الرياضي

البطل.. أسباب الرحيل المبكر!

أمين الدوبلي(أبوظبي)

لا توجد ثوابت في كرة القدم، فالتاريخ لا قيمة له أحياناً داخل المستطيل الأخضر أمام الجهد والعرق.. الثوابت ليس لها وجود في عالم التحدي المتغير مع الساحرة المستديرة، هذا ما حدث بالضبط مع منتخب ألمانيا العريق.. بطل النسخة السابقة في البرازيل 2014، حيث ودع البطولة من الباب الضيق مساء امس الأول، وسط ذهول الجميع، خرج الألمان لأول مرة من الدور الأول (دوري المجموعات) منذ 80 عاماً، خسر من منتخب كوريا الجنوبية الذي يعد أول منتخب آسيوي يهزم ألمانيا في التاريخ، كان آخر خروج لألمانيا في المونديال من الدور الأول في النسخة الثالثة من البطولة، عندما خسرت أمام سويسرا في 2/‏‏‏‏‏ 4 يوم 9 يوليو 1938، ولكن سقوط البطل المذل، والخروج المبكر من دور المجموعات لم يحدث مع المنتخب الألماني وحده، حيث إنه أصبح تقليداً في آخر 12 سنة، حيث حينما كان المنتخب الازوري بطلاً في نسخة 2006، وسقط من الدور الأول في النسخة التي تلتها بجنوب افريقيا في عام 2010.
لعب الآزوري في المجموعة التي تضم كلاً من باراجواي وسلوفاكيا ونيوزيلندا، وتعادل مع كل من باراجواي ونيوزيلندا، ثم خسر من سلوفاكيا. وفي بطولة 2010 فاز منتخب إسبانيا باللقب، واحتفلت جماهيره لأول مرة في التاريخ بالبطولة مع جيل العباقرة و«التيكي تاكا»، ولكنه سقط من دون مقدمات في النسخة الماضية بالبرازيل، عندما وقع في المجموعة التي تضم هولندا وتشيلي وأستراليا، فخسر من هولندا في أول ظهور للبطل بخماسية مقابل هدف، ثم خسر من تشيلي 1 /‏‏‏‏‏ 2 في المباراة الثانية، وفاز في المباراة الثالثة الشرفية بثلاثة أهداف على أستراليا.
الغريب في الأمر أن فرنسا بطلة 1998 حدث معها نفس الأمر قبل 20 عاما، ففي النسخة التي تلتها مباشرة في 2002 ودعت البطولة من الدور الأول، حينما وقعت في المجموعة التي تضم الدنمارك والسنغال الأوروجواي، وكان الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هو منتخب البرازيل بطل 2002 الذي عبر دور المجموعات، ثم دور الـ16، ولكنه تعثر وودع البطولة في ربع النهائي أمام فرنسا.
وحول تلك الظاهرة يقول الدكتور عبداللطيف بخاري، أحد أقطاب الكرة السعودية وعضو مجلس الإدارة السابق، وصاحب الدراسات الاستراتيجية في كرة القدم، أن هناك أكثر من جانب مؤثر في نتائج مباريات كرة القدم، إلى جانب المستوى الفني والمهارات واللياقة البدنية والجمل التكتيكية، والخطط التي يضعها المدرب ويقوم بتنفيذها اللاعبين، مشيرا إلى أن اللاعب يتأثر بـ 3 عناصر هي الفكر والمشاعر والنواحي النفسية، وهذه العوامل الثلاثة تكون عرضة للضغوط الاجتماعية والاقتصادية والعائلية والوطنية أيضاً، بمعنى أنه يتأثر بالضرورة بالشعور الجمعي للمجتمع الذي ينتمي إليه، وينعكس ذلك في النهاية على مستواه في الملعب.
وقال: هناك خطأ يتكرر كل مرة مع البطل، مهما كان هذا البطل، سواء بطلاً للدوري المحلي، أو بطلاً للقارة، أو بطلاً للعالم، هذا الخطأ يتمثل في أن الإعلام الرياضي بمختلف وسائله يتعامل مع البطل بكثير من المبالغة، بما يترك أثراً انطباعياً لدى الآخرين والمهتمين بأنه لا يقهر، وأنه غير قابل للسقوط، وهذا أمر خاطئ، لأن البطل مطالب بأن يعمل دائماً حتى يستمر بطلاً، خاصة أن الاختبارات والتحديات كبيرة، ومتوالية، وأن المنافسين مختلفون في التكوين والنفسي والبدني والذهني والقتالي والفني.
وأضاف: المنافسون في كرة القدم نوعان، النوع الأول، هو الذي يدخل المباريات أمام البطل خائفاً ومنهزماً، وفي الغالب هذا لا يحقق نتائج إيجابية ضد البطل، لأنه لا يملك الثقة بالنفس، والنوع الثاني هو الذي يدخل المباريات معلناً التحدي، ويعتبر الفوز على البطل بطولة في حد ذاتها، وهذا هو النوع الغالب من المنافسين، حيث يقاتل بعنف، ويحقق الفوز على البطل، وهذا ما حدث مع ألمانيا.

في السياق نفسه، يقول جمال عبدالحميد كابتن منتخب مصر في مونديال 1990 إن الكرة مستديرة بمعنى أنها تعطيك يوماً وتأخذ منك اليوم الثاني، مشيراً إلى أنها لعبة جماعية، وبالتالي فهي لا تتوقف على شخص واحد، بل على منظومة متكاملة من إدارة ولاعبين ومدرب وأجواء عامة، وحالة نفسية وبدنية وذهنية، وأن الحالة الذهنية لها تأثير كبير على اللاعب، خصوصا إذا كان فريقه بطلاً، لأنه توجد ظاهرة في كرة القدم تسمى «نظرية الهضبة»، وهذه الظاهرة منطقية وطبيعية جدا، بمعنى أنك عندما تصل إلى قمة الهضبة، وتحقق أعلى البطولات، لابد أن تبدأ في التراجع، والأمر نسبي في هذه الحالة، فهناك من يتراجع سريعاً، وهناك من يحتفط بالبطولة لفترة أطول، وكان على لوف ولاعبيه وجهازه الفني أن يدركوا خطورة هذه الظاهرة، ويتوقفوا امامها طويلاً، وفي ظني أن منحنى السقوط الألماني بدأ بعد كأس العالم في البرازيل مباشرة، حيث لم يكن الأداء الألماني مقنعا في بطولة أمم أوروبا 2016 .
وأكد الحاي جمعة، مدرب فريق الرديف بنادي الوحدة، أن الوصول إلى القمة في الكرة صعب، وأن الحفاظ عليها أصعب، بمعنى أن المنافسين يدرسون أسلوب البطل، وينطلقون منه في البناء، في حين أن البطل يدرك أنه وصل إلى القمة، وتكون دوافعه في التجديد ضعيفة، مقابل دوافع كل الآخرين.
وواصل: «الأمر الثاني أن اللاعبين أنفسهم بعد أن يكونوا أبطالاً للعالم يصعب السيطرة عليهم من مدربهم، خصوصاً إذا كان هو الذي فاز معهم في البطولة السابقة، كما أن المدرب واللاعبين يقعون تحت الضغوط في النسخة التالية، سواء من الإعلام أو المدرب أو الجماهير، أو أسرهم أيضاً».
وقال: «ما حدث مع المنتخب الألماني، هو ما حدث مع إيطاليا وإسبانيا وفرنسا من قبل، اللاعبون شعروا بالاكتفاء، والضغوط نالت منهم، خصوصاً أن الأنظار كلها كانت مسلطة عليهم، كما أن الفوز على البطل دائماً من قبل المنافسين يكون له بريق خاص، بدليل أن كوريا الجنوبية لم يكن لها أمل في التأهل حتى لو فازت على ألمانيا، ولكنها اعتبرت الفوز وحده على البطل إنجازاً، ولذلك قدم منتخب كوريا أفضل عطاء له في البطولة في المواجهة الثالثة التي لم تغير شيئاً من موقفهم في الخروج من البطولة».