صحيفة الاتحاد

ألوان

?قيمة ?الوقت ?والإجازة ?الصيفية

الحمد لله، له أسلمت، وبه آمنت، وعليه توكلت، والصلاة والسلام على سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد...
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) أخرجه البخاري. هذا حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق - باب ما جاء في الرقاق، وأنْ لا عيش إلا عيش الآخرة.
إن نعمة الوقت من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على ابن آدم، ومن المعلوم أن أبناءنا يقضون في هذه الأيام إجازتهم الصيفية التي تستمر لمدة ثلاثة أشهر، لذلك يجب عليهم أن يستفيدوا من أوقاتهم، وألا يُفرطوا فيها، فالوقت هو العمر، والعمر هو الفرصة الغالية التي ينبغي عدم التفريط فيها.

اغتنام فرصة الإجازة الصيفية
إن من الواجب على أبنائنا أن يحرصوا على اغتنام أوقات الفراغ فيما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخير والنفع، فخير الناس أنفعهم للناس، وأحبهم إلى الله سبحانه وتعالى أنفعهم لعباده، كما جاء في الحديث الشريف أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ) أخرجه الحاكم.
فها أنتم أيها الأبناء تعيشون إجازتكم الصيفية، فإياكم وعدم الاستفادة من وقت الفراغ، فهو إذا لم يُستغل بما ينفعكم يكون سبباً للانحراف والضلال، كما قال الشاعر: إِنَّ الشَّبَابَ والفَرَاغَ والجِدَة مَفْسَدَةٌ للمَرْءَ أيُّ مَفْسَدَة. وعليكم أن تغتنموا أوقاتكم في إجازتكم بكل نافع ومفيد في الدين والدنيا، فقد هيَّأ الله سبحانه وتعالى لكم قنوات عدة تغتنمون فيها أوقات فراغكم وتعملون على تنمية قدراتكم ومهاراتكم ومعارفكم وإيمانكم وطاعتكم وعبادتكم، منها: مراكز تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة في المساجد، والدروس العلمية والثقافية، والدورات التدريبية، والأندية الرياضية، والاشتراك في تعلم اللغات والحاسوب، والمراكز الصيفية التي يشرف عليها أساتذة ومربون أخيار يعملون على إشغال أوقات فراغكم بما يعود عليكم بالنفع والفائدة في دينكم ودنياكم.
ومن المعلوم أن الوقت هو الحياة، فمن أضاع الوقت فقد أضاع حياته، لذلك فقد وضع الإسلام منهجاً متكاملاً في حسن تنظيم الوقت واغتنامه فيما ينفع الفرد والمجتمع، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من أجل هدف سامٍ هو عبادته سبحانه وتعالى وطاعته، والسير على طريق الحق والخير: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات الآية (56)، إذاً فالواجب علينا أن نغتنم كل لحظة ودقيقة في كسب رضوان الله قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال.

رسالة إلى أولياء الأمور
يقع على أولياء الأمور- آباء وأمهات- واجب مهم، وهو ضرورة العناية بأبنائهم وبناتهم- صغاراً وكباراً- فهم يحتاجون في هذه الفترة إلى التوجيه والإرشاد والعناية والرعاية، خصوصاً أنهم في وقت فراغ، والفراغ الذي يخلو من التوجيه والاستثمار بالنافع المفيد يُعَدّ من أكبر أسباب الانحراف ويؤدي إلى الضلال، فأولياء الأمور هم المسؤولون عن ملء وقت فراغ أبنائهم، وهم المسؤولون عن توجيه أبنائهم وبناتهم بما يناسبهم ويناسب دينهم وأخلاقهم وصلاحهم.
إن مشكلة الفراغ في العصر الحديث من أهم أسباب الانحراف والفساد، فالذي لا يشغل نفسه بالحق يشغله بالباطل، لذلك ينبغي العناية بالوقت وملئه بالعمل الصالح، فالوقت نعمة وأمانة يضيعها كثير من الناس، وعندما نقرأ القرآن الكريم فإننا نجد توجيه القرآن الكريم للمسلمين بالإعراض عن اللغو، وهذا تقدير عميق لقيمة الوقت ورسالة لاغتنام وقت الفراغ، ونحن هذه الأيام يتمتع أكثرنا بنعمة الفراغ، وبعض الناس يفرّط تفريطاً عظيماً بهذه النعمة، حيث إن بعض الناس يستغل هذه النعمة و للأسف الشديد بما يعود وبالا ً عليه والعياذ بالله في الدنيا والآخرة. لذلك فإننا نتوجه لأولياء الأمور بضرورة اغتنام الإجازة الصيفية من خلال حث ّ أبنائهم وبناتهم على الالتحاق بمراكز تحفيظ القرآن الكريم، وكذلك الالتحاق بالمراكز الثقافية، والدورات العلمية، كتعلم اللغات، والحاسوب، والرياضة، والإسعافات الأولية، والأعمال النسائية.
إنَّ الأمم الراقية تغتنم وقتها أحسن الاغتنام في الخير، وفي المخترعات العلمية التي تعود بالخير على البشرية، وفي سبيل النهوض بحياة الأمم والشعوب، ومن المعلوم أن المسلمين الأوائل قد اغتنموا أعمارهم في الخير، فكانوا العلماء النابغين الأفذاذ الذين طأطأ لهم الشرق والغرب إجلالاً واحتراماً في شتى المجالات.
إننا مطالبون أفراداً وجماعات، ومؤسسات، أن نتقي الله في أعمارنا،وأن نغتنم أوقات فراغنا، وأن نكثر من أفعال الخير، وننأى بأنفسنا وأهلينا وأبنائنا عن طريق الشر والضلال.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة
خطيب المسجد الأقصى المبارك
www.yousefsalama.com