صحيفة الاتحاد

الرياضي

السياسة تحلق بـ «أجنحة المونديال»!

بوتن أثناء افتتاح المونديال (الاتحاد)

بوتن أثناء افتتاح المونديال (الاتحاد)

أمين الدوبلي (أبوظبي)

لم تعد كرة القدم مطلباً للجماهير من عشاق الساحرة المستديرة فقط، ولكنها أصبحت هدفاً للساسة والزعماء من الرؤساء والملوك ورؤساء الحكومات في الدول، لأن الفوز ببطولة مثل كأس العالم، سواء في التنظيم أو التتويج باللقب في المنافسات، من شأنه أن يرفع أسهم البورصة في البلاد، ويعزز من شعبية الساسة والحكام، ويحقق لهم ما هو أكثر من مليارات الدولارات التي تعود على بلاده، وهو الرضا الشعبي عن الحكم، ومن أجل ذلك فقد أصبح الرؤساء والحكام والقادة يتدخلون بأنفسهم في مسألة استضافة المونديال، وأصبحت الحكومات تتسابق في توفير خطابات الدعم والمساندة لملفات بلادها، واندفع الرؤساء بين حين وآخر للتصريح المباشر عن كرة القدم، سواء في استضافة الأحداث، أو في دعم المنتخبات المنافسة للفوز في البطولات، وهو الأمر الذي جعل الكثير من المحللين للسياسة يدعون بأن الكرة والسياسة أصبحا وجهين لعملة واحدة، خاصة أن المونديال أسهم في سقوط عروش، وصعود شعبيات رؤساء إلى القمة، وفي هذا التحقيق نعرض بعض الظواهر لاحتكاك السياسة مع كرة القدم في المونديال في بطولتين كبريين هما كأس العالم وكأس الأمم الأوروبية.
في بطولة أمم أوروبا 2016 التي استضافتها فرنسا وتأهلت إلى النهائي فيها، قبل أن تخسر أمام البرتغال، رصدت الصحف الفرنسية، والأوساط السياسية والرياضية، والمحللون في أوروبا ومن بينهم البريطاني ستيفن بوش، أن شعبية الرئيس فرانسوا هولاند قد انخفضت بمعدلات واضحة، بعد البطولة، وظلت منخفضة حتى لقي الحزب الاشتراكي هزيمة مفاجئة بالانتخابات في العام التالي، مما كان لها أثر كبير في قرار هولاند، بعدم ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية، في حين زادت شعبية أنطونيو كوستا رئيس البرتغال بعد فوز بلاده بالبطولة نفسها.
وفيما يخص بطولة كأس العالم في البرازيل، وبرغم الاحتجاجات الشعبية على المصروفات المبالغ فيها، والفساد المالي في الإنفاق على البنية التحتية الذي رصدته الصحف، فإن الأمور هدأت مع الاقتراب من موعد الحدث، لأن كرة القدم هي مقياس الحالة المزاجية للشعب البرازيلي، وظهرت رئيسة البرازيل ديلما روسيل متماسكة قوية، حتى جاءت الخسارة الكبيرة بنتيجة 1-7 من ألمانيا في دور الـ 16 لتضع نقطة بداية في تراجع شعبيتها، وشعبية حزبها حتى خرجت من الحكم بشكل نهائي، ولا زالت المطالبات بمواجهة الفساد في الإنفاق على البنية التحتية تلاحق حكومتها حتى هذه اللحظة في المحاكم وفي الصحف والمواقع أيضاً.
وفيما يخص ألمانيا التي فازت بكأس العالم عام 2014، شهدت بورصة السياسة صعوداً كبيراً في شعبية المستشارة إنجيلا ميركل، بعد البطولة مباشرة، ولكن مع مرور الوقت قبل عام من إجراء الانتخابات هناك، حققت أنجيلا ميركل صعوداً ملحوظاً، حيث انتقل التكتل الحزبي لها المشكل من الحزب الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، من نسب فوز بأصوات الناخبين من 40 % قبل الفوز بالبطولة إلى 44 % بعد الفوز، وهي معدلات زيادة محدودة.
أما عن بطولة أوروبا 2012 التي استضافتها أوكرانيا وبولندا، فقد أسهم التنظيم الناجح من أوكرانيا على وجه التحديد في إعادة انتخاب الحكومة، التي كانت في سدة السلطة قبل وأثناء البطولة، حيث استفادت من الجماهيرية التي حققتها من منصة الكرة.
وقالت إليسا بوراك الباحثة من مركز الدراسات الأوروبية الآسيوية والروسية في جامعة جورج تاون: إن ما تسعى موسكو إليه هو تحسين أو تعزيز صورتها في أوساط مواطنيها وليس فقط أمام الغرب، مع التأكيد على سيادتها والتفوق من خلال إظهار أن روسيا قوة عظمى، قادرة على إقامة حدث عالمي المستوى، دون مساعدة من الغرب الذي ينبذها وينبذ نظامها.
وأضافت: كأس العالم، بوصفها حدثا رياضيا عالميا كبيرا، لديه القدرة على بناء وتعزيز مشاعر كبرياء وطني بين الروس، وهذا أمر مهم على وجه الخصوص بعد حظر روسيا من دورة الألعاب الأولمبية الشتوية هذا العام.
وعلى الرغم من الأداء الضعيف لفريق كرة القدم الوطني منخفض المستوى، يستخدم بوتين النزعة الوطنية التي تعززها استضافة مثل ذلك الحدث الرياضي الكبير لتمجيد نفسه وتعزيز شعبيته، على غرار ما حدث من قبل في السنة التي سبقت أولمبياد سوتشي، حيث ارتفعت معدلات شعبية بوتين بنسبة 7%، عكس اتجاه الانخفاض لمدة ثلاث سنوات طويلة.
وقال بوراك: علاوة على ذلك، تستخدم الحكومة الروسية كأس العالم لمكافأة النخبة الداعمة لها، حيث تخلق استضافة كأس العالم حلبة لتشتيت انتباه الروس عن الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة، وتبريد المعارضة عن طريق جذب انتباه مواطنيها بعيداً عن أوجه قصور الحكومة، مثل فشلها في إجراء إصلاحات هيكلية يمكن أن تحسن الركود الاقتصادي المحلي. كما تمثل البطولة فرصة لتعزيز الولاء في أوساط الدائرة الداخلية لنواب بوتين والنخب المحلية، من خلال منحهم عقود بناء مربحة.
وتلخص الباحثة الموقف قائلة: نجاح بطولة كأس العالم بشكل جيد، يمنح بوتين صك التأكيد على أن حكومته قادرة على إنجاز حدث كبير، على الرغم من محاولات الغرب لتقويض نجاح روسيا، وقد يساعده هذا على تحقيق النجاح في أن يشتت انتباه مواطنيه عن انخفاض الأجور لأربعة أعوام متتالية، وانخفاض معدل النمو السنوي بمعدل 1.2%.

«الشعب الإسباني» استفاد من لقب 2010

في عام 2010 استفاد حزب الشعب الحاكم في إسبانيا من فوز منتخب «الماتادور» بالبطولة، بتحقيق ارتفاع في شعبيته ولو بنسبة طفيفة، وبالحديث عن كأس العالم 2018 ونتيجة للاضطراب الكبير في العلاقات بين الغرب وروسيا، على خلفية قضايا عدة من بينها التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الأميركية وعدد من الاقتراعات الانتخابية في دول أوروبية، يرجح كثير من المحللين أن كأس العالم سيستغل سياسياً من جانب بوتين. وهو ما تناوله الصحفي أوين ماتيوس في مقال له بمجلة «سبكتاتور» البريطانية قائلا: الأنظمة السياسية عادة تحب الأحداث الرياضية الدولية الكبرى، وهناك شيء ما يتعلق بالفكرة القديمة حيال المنافسة على المجد، التي تروق للقادة الذين يرغبون في إظهار عظمة بلادهم للعالم، ونستطيع أن نذكر في هذا السياق أولمبياد برلين 36، موسكو 80، سوتشي 2016.. فلا شيء يقول: نحن هنا، أفضل من الأحداث الرياضية الضخمة وكرة القدم على وجه التحديد.
واستطرد: من غير المتوقع أن يحقق كأس العالم لكرة القدم 2018 هذا الهدف، بنفس الدرجة التي تقوم بها الألعاب الأوليمبية، لكن بالنسبة لفلاديمير بوتين، تمثل البطولة فرصة كبيرة ليس فقط لإثبات عظمة روسيا الجديدة، بل أيضا لإثبات أنه جزء لا يتجزأ من العالم المتحضر، فما يتطلع إليه بوتين، قبل كل شيء، هو الاحترام، و إثبات التواجد على طاولة الأمم الكبرى، والاعتراف من العالم بأن روسيا لم تعد فقيرة، وأن ما اعترى بلاده من تعثرات كان مجرد اختلال وظيفي في الإمبراطورية، لكنها عادت مرة أخرى قوة عظمى.

دياب: الكرة لم تكن يوماً بعيدة عن أنظمة الحكم

في دراسة عن ظاهرة استغلال كرة القدم في الترويج والدعاية للحكومات والساسة، يقول الباحث المصري عبدالغني دياب إن كرة القدم لم تكن بعيدة في يوم ما عن متناول أنظمة الحكم، حتى في الحكم الشمولي،‏ فالزعيم الفاشي بينيتو موسوليني الذي حكم إيطاليا ما بين عامي 1922 -1943، له صولات وجولات في استغلال لعبة كرة القدم في ممارساته السياسية.‏
وقال: كان نظام موسوليني مصمماً على استغلال نهائيات كأس العالم التي جرى تنظيمها في إيطاليا 1934، للترويج واستعراض الفكر الفاشستي، فيما كانت الساحة العالمية تغلي ببدايات الحرب العالمية الثانية، وعمد موسوليني إلى بناء نصب تذكاري عملاق بهذه المناسبة للدعاية لبلاده ولعقيدتها الفاشستية‏، ورصدت كتب التاريخ أن موسوليني تدخل حتى في اختيار حكام المباريات كي تفوز بلاده بهذه البطولة الكروية في نهاية المطاف.
وعن أدولف هتلر قال دياب: أكثر القرارات السياسية المتعلقة بكرة القدم كان ما أقدم عليه هتلر مع فريق الكرة النمساوي في عام 1938، فقد كان المنتخب الوطني النمساوي واحداً من أكبر فرق كرة القدم في العالم آنذاك‏،‏ وعندما تمكن جيش النازي من ضم النمسا إلى ألمانيا، أجبر هتلر النمسا على الانسحاب من كأس العالم‏ وضم الفريق النمساوي إلى ألمانيا.‏