ألوان

علماء دين: الألعاب الإلكترونية «سُم» في عسل الترفيه

حسام محمد (القاهرة)

استحوذت الألعاب الإلكترونية على أجهزة الحواسب الآلية والجوالات على عقول واهتمام الأطفال والشباب، بل والكبار في بعض الأحيان ليس على مستوى العالم العربي فقط، بل وعلى مستوى العالم كله وقد انتشرت تلك الألعاب بسرعة كبيرة في شتى المجتمعات العربية حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، بل إن الطفل والشاب العربي أصبح يصطحب تلك الألعاب في كل مكان يذهب إليه وللأسف الشديد، فقد بينت الدراسات والإحصائيات أن ألعاب العنف والقتال بكافة أنواعها احتلت المرتبة الأولى في نسبة المبيعات في العالم العربي ومؤخراً انتشرت لعبة مخيفة هي لعبة الحوت الأزرق بين الشباب والمراهقين والتي تسببت في انتحار العديد منهم كل هذا يدعو إلى التساؤل حول وضع تلك الألعاب في ميزان الشريعة وكيف تتصرف الأسرة المسلمة لحماية الأطفال والنشء من خطورتها؟

الترويح مقبول
بداية يقول الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق عضو هيئة كبار العلماء إذا كانت تلك الألعاب يتم تسويقها على أنها وسائل للترويح عن النفس، فنحن لا نرفض ذلك شريطة ألا تخالف الضوابط الشرعية التي حددها الدين الإسلامي وتلك الضوابط لم يضعها الإسلام للتضيق على الناس، وإنما حتى لا تتحول وسائل الترفيه المباحة إلى سلوكيات ضارة على الفرد والمجتمع، وإن تفشي وانتشار الكثير من الألعاب الإلكترونية ساهم في نشر ظواهر سلبية عديدة في مجتمعاتنا والغرب نفسه بدأ يواجه نوعية الألعاب التي تنشر العنف بعد أن أشارت الدراسات إلى أن تعرض الأطفال المستمر لألعاب العنف والإثارة، مهما اختلفت ثقافتهم أو جنسهم أو أعمارهم، يكسبهم صفات كالعدوانية والانتقام، محذرة من أن ألعاب الأطفال التي تحتوي على مشاهد عنف قد تؤثر عليهم، وتتسبب في زيادة معدل ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم والتشنجات العصبية واضطراب معدل التنفس، خاصة عند التعرض لتلك الألعاب ليلاً قبل النوم ناهيك عن الآثار السلبية على جسد الطفل، وهي الأضرار التي وصفها الأطباء بالخطيرة كالإضرار بالعينين أو الأعصاب، وكذلك المؤثّرات الصوتية الضارة بالأذن. يضيف د. واصل: نؤكد من جديد على أن الإسلام لا يرفض الترفيه، إنما وضع ضوابط له وأهمها أن تخلو اللعبة من المراهنات وللأسف فهناك ألعاب إلكترونية عديدة دخلتها المراهنات مؤخراً، كذلك من أهم شروط إباحة أي لعبة ألا تصد عن ذكر الله وإقامة الفروض الدينية كالصلاة وغيرها أو الصد عن طاعة واجبة مثل بر الوالدين وغيرها وللأسف، فإن كثيراً من الألعاب تحولت إلى إدمان لدى النشء والشباب حتى أنهم يؤجلوا صلواتهم ولا يستجيبون لنداء والديهم خلال انغماسهم في اللعب، وهو ما يعني أن تلك الألعاب دخلت دائرة الحرام بعد أن أصبحت تلك الألعاب تستحوذ على الوقت استحواذاً مبالغاً فيه ولا بد أيضاً أن تخلو الألعاب من الحض على العنصرية والظواهر السلبية لهذا، فنحن ندعو إلى وجود ضوابط تربوية وأخلاقية وأسرية على تلك الألعاب وعلى الوالدين أن يختاروا ما يكون مناسباً للطفل في عمره، ولا يحتوي على ما يخل بدينه وصحته النفسية، كما أنه لا بد من تحديد زمن للعب، ثم يقضي باقي الوقت في ممارسة الأنشطة الأخرى المفيدة، وألا يكون اللعب إلا بعد الانتهاء من الواجبات المدرسية.

ترويج للعنف
من جانبه يقول الدكتور إسماعيل عبد الرحمن أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: يكثر في تلك الألعاب الكثير من الأمور التي تشكل تصرف الطفل والشاب بشكل غير سوي وهو ما ترفضه الشريعة الإسلامية، فمثلاً يكتسب الطفل والشاب من تلك الألعاب صفات المغامرة والتهور، ففي لعبة من ألعاب السيارات نجد اللاعب يقطع الإشارات ويخالف نظام المرور ويستهين بحياة البشر ويتمرد على رجال الشرطة ويعمل على الهرب منهم باعتبار أن تلك الأفعال من شيمة البطل داخل اللعبة، فنجده يطلق النار على الناس وعلى أفراد الأمن ويقتلهم وهو ما يعني أن مثل تلك اللعبة وغيرها تربي اللاعب على الاستهانة بالحياة الإنسانية وعدم الالتزام بالقوانين والغريب أن الألعاب تروج لذلك على أنه نوع من القوة والشجاعة والإقدام وهكذا يتربى الطفل على مجموعة من السلوكيات الخاطئة التي تساهم في هدم بنيان المجتمع في حال انتشارها ناهيك عن الألفاظ السوقية التي انتشرت في العديد من الألعاب الإلكترونية وللأسف تم دبلجتها باللغة العربية بألفاظ بذيئة وفي حال تعود الطفل والشاب المسلم على سماعها، فلن يمر وقت طويل إلا ويتعود على نطقها أيضاً والغريب أنه في الوقت الذي انتشرت فيه تلك الألعاب في المجتمعات العربية والإسلامية دون رقيب نجد الكثير من المجتمعات الغربية تحظر مثل تلك وتوقف انتشارها، خوفاً على أطفالهم ونحن لا نقول، إن الترفيه مرفوض في حد ذاته، فالإسلام دعا إلى الترويح عن النفس.
يضيف د. عبد الرحمن: باختصار، فإن الأصل في الألعاب إلكترونية أو غيرها الإباحة كنوع من أنواع الترفيه والترويح عن النفس طالما أنها غير متبوعة بالميسر أو القمار أو أن تؤدي إلى صراعات بين اللاعبين أو تلهي عن الصلاة وفروض الدين، وقد ثبت في الصحيحين أن الأحباش كانوا يلعبون بحرابهم عند النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فدخل عمر رضي الله عنه فأهوى إلى الحصى فحصبهم بها، فقال: له النبي صلى الله عليه وسلم: دعهم يا عمر، لكن على الجانب الأخر ينبغي أن يكون الترفيه فيما يفيد وينفع نفعاً معتبراً شرعاً كرياضة ذهنية أو بدنية تساهم في إكساب الإنسان المسلم الخبرة في أي من نواحي الحياة ولا بد أن يعي المسلم أن أهم ما يملكه هو الوقت، فالعاقل هو الذي يحرص على أن يشغله فيما ينفعه في الدنيا والآخرة ولهذا جاء التنبيه عليه من النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ»، ولهذا فيجب الحذر كل الحذر عند الانغماس في تلك الألعاب بحيث يكون الإنسان متوازناً دون ضرر أو ضرار.

رقابة أسرية
تقول الدكتورة هدى عبد الحميد أستاذ ورئيس الفقه بجامعة الأزهر: تؤكد الأبحاث العلمية والدراسات إنه في ظل غياب أجهزة الرقابة الرسمية على محلات بيع الألعاب الإلكترونية ومراكز الألعاب وعدم مراقبة الأسرة لما يشاهده أبناؤهم من الألعاب وعدم الوعي بمخاطر ذلك تسرب إلى مجتمعاتنا الكثير من الألعاب والبرامج الهدامة التي تروج لأفكار وألفاظ وعادات تتعارض مع تعاليم الدين وعادات وتقاليد المجتمع وتهدد الانتماء للوطن، كما تسهم بعض الألعاب في تكوين ثقافة مشوهة ومرجعية تربوية مستوردة وبعض الألعاب تدعو إلى الرذيلة والترويج للأفكار الرخيصة التي تفسد عقول الأطفال والمراهقين.
وأشارت إلى أن محتويات ومضامين بعض الألعاب الإلكترونية، بما تحمله من سلبيات وطقوس معادية ومسيئة للديانات وبالذات الدين الإسلامي، قد تؤثر سلباً على اللاعب أو المُشاهد، كما أن تعلق الأطفال والمراهقين بالألعاب الإلكترونية قد يلهيهم عن أداء بعض العبادات الشرعية، وبالذات أداء الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة في المسجد، كما أنها قد تلهيهم عن طاعة الوالدين والاستجابة لهم وتلبية طلباتهم.