إمارات الخير

مؤسسات تعليمية تغرس الخير في نفوس الطلاب

أحمد السعداوي (أبوظبي)

غرس ثقافة حب الخير لدى صغار السن من طلاب المدارس، واحدة من أهم الأدوار التي تقوم بها المؤسسات التعليمية المختلفة، تزامناً مع مبادرة «عام الخير» التي تعيش أجواءها الدولة هذه الأيام، وهذا الاهتمام بالصغار اعتماداً على أن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، وكلنا يعرف هذه المقولة ويؤمن بها إيماناً راسخاً، والمقصود بها ليس فقط تعليم المناهج العلمية داخل المدارس ومؤسسات التعليم المختلفة، وإنما يمتد ذلك إلى تعلم السلوكيات النافعة للفرد ومجتمعه، وهو ما تحاول المدارس العمل عليه عبر الجهود التي يقوم بها مسؤولو المدارس من إداريين وتربويين يحملون على عاتقهم غرس المبادئ السلوكية النافعة لدى الطلاب، وعلى رأسها حب الخير الذي يدرب صاحبه على الإيجابية والعطاء، وبالتالي ينشأ ملازماً لهذه الصفات عبر مسيرة حياته.

أنشطة مدرسية
يقول الخبير التربوي عدنان عباس، نائب مدير عام مدارس النهضة بأبوظبي، إن الأنشطة المدرسية تلعب دوراً كبيراً في تكريس ثقافة فعل الخير عند الطلاب، خاصة في المجتمع الإماراتي، لأنه في الأصل قام على فعل الخير، وهناك دوماً في أعلى مستويات الدولة، إطلاق دائم لمبادرات متنوعة ومفيدة، ومنها مبادرة عام القراءة العام الماضي، ومبادرة عام الخير التي نعيش زخمها حالياً، وهذا الدور الإنساني للمجتمع معروف محلياً وعالمياً، ومن الطبيعي أن تهتم المدارس بتأكيد هذا الدور بين جدرانها وعبر الأنشطة المختلفة التي تنظمها المؤسسات التعليمية. والعمل على التكامل مع التوجه العام للمجتمع فيما يتعلق بموضوع الخير. وعلى سبيل المثال، يمكن أن تقوم مبادرات داخل المدارس بتعريف الطلاب بأن هناك أشخاصاً آخرين في حاجة إلى مساعدتنا، سواء مساعدة مادية أو معنوية، وذلك عبر تيسير عدد من الرحلات المدرسية إلى المستشفيات أو إلى دور الأيتام أو إلى مراكز ذوي الإعاقة، وفتح باب للتواصل بين الطلاب وهذه الفئات المجتمعية.

نوازع الخير
ويلفت عباس إلى أن التبرعات قد تأخذ شكلاً مادياً أحياناً بدفع مبالغ رمزية، ولو درهم واحد، وتجميع هذه المبالغ تحت إشراف الجهات المعنية في الدولة مثل «الهلال الأحمر» أو غيرها، ثم توجيه هذه الأموال لأغراض إنسانية، بعد تعريف الطلاب بأن هناك أسراً وأفراداً يحتاجون للمساعدة، ومثل هذه المبادرات تقوي بلا شك بشكل عملي وفعال نوازع الخير لدى الطلاب، وتكسبهم كثيراً من السمات الإيجابية التي تنعكس على سلوكياتهم بشكل واضح وعلى طريقة تعاملهم في الحياة، وليس بالضرورة أن تكون هذه المساعدات مادية، بل يمكن للطلاب أن يقدموا وردة أو قلماً أو أي هدية بسيطة، أو مجرد ابتسامة تحمل رسالة للآخر تحمل معنى «أني معك وأشعر بك»، لأن مجرد صنع الابتسامة على وجه آخر بحد ذاته فعل خير، وهي الثقافة التي نسعى لتعزيزها في نفوس أبنائنا.
ويذكر عباس تجربة حية داخل المدرسة، قام الطلاب من خلالها بتجميع مبالغ بسيطة تم تحويلها إلى دراهم معدنية، تم رسم خريطة الإمارات بها، وبعد اكتمال رسم هذه الخريطة بمبلغ كبير من المال بتبرعات الطلاب من مصروفاتهم الشخصية، تم توجيه المبلغ إلى الوقف الخيري في الدولة، وهي تجربة رائعة استفاد منها الطلاب والطالبات الذين شاركوا فيها.

قيمة إسلامية
من ناحيتها، تقول سهى الرفاعي، المعلمة بمدرسة المنهل الدولية الخاصة في أبوظبي: إن حب الخير في الأصل قيمة إسلامية رفيعة، لابد أن يتعلمها الجميع، ويجعلها سلوكاً يومياً في حياته، لأنها تكسب الفرد كثيراً من السمات الصالحة التي يسعى التربويون إلى غرسها في نفوس الطلاب، خاصة صغار السن، وغالبية هذه السمات تكتسب بسهولة حين يعتاد الفرد عمل الخير، ومن هذه السمات التعاون وحب الغير وتقدير الآخر واحترامه بغض النظر عن أي مظهر أو شكل خارجي أو حالة اجتماعية، ويجب التركيز بشدة على الطلاب في المراحل العمرية المبكرة، لإكسابهم سلوكيات فعل الخير لأنها تعالج كثيراً من السلوكيات السلبية التي ربما يعانيها الأطفال في هذا العمر، مثل حب الذات، قلة الثقة بالنفس أحياناً، الشعور بالاكتفاء الذاتي، تدليل الوالدين المبالغ فيه، حيث إن أي شيء يراه الطفل في خارج المنزل يريد مثله، خاصة في ظل المستويات المادية الجيدة التي تعيشها الأسر في المجتمع الإماراتي، سواء من جانب المواطنين أو الوافدين.
وتؤكد الرفاعي، أن الاهتمام بغرس قيمة فعل الخير ينبغي أن يكون منهجاً أساسياً وأسلوباً تربوياً سائداً في جميع المراحل العمرية المبكرة للطلاب، وذلك من خلال تعويد الطالب على مشاركة زملائه في تناول الوجبات وممارسة الألعاب المختلفة، وتكون هذه البداية الصحيحة ليعرف الطفل أن هناك آخرين محيطين به، يجب أن يحترمهم ويتبادل معهم ما هو في حوزته، وبعد ذلك يمكنه ممارسة هذا السلوك على نطاق أوسع خارج المجتمع المدرسي.

تشجيع الأبناء
الاختصاصية الاجتماعية غادة محمد، تورد أنه لابد من زيادة دافعية الطفل لعمل الخير، لأن الطفل مهيأ لعمل الخير بطبيعة نموه، فلا بد من مراعاة نمو الطفل واحتياجاته عندما نوجهه، ومنها عندما يقوم أحد الوالدين بعمل خير بصحبة ابنه، فمثلاً عندما يدفع ولي الأمر صدقة يشجع ابنه على القيام بعملية الدفع وتسلم الإيصال، ونطلب منه عندما يجمع عدداً معيناً من الإيصالات في مرات مختلفة، سنعطيه جائزة قيمة أحد الإيصالات أو نصحبه ليوزع زجاجات الماء على العمال، وعندما ينتهي من توزيعها نشتري له الحلوى التي يحبها، كما نشجعه على القيام بعمل الخير مع زملائه، وكلما أثبت أنه قام بعمل خير نضع له نجمة في لوحة مخصصة له في البيت، حتى يكتمل عدد معين نشتري له لعبة يحبها، كذلك يجب أن ننوع في أنشطة الخير ونشرحها للطفل، ونبين أننا نعيش في مجتمع، وأن الذي يعمل خيراً ينتفع به الغير سيعود عليه وعلى مجتمعه بالخير، فمثلاً نطلب منه في المدرسة بتوجيه نصيحة لزملائه عن عمل الخير في الإذاعة المدرسية أو ننظم رحلات إلى مراكز التطوع أو نقوم بزيارة مريض، كذلك عمل المسرحيات التي تشجع على الخير، ولابد أن نكرم الأطفال الذين يشاركون في الأعمال الخيرية، مع التركيز على أن للمدارس والإعلام ودور العبادة والآباء، دوراً مهماً في حث الأطفال على عمل الخير.

نعمة العطاء
ومن أولياء الأمور، تقول شكرية محمد (ربة بيت): إن وجود هذه المبادرات تفيد الجميع، وأولهم صغارنا، خاصة أن الكثيرين منهم لا يهتم سوى بتلبية احتياجاته الشخصية بأي ثمن ولا يعرف قيمة الحياة الكريمة التي يعيشها، لكون كل طلباته مُجابة، في حين هناك أطفال مثله لا يتمتعون بهذه الحياة، بل ربما يعانون مشاكل مادية أو صحية أو اجتماعية، وحين يتعرف الطلاب على مثل هذه الحالات في مراحلهم العمرية المبكرة، سيشعرون بنعمة وقيمة العطاء وفعل الخير حين يرون الابتسامة التي يرسمونها على وجوه الآخرين، عبر مساهمتهم في فعل الخير، وهو الهدف والقيمة من وراء تعويد الطلاب على الخير في بداية حياتهم.