صحيفة الاتحاد

رأي الناس

عودة الأسد البرتقالي «1 - 2»

1
حاولت أن أتمالك نفسي وأظهر بحلة مليئة بالثورية وأنا أتابع حفل افتتاح المونديال الروسي 2018 ولكنها كانت لحظات قصيرة، من بعدها أجهشت بالبكاء.
نسيت أن الثورية مصطلح غريب في عالم الكرة وأنه لا علاقة تربط الخبز وجيفارا والفقراء بالكرة من الناحية الفكرية والفلسفية. ربما عملياً هنالك علاقة وثيقة، فالكرة العالمية أداة رأسمالية لجني الأرباح، والفقراء في أفريقيا وأميركا اللاتينية يمارسونها بغرض الترفيه والمتعة كتعويض عن مرحلة البؤس والحرمان. فمحاولة النسيان التي جسدت شخصيتها لن تعيش وسترحل مع صافرة الحكم، وإن الدموع لن تحل عقدة هولندا في كأس العالم، فبالأمس وصلت إلى المباراة النهائية في ثلاث مناسبات 1974 و1978 و2010 وخسرت، واليوم لم تتأهل لأنها لم تتخطّ حاجز التصفيات الأوروبية واكتفت بالحلم على حدود موسكو وستالينغراد وسان بطرسبورغ.
أغلقت التلفاز أشعلت سيجارة وجلست في زاوية ضيقة كي لا أرى ظل الحلم، ونظرت إلى الجدار على اليسار، 3 صور لثلاث أساطير حقيقية أعشقها بجنون، صورة لأبي العظيم، وأخرى لجيفارا، والأخيرة لمنتخب الطواحين البرتقالية! كل صورة لها حكاية، وكل حكاية لها بعد يتخطى الروح والجسد والقلم والحرف.
المجد لأبي العظيم
المجد لجيفارا
المجد للطواحين البرتقالية!

2
ورثت عشق المنتخب الهولندي عن أبي العظيم، فلقد كان يحدثني دائماً عن يومياته في كأس العالم 1974 و1978، أسماء اللاعبين والملاعب والمدن والصحف والمجلات الرياضية التي كانت تواكب الحدث. وفي مرحلة الطفولة كنت أشاهد بعض المباريات برفقته، منها المباراة النهائية التي جمعت هولندا والاتحاد السوفييتي في نهائي كأس الأمم الأوروبية 1988، والتي انتهت بتتويج المنتخب الهولندي بطلاً لأوروبا. حمل حينها رود غوليت وفان باستن الكأس، رأيت السعادة والبهجة على ملامح أبي العظيم، حينها حملني على كتفيه وجال بي جميع أركان البيت وهو يصرخ: هولندا.. هولندا.
ما زلت أتذكر طيف الصورة وأشعر بجمالها ونقائها وسحرها في أعماق روحي وقلبي، كبرت وكبر عشق هولندا معي، وفي المباراة التي جمعت هولندا ويوغسلافيا في أمم أوروبا 2000، والتي انتهت لصالح الطواحين البرتقالية، صافحت أبي العظيم وقلت له ما إن تفز هولندا يوماً ما بكأس العالم أو كأس الأمم الأوروبية سأعيد رسم المشهد من جديد، وسأحمل أبنائي على كتفيّ وأجول بهم كافة أرجاء البيت وأصرخ هولندا.. هولندا.
ضحك أبي العظيم وقال لي:
كلام شرف ابني؟
قلت له:
كلام شرف..
مضت سنون ولم تحمل هولندا الكأس، لكن العهد مازال في دهاليز الذاكرة، فهو عقد سرمدي بين الأب والابن، ومتى ما تحقق الحلم سأرد الدَّين لأبي العظيم. وإن حدث ولم تتح الفرصة لي لفعلها في قادم السنين فقد وضعت العقد في عهدة أبنائي، وهم ملزمون بتنفيذه، فليحملوا حينها أحفادي على أكتافهم ويجولوا بهم أركان البيت ويصرخوا: هولندا.. هولندا، لعلي أعيد جزءاً من فاتورة الطفولة والمراهقة والرجولة لأبي العظيم.
فالعهد كالمبادئ لا خروج عنها إلا بالخروج من الحياة... (يتبع)
إيفان علي عثمان