صحيفة الاتحاد

الإمارات

زايد: وحدة العرب وصدق نواياهم طريقهم للنهضة والازدهار

بقلم الإعلامي د. محمد سعيد القدسي

يعتبر البعد الوحدوي من أهم عوامل القيادة الريادية لدى الشيخ زايد، رحمه الله، اعتماداً على الواقعية والمنهجية بعيداً عن الإثارة العاطفية والشعارات التي تتسم بالسلبية في كثير من الحالات، ومن هنا كان حرصه، رحمه الله، على بناء الإنسان العربي المتميز بفكره ونظرته الموضوعية، فالتوجه العربي تدعمه إرادة الإنسان بشكل أساسي، وكان «طيب الله ثراه» عنصراً فعالاً لأي تقدم عربي محتمل.
وإذا ما تتبعنا هذا المفهوم في فكره لوجدنا أن العبرة عنده في الإنجازات الفعلية، وكان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً لتطبيق فكرته على أرض الواقع، ولعل وحدة العمل العربي هي المجال الذي عرف الكثير من الشعارات، وهذا ما دعا الشيخ زايد، رحمه الله، إلى الابتعاد عنها بل اللجوء إلى التخطيط العملي المتأني الذي يهدف إلى جمع الشمل ووحدة الكلمة دون ضجيج إلى أن رأى الجميع في الداخل والخارج الاتحاد، وقد أصبح حقيقة واقعة يعيشه الجميع.
وفي هذا السياق قال، رحمه الله، في حديثه إلى تلفزيون الكويت:
(الحقيقة أن الاتحاد قام لأنه كان ضرورة يتطلبها أكثر من طرف وأكثر من سبب أهمها الرغبة الملحة في ربط الشمل وجمع الكلمة في المنطقة باعتبار أن التماسك وجمع الصف وتوحيد النوايا، كان الطريق الوحيد للوصول إلى القوة التي كنا وما زلنا في أشد الحاجة إليها لنؤدي الرسالة الملقاة على عاتقنا، ولهذا كله كان الاتحاد مطلباً ضرورياً من كل الجوانب سواء من أمراء الخليج أو من شعوب الخليج، ولهذا السبب نحن صبرنا وقتاً طويلاً وبذلنا جهوداً متواصلة لنبني أسس وقواعد هذا الاتحاد، وكان بعض الناس يظنون أن هذا الاتحاد لن يقوم، وكان إيماننا عكس ما ظن به الناس وبذلنا الغالي والثمين في سبيل هذا الاتحاد.
وأعتقد أن الأمل في قيام دولة متحدة على أرض الخليج كان أمل كل الدول العربية لأننا نؤمن أن الاتحاد قوة، وقوة هذه الدولة ليست قوة لأبناء هذه الدولة، بل هي قوة لكل أبناء الأمة العربية، وأنا أرى مستقبل هذه الدولة يتمثل أكثر ما يتمثل في مشاركتها الكاملة في كل ما يمت بصلة إلى الصالح العربي والخير العربي.
من هنا يتضح الفرق بين أصحاب الشعارات وأصحاب الإنجازات الذين يتحدثون ويعلنون بعد أن ينفذوا خططهم، ولذلك لم يجعل الشيخ زايد «رحمه الله» من الاتحاد موضوعاً معلنا إلا بعد أن أصبح حقيقة واقعة وبعد أن تأكد من أن كل المواطنين يدركون أبعاد البناء الجديد الذي يضمهم بالفعل.
وفي نفس حديثه، رحمه الله، إلى تلفزيون الكويت قال:(الحقيقة أن كل إنسان يقوم بعمل ما إنما يقوم به بقدر حاجته إلى هذا العمل، ونحن نعمل في كافة مجالات الاتحاد وشؤونه بقدر حاجتنا إلى تقوية هذا الاتحاد سواء كانت التقوية متعلقة بجيش الاتحاد أو باقتصادياته أو بعلاقاته الدولية، وأي قاعدة من قواعد الاتحاد تحتاج إلى تقوية فستقوى بقدر ما تحتاج إليه من دعم).
والاتحاد في نظره، رحمه الله، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهومه للقيمة الإنسانية، فهو يرى أن شرط نجاح أي موضوع قومي له صلة بالقيمة الإنسانية للجهة التي تتعامل فيه.
وفي هذا السياق قال للتلفزيون البريطاني في نفس شهر قيام الاتحاد: «إن الاتحاد يجب أن يشمل الصغير والكبير، والقوي والضعيف، وهدف الاتحاد أن يعتمد الصغير على الكبير، ولا خير في كبير لا يساعد الصغير، ما الفائدة من الكبير الذي لا يأخذ بيد الضعيف).
وعند سؤاله من مندوب مجلة روز اليوسف المصرية عن الخطوات التي تتخذ لذوبان الإقليمية بين أبناء الإمارات أجابه:« نحن نعتقد أن الإقليمية الوحيدة التي يحس بها المواطن في بلادنا هي انتماؤه للأمة العربية وللوطن العربي، وليست هناك مشكلة من هذا القبيل بين أبناء الإمارات، وقد يكون من الأفضل لو وضع السؤال عن الخطوات التي تتخذ لتعميق مفاهيم الوحدة عند الناس، وفي هذا المجال فإن أجهزة الدولة بكاملها تعمل، الإعلام عليه دور، الشباب عليهم دور باختلاطهم وتبادلهم الرأي، توصيل الخدمات إلى المجتمع له دور، ومن ناحيتنا فإن الدولة بوزاراتها الاتحادية تهتم بكل الإمارات على السواء، بل إنها تعطي اهتماماً أكبر إلى المناطق التي تحتاج مزيداً من الاهتمام بغض النظر عن موقع هذه الإمارة. ليست عندنا مشكلة إقليمية بين أبناء الإمارات الذين استقبلوا جميعاً قيام الاتحاد بالحماس الشديد إيماناً منهم بكل ما يمكن أن يعبر عنه من معاني الاتحاد والوحدة بين أبناء الوطن الواحد الذين عاشوا ظروفاً واحدة ويتطلعون إلى ظروف مشتركة أفضل ».
من هنا كان حرص الشيخ زايد«رحمه الله » على المساواة بين أبناء الإمارات في الحقوق والواجبات، إذ أن الإحساس بالعدالة الاجتماعية شرط أساس للانتماء الذي يعد بدوره القاعدة الراسخة التي يقوم عليها الاتحاد، ذلك أن أهدافه تتمثل في الحفاظ على استقلاله وسيادته وعلى أمنه واستقراره ودفع كل عدوان على كيانه مع توفير الحياة الأفضل لجميع المواطنين.
التوجه الوحدوي العربي
كان الشيخ زايد«طيب الله ثراه » يرى أن التضامن العربي عندما يتحقق على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي فإنه يتحول إلى مركز ثقل يحسب له الآخرون كل حساب لأن عالم اليوم لا يعترف إلا بالقوي الذي يمكن له أن يصل إلى حقه. وقد جاءت هذه الدلالة في حديثه إلى مجلة الحوادث اللبنانية في نوفمبر 1977 حيث قال:« إن سياسة أي بلد كالميزان لا يمكن أن يعتدل إلا إذا توازن عليه الثقل من الجانبين، ولكن أين هو الضغط العربي؟ لو أن العرب يدا واحدة لكان الوضع مختلفاً، ولكن السور الذي يحمي العرب هدموه بأيديهم فتسللت اليهم الذئاب، واليد الواحدة لا تصفق، وقد تحدثنا دائماً عن ضرورة التضامن العربي وتكلمت في الصحف وفي اجتماعات الملوك والرؤساء العرب وأرسلت رسلاً تحمل ما نؤمن به وما استقر في شعورنا وقلوبنا، فأنا أومن أن العرب لن يصبحوا أقوياء ولن يقف معهم أصدقاء إلا إذا اتحدوا، لأن المجموعة هي التي تستطيع أن تعاقب وأن تكافئ ».
وهنا وضع، رحمه الله، يده على الجرح حيث كان التضامن العربي يمر في حالات تقدم وتراجع وهذا ما جعلهم مطمعا للآخرين، ومن هنا كانت سعادته لا حدود لها بأي خطوة إلى الأمام ويعمل على تدعيمها بصرف النظر أين موقع هذه الخطوة على خريطة العالم العربي، لأنها كما يرى كفيلة بأن تؤدي إلى خطوة مماثلة في موقع آخر.
وفي هذه اللمحة يقول:« إننا نفرح ونسر كلما سمعنا أنباء تآزر أشقائنا العرب، بل إن هذا التلاقي والتعاون هو أمنيتنا الكبرى، والذي لا يفرح لهذا التلاقي لا يمكن إلا أن يكون جاهلا ً أو صاحب مصلحة معادية للعرب».
ومع وقوف الشيخ زايد، رحمه الله، ضد التناقضات فقد كان يؤيد التنوع والتعدد، ويقول في هذا لصحيفة المجالس الكويتية في أبريل 1977:« إن الخلافات في وجهات النظر هي دلائل صحة وعافية، فلولا اختلاف الآراء ومن ثم المناقشة الموضوعية، فإنه لا يمكن التوصل إلى الرأي السليم والاجتهاد الصائب، ومهما يكن من أمر فلا خلاف بيننا ».
وهذا هو التنوع المتجدد الذي كان يدعمه، رحمه الله، أما الصراع فيقف له بالمرصاد ولا يتأخر عن بذل كل جهد ليقوم بدور رجل السلام الذي يدرك أن التوتر والنزاع والاشتباك يبدأ صغيراً ثم يكبر إن لم يجد من يوقفه، ويؤكد، رحمه الله، هذا الموقف في منتهى الوضوح في الحديث نفسه قائلاً:« إن طموحي الدائم هو أن أصلح ذات البين بين أخواني العرب وأنني ادعوهم إلى التكاتف والتآزر ونبذ أسباب الفرقة والخلاف، فنحن كلنا نعرف أن وحدة الصف والكلمة ضرورة قومية ملحة، وإنني أرجو أن تتكاتف الجهود بين الجميع وأن تتقارب وجهات النظر باستمرار».
وبهذه المرونة الواعية في الموقف تجنب، رحمه الله، سابقا أيه حساسية كان يمكن حدوثها في أي حدث، فنجاح أي مشروع قومي رهن برضى جميع الأطراف المعنية عنه حتى يسير كل شيء في مساره الطبيعي، ولعلها أيضاً السبب الرئيس في نجاح تجربة الاتحاد في الإمارات التي جاءت تلبية لرغبات وآمال كافة الأطراف التي وجدت فيها قوتها وتطورها وانطلاقها إلى آفاق المستقبل في وقت قياسي غير مسبوق، وأصبح الاتحاد بالتالي حياتها ومسؤوليتها.
وقال الشيخ زايد، رحمه الله، في أكتوبر 1975 في حديث للصحافة المحلية:«لقد قلت من قبل إننا نخوض تجربة الاتحاد ولم يسبق لنا أن مارسنا هذه التجربة، ونحن بأنفسنا الذين رسمنا خطة الاتحاد لا عن خبرة بل عن إيمان بأمتنا، إيمان بالوطن وإيمان بضرورة الوحدة ورغبة في تحقيق المصلحة التي لا تدرك إلا بالاتحاد. الاتحاد هو الاستقرار، هو المصلحة، هو السعادة، وهو إذا لم يشمل مصلحة المواطنين جميعاً فكيف يكون».
والوعي الوحدوي عند الشيخ زايد «رحمه الله» كل لا يتجزأ لأنه يستخدم المفهوم نفسه في تعامله مع المواضيع العربية سواء على مستوى الإمارات أو منطقة الخليج أو الوطن التربي بشكل عام، ومن هنا كان الاتساق الفكري والوطني والقومي هو ما يميز الوعي الوحدوي لديه، فكل تضامن في بقعة عربية كان يعتبره قوة وطريقاً لوحدة أشمل تكون قادرة على مواجهة التحديات التي كان الوطن العربي يواجهها على الدوام أكثر مما كان يواجهه جيل الآباء من قبل.
وفي حوار مع الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصري الأسبق في شهر يناير 1972 قال: «لقد واجه أسلافنا بلا شك في الماضي تحديات وقوى معادية واستطاعوا أن يتغلبوا عليها، وفي الوقت الحاضر فإن القوى التي نواجهها قوى ضخمة وذلك يستدعي منا جميعاً الحرص على كياننا للحفاظ على ماضينا الذي يشير بالمجد والفخر، وهذه هي مسؤولية يتحملها الآن الملوك والرؤساء العرب، وعلى كل منهم أن يصلح بينه وبين أخيه حتى يقوى العرب، وإذا كانت هناك القوى العربية فلا بد أن تنتهي هذه المشاكل حتى يمكن توحيد القوى العربية وبحيث يصبح كل منا كالوالد الحريص على أبنائه، إن العرب لن يصبحوا أقوياء إلا إذا تمت تصفية أية خلافات أو اصطدامات بينهم، ومن هنا فإنني أدعو إلى لقاءات عربية مخلصة لتصفية أية خلافات بيننا».
ولدلك حرص الشيخ زايد «طيب الله ثراه» على أن تقوم دولة الإمارات العربية المتحدة بدورها الفعال قي توحيد الجهود والطاقات العربية منذ قيامها سواء عن طريق الجامعة العربية أو المحافل الدولية أو الاتصالات الثنائية إيمانا منه أن مصير هذه الأمة واحد، وسوف تلتقي على كلمة سواء عاجلا أم آجلا، فهذا هو الطريق الوحيد أمامها، ولعل وحدة العمل الخليجي من خلال مجلس التعاون تمثل نموذجاً عملياً لهذا التوجه الوحدوي للشيخ زايد «طيب الله ثراه» وأصبحت حقيقة تتجاوز كافة الأمور الشكلية مع الحاجة إلى بعض التأني حتى يتأكد للجميع أن الوحدة في مصلحتهم وأن الفرقة ضد الجميع. وعلى الرغم من النكسات والهزات التي أصابت التضامن العربي إلا أنه، رحمه الله، لم يفقد إيمانه وثقته بإمكان تحقيقه في المستقبل استنادا إلى الدروس المستفادة من التاريخ وتأكيدا للخصائص الأصيلة لأمتنا العربية. وفي حديثه إلى وفد الإعلام المصري شهر أكتوبر 1975 قال:«إن التضامن العربي يواجه بين وقت وآخر بعض الهزات والزوابع ولكنها تمر عليه ويبقى التضامن ثابتاً وراسخاً، ورغم ان اليأس قد يدب في نفوسنا في فترات معينة فإن تآزرنا سرعان ما يشتد ويصبح أفضل مما كان وعندنا من التجارب ما يدل على ذلك، ومن هذه التجارب يخرج الإنسان بالكثير من الدروس المستفادة».
وخير ما يلخص المنظور الوحدوي في فكر الشيخ زايد، رحمه الله، إجابته على سؤال لمندوب المستقبل التي تصدر في باريس في شهر يونيو 1981: «يتهمني الناس بأني وحدوي، طبعا أنا وحدوي لكني لا أفرض هذه الوحدة على أحد. إنني أرغب بالوحدة، عندما تجتمع مجموعة من الرجال يتبادلون الرأي ويتوصلون بقناعة تامة إلى أن الوحدة هي أمر لصالحهم، هذا هو ما نريد فكل منا له رأي ربما يختلف عن رأي الآخر، نتبادل هذه الآراء ونستخلص منها الجوهر، هذه هي ديمقراطيتنا في الوحدة).
من هنا تتجسد فلسفة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، الوحدوية أن كان في دولة الإمارات أو على مستوى الوطن العربي الذي تجلت صوره الحاسمة في الوقفة العربية الشجاعة مع مصر وسورية في حرب أكتوبر 1973كمن فتح معهما جبهة ثالثة، ودعوته لعقد قمة عربية لبحث الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت خمسة عشر عاماً أتبعها بإرسال مجموعة من قواتنا المسلحة ضمن قوات الردع العربية ثم بمساعدة مالية عاجلة من 500 مليون ليرة لبنانية في ذلك الوقت، مرورا برفضه الحصار الاقتصادي على العراق الذي امتد ثلاثة عشر عاماً، وغير ذلك من الشواهد كثير، ولا أجد ما أنهي به هذا السرد حول البعد الوحدوي في فكر زايد، رحمه الله، أصدق ما قاله في مجلسه أوائل عام 1990 حين قدم له أحد المستشارين حجراً من سور برلين الذي تحطم وأعاد بناء ألمانيا موحدة:«أتمنى أن تتكسر جميع الحواجز بين الدول العربية، ولو أن اثنين من العرب اتحدا لكنت ثالثهما».