ثقافة

«سيوران».. تأملات وانشغالات في اليأس والعدم

محمود إسماعيل بدر (عمّان)

«لا أستوعب لماذا علينا أن نقوم بأعمال في هذا العالم، لماذا علينا أن نحظى بأصدقاء وتطلعات، أحلام وآمال، ألا يكون من الأفضل لو أن ننسحب إلى زاوية بعيدة معتمة عنه، حيث يكفّ إزعاجه وتعقيداته عن الوصول إلينا؟». تلك هي الطريقة التي عبّر فيها الفيلسوف والكاتب الروماني «إميل سيوران 1911 – 1995» الذي حلّت ذكرى وفاته في العشرين من يونيو الجاري، عن شكّه في جدوى الاستمرار في الحياة والتشبث بعالم غاضب مضطرب، ذلك الشّك الذي دفع النّقاد لوصفه بـ «أيقونة اليأس والعدم»، فهو ابن حقبة أفول القيم في أوروبا بامتياز، تلك المرحلة المتوترة في مسار الحضارة الغربية.
إميل سيوران، كاتب الشذرات الفلسفية – الشعرية، وقد ترجم الشاعر التونسي آدم فتحي كتابا لسيوران عن الفرنسية بعنوان «المقايسات والمرارة»، الصادر عن منشورات غاليمار الباريسية، مختاراً له عنواناً آخر في العربية «المياه كلها بلون الغرق»، وهو في هذا التبديل في العنوان، يميل إلى الصبغة الشعرية للكتاب، ولكتابة سيوران عموما، على حساب الصبغة الفلسفية، وفي مقدمة الترجمة يصف آدم فتحي، صاحب «المقايسات والمرارة» بأنه عاشق الحياة الانتحاري بامتياز، مشدداً على أننا في عصر الكذب والقوة نحتاج إلى كاتب مثله.
ولد سيوران في راسيناري في مقاطعة سيبين، التي كانت جزءا من النمسا والمجر، في ذلك الوقت، وكان والده «إيميليان سيوران» كاهناً أرثوذكسياً، ووالدته «إلفيرا» في الأصل من فينيزيا دي خوسيه، وهي بلدته بالقرب من فاجراس، كما ورد في سيرته الذاتية كان للتشاؤم واليأس جذوراً عميقة في مرحلة طفولته، حيث كان يعشق الذهاب إلى المقبرة، ويصادق القبور، ويحفظ ما يكتب عليها من كلمات، متأثرا فيما بعد بالفلاسفة الألمان أمثال شوبنهاور، ونيتشه، وبعض الكتاب الرّوس من أمثال المسرحي أنطون تشيخوف، روزانوف، فيودور دوستوفيسكي، والشاعر الروماني أمينيسكو، حيث كتب سيوران تأملات غنائية كانت تميل طبيعتها في الغالب إلى الميتافيزيقية والماورائية، وتطرقت في مواضيعها المتكررة إلى الموت واليأس والعزلة والتاريخ والصوفيين. في كتابه «مثالب الولادة»، وعرف في ترجمات أخرى بعنوان، «في مساؤى أن يكون المرء قد ولد»، يلتقي تشاؤم سيوران مع تشاؤم لوتر يامون، وتتقاطع وجوديته مع وجودية سارتر، لكن كتاباته على العموم، هي مجمّع أفكار يسجّلها قبل أن تدهمه فكرة أخرى، كونه في شغله الإبداعي يتابع الأفكار، كمن يلتقط الفراشات واليعاسيب في فضاء حقل متاح لتحليق الأفكار الشريرة والخيّرة.