفين بأوروبا بتواجد 20 لاعباً هم منير المحمدي «نومانسيا») ياسين بونو «جيرونا»، المهدي بنعطية «يوفنتوس»، مروان دا كوستا «باشاك شهر»، نبيل درار «وناكو»، أشرف حكيمي «ريال مدريد»، مروان سايس «ولفرهامبتون»، حمزة منديل «ليل» كريم الأحمدي «فينوورد»، يوسف آيت بناصر «كان»، أمين حارث «شالكه» فيصل فجر «خيتافي» يونس بلهندة «جلطة سراي»، سفيان أمرابط «فينوورد»، المهدي كارسيلا «ستاندر لييج»، نور الدين أمرابط «ليجانيس»، خالد بوطيب «ملطية سبور»، حكيم زياش «أياكس أمستردام»، عزيز بوحدوز «سانت باولي»، يوسف النصيري «ملقة».
ويأتي بعد المغرب منتخبا مصر وتونس بعشرة لاعبين لكل منهما في أوروبا حيث ضمت قائمة الفراعنة، علي جبر وأحمد حجازي «وست بروميتش ألبيون»، أحمد المحمدي «أستون فيلا»، عمر جابر، «لوس أنجلوس»، محمد النني «أرسنال»، سام مرسي «ويجان الإنجليزي»، محمود حسن تريزيجيه، «قاسم باشا»، رمضان صبحي «ستوك سيتي»، عمرو وردة «أتروميتوس اليوناني»، محمد صلاح «ليفربول».
وضمت قائمة المنتخب التونسي معز حسن «شاتورو»، وديلان برون «اقونتواز»، ويوهان بن علوان «ليستر سيتي»، وصيام بن يوسف «قاسيم باشا»، وأسامة الحدادي «ديجون»، وإلياس السخيري «مونبلييه»، وسيف الدين الخاوي «تروا»، وبسام الصرارفي «نيس الفرنسي»، ووهبي الخزري «رين»، ونعيم السليتـي «ديجون الفرنسي».
واختار المنتخب السعودي، إرسال تسعة لاعبين للعب في الدوريات الأوروبية قبل المونديال وضمت القائمة ثلاثة لاعبين شاركوا بروسيا هم يحيى الشهري «ليجانيس»، وسالم الدوسري «فياريال»، وفهـد المولد «ليفانتي».
من جانبه، أشار مناف أبوشقير لاعب المنتخب السعودي سابقا إلى أن نتائج المنتخبات العربية في كأس العالم مرتبط بالأجيال التي تشارك وتمثل دولها في هذا الحدث العالمي الكبير، حيث تختلف المواهب والإمكانات باختلاف الأجيال، لذا لا يجب أن نحمل هذا الجيل الذي شارك في روسيا اكثر من قدراته.
وقال: الروح موجودة وكل لاعب يسعى إلى تمثيل مشرف لوطنه في المونديال، لكن هناك اختلافات واضحة في المهارات والمواهب من جيل إلى آخر، مشيرا إلى أن نجاح جيل مونديال أميركا 94، يعود إلى توافر تواجد مواهب مميزة في المنتخب السعودي، والتي نجحت في التأهل إلى الدور الثاني، وترك بصمة عربية بهذا الحدث الكروي الكبير، موضحا أن الاحتراف الخارجي مهم في الارتقاء بالمستوى والأداء، لكن الأمور مرتبطة بالمواهب التي يفرزها كل جيل.
ورفض أبو شقير التشكيك في اللاعبين العرب الذين مثلوا دولهم في روسيا، وقال: لا يمكن التقليل من الجهد الذي بذله اللاعبون، من أجل تحقيق نتائج إيجابية، حيث شاهدنا رغبة حقيقية في تغيير الصورة بعد المباراة الأولى، وهو ما تمثل في فوز السعودية وتونس في الجولة الأخيرة.
وأوضح «المنتخب المغربي استفاد من إمكانيات لاعبيه وخاصة المحترفين بالدوريات الأوروبية والذين يملكون خبرة المنافسات القوية، وقدم عروضا جيدة ونال استحسان الجماهير، مشيرا إلى أن المنتخبات الأخرى أصيب لاعبوها برهبة البداية، ودخلوا المونديال بشكل خاطئ الأمر الذي ضيع عليهم فرصة المنافسة».
وأضاف: المشاركة العربية في روسيا، كانت أقل من الطموح، لأن المنتخبات لم تقدم صورة جيدة، ولم تحقق نتائج إيجابية بالخروج من الدور الأول، مخيبة آمال الجماهير بتكرار النجاحات السابقة، مشيرا إلى أن المنتخب المغربي هو الوحيد الذي أقنع الجماهير على الرغم من نتائجه السلبية، لأنه لعب بندية عالية أمام المنتخبات الكبرى مثل إسبانيا والبرتغال، وكان يستحق العبور إلى الدور الثاني.

الشيشيني: تجارب تأمين المستقبل لن تفيد

شدد سعيد الشيشيني، نجم نادي المقاولون المصري سابقاً، والذي تدرب على يديه محمد صلاح، نجم ليفربول الإنجليزي حالياً، على أن وجود لاعب أو اثنين بمستويات عالية، ويلعبان في أندية أوروبية كبيرة، لا يصنع ربيع المنتخبات العربية، ولا يرتقي بالمستوى العام، لأن اليد الواحدة لا تصفق في تظاهرة عالمية كبيرة مثل كأس العالم.
وأشار إلى وجود فوارق كبيرة بين لاعبينا المحترفين بأوروبا، وبقية لاعبي المنتخبات الأخرى، لأنهم لا يشاركون باستمرار أو يلعبون في دوريات ضعيفة، مثل رمضان صبحي وعلي جبر اللذين لا يشاركان مع فريقهما، وتريزيجيه وعمرو وردة وحجازي الذين يلعبون في دوريات ضعيفة، ورمضان صبحي الذي هبط فريقه إلى الدرجة الثانية، لذا فإن تشكيلة المنتخب لا تضم عناصر بالمستوى نفسه والقوة حتى تنافس المنتخبات الأخرى.
وألمح الشيشيني إلى أن أغلب لاعبينا في أوروبا محترفون بالاسم فقط، لأنهم انتقلوا إليها في سن متأخرة، لأن اللاعب الذي يحترف في الـ27 أو 28 عاماً، لا يمكن أن ينجح في كتابة تاريخ مميز، يبقى عالقاً في أذهان الجماهير ويفيد منتخب بلاده، مشيراً إلى أن الاحتراف الحقيقي يبدأ منذ الـ17 عاماً، حتى يتمكن اللاعب من الانسجام مع النظام الاحترافي على أصوله كنظام حياة وفكر وليس تدريبات فقط.
وأضاف: «دربت محمد صلاح ومحمد النني، وكنت شاهداً على انطلاقة مسيرتهما الاحترافية بأوروبا في سن صغيرة، والتدرج عبر أندية مختلفة قبل الوصول إلى النجاح الذي يحققانه حالياً».
وتابع: «أغلب اللاعبين العرب يفكرون في الاحتراف الأوروبي لتأمين المستقبل واللعب لموسم أو اثنين بلا أية طموحات حقيقية في الوصول إلى مراتب متقدمة، واللعب في صفوف أندية كبيرة»، مشيراً إلى أن المنافسة في كأس العالم تحتاج إلى الارتقاء بالمستوى والأداء من خلال لاعبين يلعبون في دوريات أوروبية قوية جنباً إلى جنب مع بقية نجوم المنتخبات الأخرى التي تشارك في كأس العالم، وذلك حتى نقدر على مقارعتها، لأن المنتخب المصري على سبيل المثال لا يمكن له أن ينافس على الساحة العالمية بنجم واحد مثل محمد صلاح فقط، وإنما يحتاج إلى توليفة بالمستوى نفسه أو متقاربة الأداء.

بن شيخة: كيف نستفيد من حبيسي الدكة؟

أكد عبد الحق بن شيخة مدرب منتخب الجزائر سابقاً، أن أغلب اللاعبين العرب المحترفين بالدوريات الأوروبية إما لا يلعبون بشكل منتظر طوال الموسم مع فرقهم ويجلسون حبيسي دكة البدلاء أو يلعبون في بطولات ضعيفة ولا تساعد على الارتقاء بالمستوى والأداء ومقارعة اللاعبين الكبار الذين يلعبون في أشهر الأندية العالمية ويعززون تشكيلة منتخباتهم في المونديال.
وأضاف: منتخباتنا ليس لديها لاعبون يشاركون في دوري أبطال أوروبا، أو تواجد ببطولات كبرى مع فرقهم، حيث إن اغلبهم يلعب في أندية تصارع من أجل البقاء أو دوريات ضعيفة.
وأوضح «المنتخب السعودي الذي لديه تسعة لاعبين في إسبانيا، لم يستفد من التجربة لأنهم لم يشاركوا وفقدوا حساسية المباريات وابتعدوا عن أجواء المنافسات، ونفس الأمر بالنسبة للمنتخبين المصري والتونسي، حيث إن أغلب اللاعبين من دوريات ضعيفة أو لا يشاركون باستمرار باستثناء محمد صلاح الذي يعتبر نجماً حقيقياً».
وتابع: المنتخب المغربي الوحيد الذي استفاد من بعض لاعبيه وظهر ذلك في الوجه المميز الذي قدمه أسود الأطلس أمام البرتغال وإسبانيا، وكان يستحق التأهل إلى الدور الثاني.
وأضاف: الجماهير العربية توقعت استفادة حقيقية من الأسماء المحترفة في البطولات الأوروبية، أمثال محمد صلاح مع المنتخب المصري، إلا أن خيبة الأمل كانت كبيرة، ولم نشهد أية إضافة حقيقية، وكان بذلك منتخب الفراعنة الأضعف في هذه المشاركة.
وتابع: استقبلت شباك المنتخبات الأربعة في روسيا 25 هدفاً منها 23 تم تسجيلها من داخل منطقة الجزاء، بما يكشف ضعف المنظومة الدفاعية، وغياب المؤازرة للخط الخلفي من لاعبي الهجوم أو الوسط، مما رفع من معدل استقبال الأهداف والوصول إلى خماسية في شباك كل من السعودية وتونس.
وأضاف: الأخطاء الفردية كانت كثيرة في المباريات، مما يعكس عدم استفادة المنتخبات العربية بالشكل المطلوب من اللاعبين الذين تم اختيارهم، الأمر الذي يشير حقيقة إلى سوء تقدير على المستوى الفني في اختيار القوائم المناسبة للمشاركة في بطولة بحجم كاس العالم.

التيمومي: تأهلنا للدور الثاني في 86 بقوة الشخصية

أكد محمد التيمومي، لاعب المنتخب المغربي السابق، أن غياب بصمة العديد من اللاعبين العرب مع منتخبات بلادهم في مونديال روسيا، بسبب أنهم لم يجدوا ظروف اللعب والجوانب الفنية نفسها التي تعودوا عليها مع أنديتهم، وبالتالي تكون مهمة اللاعب مع فريقه أكثر إيجابية للعب والتألق بفضل وجود مواهب أخرى تشكل توليفة جيدة، على عكس المنتخب الذي تختلف فيه المستويات.
وقال: «غياب الحوافز وتفكير اللاعب في مستقبله الكروي مع ناديه، تجعل اللاعب العربي بالدوريات الأوروبية غير قادر لوحده على صناعة كل شيء وقيادة منتخب بلاده لمقارعة المنتخبات الكبرى، والتي تضم بدورها أفضل لاعبي أقوى البطولات الأوروبية، وأشهر الأندية العالمية».
وأضاف: «المنتخبات التي شاركت في روسيا، لم تقدم لاعبين مميزين، خاصة من الذين يملكون التجربة بالدوريات الأوروبية، ولم تشهد الجماهير أية مستويات قوية تعكس قدرتهم على مقارعة المنتخبات الكبيرة».
وأوضح «نجاح المنتخب المغربي في 86 لم يكن بفضل العمل الفني ووجود لاعبين موهوبين فقط، وإنما أيضاً بفضل الشخصية التي كان يتمتع بها اللاعب العربي، من ثقة بالنفس ورغبة كبيرة في التألق، وتحدي المنتخبات الأخرى، على عكس الجيل الحالي من اللاعبين الذين دخلوا المونديال مهزوزين وخائفين، وأضاعوا حظوظهم في المنافسة منذ الجولة الأولى، حيث خسر المنتخب المغربي بطريقة غير متوقعة أمام إيران، وتعرض المنتخب السعودي إلى رهبة كبيرة أمام روسيا، وأيضاً المنتخبان المصري والتونسي اللذان خسرا كذلك أمام الأوروجواي وإنجلترا». وأضاف: «المنتخبات الأربعة التي شاركت في روسيا لم تقدم مواهب على المستوى الفردي، ولا أداءً وتنظيماً جيداً على المستوى الجماعي، وكانت بذلك بعيدة كل البعد عن المنافسة الحقيقية».
وتابع «مشكلة الكرة العربية أنه ليس لها مواهب، ولم تفرز جيلاً جديداً يملك مؤهلات اللاعبين الأوروبيين فنياً وبدنياً، ولذا تصعب مهمة اللعب بندية مع المنتخبات الكبرى، خاصة إذا غابت الرغبة وقوة الشخصية، حيث تصبح الفوارق كبيرة».
واعترف التيمومي بأن آمال وطموحات الجماهير العربية في وادٍ، وإمكانيات ومستوى منتخباتها في وادٍ آخر، حيث لم تقدم المنتخبات المشاركة الصورة المشرفة، ولم تحقق النتائج المرجوة، وظهرت ضعيفة غير قادرة على المنافسة.