الاقتصادي

اقتصاديات صناعة التقليد

«الناس تصنع أحياناً المال بالتزوير، لكن المال أيضاً يصنع أناساً مزورين»
سيدني هاريس، كاتب أميركي راحل

من أكثر أعمال الاحتيال نمواً على مستوى العالم، هي تلك التي تختص بالبضائع المقلدة. إنها منتجات شملت كل شيء، حتى الدواء والسلاح والسيارات وغيرها، بحيث تبدو حقيبة اليد المقلدة والساعات والإلكترونيات والعطور، أشياء بسيطة، أقل خطراً وخسائر للاقتصادات الشرعية حول العالم. وفي العقدين الماضيين، نما سوق المنتجات المقلدة بصورة بلغت حداً أنها أثرت سلباً على الموازنات العامة في بعض الدول، ليس فقط من جانب العوائد المالية، بل أيضاً من ناحية البطالة.
كثير من المصانع وجهات الإنتاج الشرعية، رفعت حقاً الأعلام البيضاء استسلاماً، لأنها ببساطة لا تستطيع المنافسة في هذا «القطاع»، بصرف النظر عن معايير الجودة والصحة والأمان، وغير ذلك.
وفي الوقت نفسه، وجدت بعض الحكومات نفسها شبه عاجزة في حربها ضد هذا التقليد الاقتصادي المدمر.
الأرقام مثيرة على الساحة الأوروبية، وهي كذلك خارجها، لاسيما عندما نعرف أن البضائع المقلدة تكلف اقتصاد الاتحاد الأوروبي سنوياً ما يصل إلى 60 مليار يورو سنوياً! وفقاً لمكتب أوروبا للملكية الفكرية. والمثير أيضاً أنها (أي البضائع)، تنال من 13 قطاعاً أوروبياً، في وقت يتطلب الحال دعمها أو توفير تسهيلات لهذه القطاعات.
ليس ذلك فحسب، بل إن المنتجات المقلدة تطرد (أوروبياً أيضاً)، 435 ألف شخص من وظائفهم! وهذا ما يخيف الحكومات الأوروبية التي تسعى (مثل غيرها) لتوفير فرص عمل بكل ما تستطيع من قوة.
والأمر بالقاتمة نفسها على صعيد بقية الدول غير الأوروبية، خصوصاً تلك التي تتمتع باقتصادات جيدة أو قريبة من هذه الدرجة.
الخسائر جراء ذلك تشمل كل الجوانب، بما في ذلك تلك «الهاربة» من جداول الضرائب، الممول الرئيس للموازنات العامة. هناك تحركات لا تتوقف من أجل الحد من «صناعة التقليد»، إلا أنها تظل دون مستوى نشاط المزورين الذين يتمكنون (فعلاً) من ابتكار وسائل تضمن حراكهم التجاري -الصناعي المشين.
حتى إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وضعت هذه المسألة على رأس أولوياتها في «التخاصم» التجاري مع الصين، وغيرها من البلدان المتهمة بإنتاج البضائع المقلدة.
ولا يبدو أن هذه البضائع ستتوقف أو حتى ستتقلص في المدى المنظور. ففي قلب مدينة كلندن تجدها في أهم الشوارع التجارية، وكذلك الأمر في المدن الغربية الأخرى. الواضح هنا أن أدوات الحرب عليها صارت صدئة، ما دفع مسؤولون غربيون للمناداة لعقد قمة لمعالجة المسألة.
إنها معضلة حقيقية بالفعل، وترتفع مخاطرها باستمرار، ولا يمكن حلها إلا بالتفاهم مع الحكومات التي توفر الملاذات الآمنة لها، علماً بأن البلدان المتهمة بإنتاج البضائع المقلدة، ليست مهتمة كثيراً في الجانب القانوني أو حتى الأخلاقي، طالما أن الإجراءات التي اتخذت ضدها بهذا الخصوص دون المستوى الذي يضربها اقتصادياً. في مثل هذه القضايا لا تنفع المواجهات، لا سيما إذا كانت الأدوات قاصرة.