ألوان

الزكاة «عبادة مالية» تحفظ أمن واستقرار المجتمع

أحمد مراد (القاهرة)

وصف علماء الدين الزكاة بأنها نظام سماوي لا تصلح الحياة الاجتماعية إلا به، حيث إنه يصلح العلاقة والحقوق بين طبقات المجتمع المختلفة، مؤكدين أن للزكاة دوراً بارزاً في تحقيق التكافل الاجتماعي بين الأفراد، من خلال غرس مشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد علاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات.
وأوضح العلماء أن الزكاة عبادة مالية شرعها الإسلام لسد الحاجة للفقراء والمحرومين لكي يمكنهم العيش وبما يوفر لهم الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وتعمل على إشباع حاجات الفقراء وتحقيق العدالة، والتي تعتبر من مقومات الأمن المجتمعي الذي يؤدي إلى الاستقرار والتماسك الاجتماعي.

فريضة إسلامية
الداعية الإسلامي، الدكتور خالد بدير، من علماء وزارة الأوقاف المصرية، أوضح أن الزكاة فريضة إلهية ونظام سماوي لا تصلح الحياة الاجتماعية إلا به، ويذخر القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم بنصوصٍ كثيرة تحث على الزكاة بين الترغيب في أدائها والترهيب من منعها، وإذا كانت الصلاة تصلح العلاقة والحقوق بين الله تعالى والمسلم، فإن الزكاة تصلح العلاقة والحقوق بين المسلم والناس.
وقال الدكتور بدير: الزكاة لها دور بارز في تحقيق التكافل الاجتماعي بين الأفراد، فالزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هي غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات، وقد نص القرآن على الغاية من إخراج الزكاة بقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ...)، «سورة التوبة: الآية 103»، فتنظيف النفس من أدران النقص، والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى، والناظر في هذه الآية يرى أن فيها بياناً لأثر الزكاة على المزكي من حيث تهذيب نفسه وإصلاحها، والمقصود هنا تطهيرهم من ذنوبهم التي لا بد أن تقع منهم، حيث الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، ومعلوم أن الخطايا قد تكون مادية، كما تكون معنوية، ومن جملة الخطايا المعنوية البخل والشخ، وقد ذمهما الله تعالى، حيث إنهما قيمتان سلبيتان في نفس الإنسان، بوجودهما لا يمكنه أن يمد يد العون لغيره من المحتاجين، فينتج عن ذلك آثار سلبية أخرى في نفوس المعوزين، حيث ينظرون إلى هذا الغني البخيل بعين الغيظ والحنق والحسد، والحقد على من أعطاه الله من ماله، وحبسه عن الناس خاصة المحتاجين فيسود المجتمع بخل وشح وتقتير، وحبس لحقوق الفقراء من أموال الأغنياء، وهذه صفات نهى الشرع عنها، لأنها كفيلة أن تفتت كيان المجتمع، وأن تحل عرى الوفاق بين أفراده، فمجتمع لا يسوده الحب والوئام، مجتمع ضعيف هزيل، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه أي شر أو أذى.
وأشار الدكتور بدير إلى حديث الإمام الماوردي عن أثر الزكاة في تحقيق التكافل الاجتماعي، وفيه يقول: فكان في إيجابها- أي الزكاة- مواساة للفقراء، ومعونة لذوي الحاجات، تكفهم عن البغضاء وتمنعهم من التقاطع وتبعثهم على التواصل، وإذا زال الأمل وانقطع الرجاء واشتدت الحاجة وقعت البغضاء واشتد الحسد فحدث التقاطع بين أرباب الأموال والفقراء، ووقعت العداوة بين ذوي الحاجات والأغنياء، حتى تفضي إلى التغالب على الأموال والتغرير بالنفوس، هذا مع ما في أداء الزكاة من تمرين النفس على السماحة المحمودة ومجانبة الشح المذموم، لأن السماحة تبعث على أداء الحقوق.
وأضاف الدكتور بدير: والإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك في تحقيق التكافل الاجتماعي مراعاة لأحوال الفقراء إذا لم تقم الزكوات بذلك، فيفرض على الأغنياء - مع الزكاة - ما يكفي حاجة الفقراء، فقال ابن حزم: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، وإن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف، والشمس وعيون المارة، وليكن لنا القدوة في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في تكافلهم وتعاطفهم، فعن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم».

حق للفقراء
أما الدكتور محمد عبد الحليم عمر، الأستاذ بجامعة الأزهر، فقال: الزكاة عبادة مالية يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، وقد شرعها الإسلام لسد الحاجة للفقراء والمحرومين لكى يمكنهم العيش وبما يوفر لهم الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وجعلها الله حقا لهم وليست منة من أحد لكي يحفظ لهم كرامتهم بما يوفر لهم الأمن النفسي، كما جعلها فرضاً على الأغنياء وتطهيراً لأنفسهم من الشح والبخل، وتزكية وبركة في أموالهم بما يوفر لهم الأمن النفسي والمالي، وهكذا تعمل الزكاة على تحقيق التكافل الاجتماعي وإشباع حاجات الفقراء وتحقيق العدالة، والتي تعتبر جميعا من مقومات الأمن المجتمعي الذي يؤدي إلى الاستقرار والتماسك الاجتماعي، وغرس قيم المحبة والانتماء والولاء بين أفراد المجتمع، ونشر الأمن والطمأنينة في ربوع المجتمع، ويبعد الخوف ويحد من الانحرافات والجرائم في المجتمع.
وأضاف الدكتور عبد الحليم عمر: التكافل بين أفراد المجتمع وإشباع حاجات جميع أفراده من أهم مقومات الأمن الاجتماعي، وبدون تحقيق ذلك سوف يختل الاستقرار في المجتمع ويحل التناحر والشقاق، وهما من أهم أسباب الخوف والفزع، ولأن وجود أفراد في المجتمع يعانون الجوع والبؤس والحرمان بجانب وجود أخوه لهم في الوطن أغنياء يؤدي بهم إلى الحقد والحسد مما يدفعهم إلى الاعتداء على الأغنياء وأموالهم وينتشر الانحراف ويعيش المجتمع كله في حالة خوف وترويع مما يفقد معه الأمن، والزكاة من أهم الأساليب التي تحقق التكافل من أجل سد حاجة المحرومين، وبذلك فهي تعمل على استتباب الأمن للمجتمع.

الأمان النفسي
ومن جانبه، أوضح د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، أن الزكاة هي الصورة المثلى لتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع ونشر الأمن والطمأنينة في كافة أنحاء البلدان الإسلامية، وذلك من خلال تعزيز قيم المحبة والعدل والتعاون والتواصل بين طبقات المجتمع الواحد، مشيراً إلى أن الزكاة تمثل حقا للفقراء والمحتاجين لقول الله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، «سورة الذاريات: الآية 19»، وهي في الأصل حق لله عز وجل، وحق الله في التصور الإسلامي هو حق المجتمع يدفعه المزكي إلى الأصناف الوارد ذكرهم في آية الصدقات، ومن شأن ذلك حفظ كرامة الفقراء ومستحقي الزكاة بما يوفر للطرفين الراحة والسعادة والأمن النفسي لكافة أفراد المجتمع، حيث إن هذا الأمن يقوم على العدل والتكافل بين أفراد المجتمع وإشباع الحاجات الإنسانية.