صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الذكاء الاصطناعي قد يجعل الازدحام المروري شيئاً من الماضي

جيم هاكت (رويترز)

جيم هاكت (رويترز)

إذا كنت تقود سيارة، فربما وجدت نفسك تنتظر في ضوء أحمر منتظراً تحرك السيارات التي تقطع الطريق أمامك. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل ذلك وغيره من الأمور التي قد تصيبك بالإحباط أثناء القيادة في المدينة، شيئاً من الماضي. ولإدراك ما يمكن أن تصل إليه التكنولوجيا من تقدم، تشير بعض الأبحاث إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسمح للمركبات ذاتية القيادة المتصلة بشبكات الإنترنت بأن تشق طريقها بأمان حول المدن دون أي إزعاج بسبب إشارات المرور، بالطبع إذا لم تكن محاطة بسيارات يقودها البشر.
ويقول دورسا سادغ، الأستاذ في جامعة ستانفورد الأميركية، والذي يتخصص في التفاعل بين المركبات ذاتية القيادة والبشر، إن المشاة سيظلون في الشوارع دائماً فلن يختفي البشر في أي وقت قريب، لذا لا توجد إشارات مرور تفلح في إخلاء التقاطعات بشكل كامل. لكن الباحثين يتخذون خطوات نحو المستقبل، حيث يمكن أن تسهم إشارات المرور الذكية والسيارات المتصلة بالإنترنت في جعل التجول في المدينة أكثر سلاسة لكل من السائقين والمشاة، إضافة إلى توفير مزايا أخرى، مثل إعطاء الأولوية للمواصلات العامة أو سيارات الطوارئ والحد من انبعاثات السيارات.
أول ما نحتاجه هو الكثير من البيانات التي ترصد الحركة في الشوارع على مدار اليوم, لذلك تقوم العديد من الشركات الناشئة بتثبيت مئات من أجهزة الاستشعار في إشارات المرور لفهم سبب حدوث الازدحام وتعلم كيفية إدارته في الوقت المناسب ودون أن يحدث تكدس للسيارات.
على سبيل المثال، تقوم شركة رابيد فلو تكنولوجيز، التي بدأت كمشروع بحثي في جامعة كارنغي ميلون، باختبار النظام المتطور لإشارات المرور المعروف باسم سورتراك في حي ايست ليبرتي في مدينة بيتسبرغ بولاية بينسلفانيا.
وتم اختيار هذا الحي الحيوي الذي يمتد على مسافة كبيرة بسبب انه طريق رئيسي يربط بين عدد من الشوارع الرئيسية التجارية في المدينة، وكان منذ فترة طويلة بؤرة من الازدحام الشديد من المشاة والمتسوقين والسكان المحليين بالإضافة إلى كثافة مرورية حيث تسد السيارات الطرق.
ويقول غريغ بارلو، أحد مؤسسي «رابيد فلو»: «تغيرت أنماط حركة المرور بشكل كبير على مدار اليوم الذي لم تعمل فيه إشارات المرور بشكل جيد فقد فشلت في الحفاظ على انسيابية حركة المرور».

إشارات المرور
إشارات المرور التقليدية تتغير عادة طبقاً لجدول زمني ثابت، أما من خلال التكنولوجيا الحديثة يتم تنسيق الإشارات بعضها مع تلك الموجودة في التقاطع التالي. حتى أن إشارات المرور الأكثر تقدماً يمكنها رصد انتظار السيارة عند الضوء الأحمر وضبط التوقيت الذي من خلاله تصل إلى التقاطع التالي بحيث تستمر في الحركة بشكل مستمر قدر الإمكان.
في حي ايست ليبرتي، تسمح تقنية رابيد فلو التي يتم نشرها في التقاطعات بالتنسيق بين جميع أضواء الإشارات في الحي (الحمراء والصفراء والخضراء) لضمان عدم تكدس السيارات وخلق اختناقات مرورية دون سبب سوى بقاء الإشارات الحمراء فترة أطول من اللازم، بل تعمل التكنولوجيا الحديثة على قياس كثافة الحركة في كافة التقاطعات لتسمح مثلاً ببقاء الضوء الأخضر أمام السيارات لإخلاء حركة المرور عند تقاطع معين.
ويقول بارلو: «لدينا تحكم في الإشارات في كل التقاطعات وعن طريق أجهزة الاستشعار يمكننا الكشف عن المناطق المعرضة للتكدس المروري بوقت مبكر وهذا سيمكننا من وضع خطة الحركة والسيطرة على تدفق السيارات في التقاطعات لضمان انسيابية حركة المرور».
ويشير بارلو، إلى أن نظام سورتراك قد قلل من أوقات الانتظار في إشارات المرور في المنطقة بنسبة تصل إلى حوالي 42%. وأضاف أن هذا لا يضمن فقط وصول الأشخاص إلى وجهتهم في وقت اسرع، بل يساعد أيضًا على تقليل انبعاثات السيارات لأن السيارات تقضي وقتًا أقل على الطريق.
ونظراً لأن المشروع في بيتسبيرغ يتم تطبيقه في جزء صغير فقط من المدينة في الوقت الحالي، فقد كانت هناك مشكلات في البداية، حيث إن الانسيابية في شوارع الحي تترجم مباشرة إلى تكدسات في الشوارع المحيطة به حيث كان معدل زمن وصول السيارات المارة بشوارع حي ايست ليبرتي وصولاً إلى شوارع الأحياء الأخرى أسرع من قدرة الإشارات التي ما زالت تعمل بطريقة تقليدية على استيعابها.
لكن بعد رصد هذه المشكلة تم الأخذ بعين الاعتبار سرعة تحول الإشارات في الشوارع خارج منطقة التجربة بين الأحمر والأخضر مما ساهم جزئياً في تخفيف حدة التكدس المروري في المناطق المحيطة بالحي.

أجهزة استشعار
وفي محاولة لتوسيع تطبيق هذا النظام التكنولوجي الحديث فقد نشرت أجهزة استشعار عبر 24 تقاطعاً في أتلانتا وشوارع أخرى في مدن الشمال الشرقي، عند ثلاثة تقاطعات في بورتلاند، بولاية مين، مع نشر التكنولوجيا في تسع مناطق أخرى في وقت لاحق من هذا العام، وعند تقاطعين في نيدهام بولاية ماساشوستس.
وتتخذ شركة ناشئة تدعى فيفاسيتي لابس نهجاً مختلفاً في مدينة ميلتون كينز، في إنجلترا، وهي تركز على جمع البيانات المتعلقة بأنماط حركة المرور باستخدام أجهزة استشعار مثبتة في إشارات المرور في جميع أنحاء المدينة، وذلك بهدف استخدام النظام في نهاية المطاف لتوفير معلومات من اجل معرفة زمن ومدى التكدس المروري في مناطق محددة حيث سيتم الاستفادة من تلك المعلومات عند تطبيق التحكم في إشارات المرور في وقت لاحق.
أجهزة الاستشعار لا تجمع المعلومات ببساطة كل جهاز كمبيوتر قوي متصل بالكاميرا، قادر على تحليل حركة المرور بشكل تلقائي وفوري.
لسنوات، كانت تطبيقات الخرائط التقليدية، مثل خرائط جوجل، تستحوذ على معلومات حركة المرور من خلال البيانات التي تحصل عليها طبقاً لتحركات المستخدمين انفسهم، ومراقبة سرعة تحركهم من نقطة لأخرى، وكذلك الحصول على تقارير الحوادث من المستخدمين، ومن ثم نقل هذه البيانات إلى مستخدمين آخرين.
ولكن بحلول الوقت الذي يخطط فيه السائقون لطريق عبر مدينة، أو أثناء تحركهم على هذا الطريق، يمكن أن تكون معلومات حركة المرور التي يعتمد عليها التطبيق قديمة بالفعل.
بدلاً من ذلك، تستخدم فيفاسيتي أجهزة الاستشعار الخاصة بها والمثبتة عند التقاطعات لجمع معلومات حركة المرور التي يتم إرسالها باستمرار إلى جهاز كمبيوتر مركزي، يمكن تحليل البيانات على مستوى النظام ليس فقط للتعرف على ظروف حركة المرور الحالية ولكن أيضًا للتنبؤ بكيفية تطور أنماط الحركة. في نهاية المطاف، ينبغي أن يكون النظام الحديث المستخدم قادراً على توجيه السائقين» لا يعتمد على مدى انشغال الطريق الآن، أو مدى انشغاله قبل بضع دقائق، ولكن مدى انشغاله عندما تصل إلى هناك، «حسب بيتر ميلدون، المدير التنفيذي للعمليات في فيفاسيتي، التي تتخذ من لندن مقراً لها.
على سبيل المثال، قد يكون جهاز الاستشعار عند أحد التقاطعات على علم بأن هناك خمس سيارات تنتظر من اجل مرور شاحنات من الطرف الآخر فتنتظر لفترة أطول من المعتاد ولكن عن طريق تطبيق النظام الجديد سيتم حساب الزمن اللازم لمرور السيارات الخمس وهل يمكن أن تظل الإشارة الخضراء لفترة زمنية تسمح لهم بالمرور قبل أن تعطى الأولوية لمرور الشاحنات من أجل تحسين تدفق حركة المرور.
ومن بين المشروعات الأخرى، تمتلك شركة فيفاسيتي أيضاً أجهزة استشعار منتشرة في مدينة كامبريدج، بإنجلترا، حيث تحاول التنبؤ بالوقت المتوقع حتى يمكن للسيارة الانتظار في مواقف السيارات الموجودة بالمدينة والتي عادة تؤدي إلى أزمات مرورية في وقت الذروة.

المواصلات العامة
ويرى المسؤولون في بيتسبرغ إمكانية أن يقوم نظام سورتراك التابع لشركة رابيد فلو في تحسين ليس فقط حركة مرور المركبات ولكن حركة الأشخاص في المواصلات العامة في جميع أنحاء المدينة.
وتقول كارينا ريكس، مديرة النقل والبنية التحتية في بيتسبرغ: «ماذا لو أردنا التأكيد على وصول اكبر عدد ممكن من الأشخاص في اقرب وقت ممكن إلى وجهتهم. ماذا لو تمكنا من إبلاغ الإشارة المرورية أن الحافلة القادمة تحمل ثلاثين أو أربعين راكباً فتعمل بناءً على تلك البيانات إلى ضمان سرعة مرورها وعدم الانتظار طويلاً في إشارات حمراء، ويمكننا أيضاً أن نبلغ الإشارات المرورية أن الحافلة تحمل شخصاً واحداً وربما يكون السائق فقط وبالتالي ربما تكون هناك أولوية لسيارات أخرى تحمل عدداً من الأشخاص أكثر من ذلك».
وفي الوقت نفسه، يراهن صانعو السيارات على التكنولوجيا التي تتطور أكثر لتشمل الاتصالات قصيرة المسافة بين أنظمة إدارة المرور مثل هذه والسيارات، وبين السيارات بعضها البعض للاستفادة من البيانات الخاصة بحركة الطرق.
بدأت أودي للسيارات بتطوير تقنية المرور التي اعتمدتها في موديلاتها من طراز ايه وان في العام 2017، ويمكن للسائقين في مدن معينة - بما في ذلك لاس فيغاس - الحصول على معلومات في الوقت الفعلي حول التقاطعات التي يقتربون منها، بما في ذلك عدد الثواني المتبقية حتى يتحول الضوء من اللون الأحمر إلى اللون الأخضر.
إنوبام مالهوترا، مدير المركبات والبيانات في أودي في الولايات المتحدة، متحمّس لكيفية تطور التقنية الخاصة بإشارات المرور. ويضيف: «في المستقبل سيزيد ذلك من سرعة الحركة على الطرق» ويمكن من خلال هذه التقنية أن تقود السيارة وأضواء الإشارات خضراء على طول الطريق.

* الكاتب: هنري وليامز