صحيفة الاتحاد

رأي الناس

ثورات «الربيع» وسنوات التيه العربي

إن الناظر إلى حال ما يسمى بدول «الربيع العربي» بعد مرور سبع سنوات عجاف على انطلاقها تتملكه حيرة عظيمة لرؤية الفارق بين تطلعات الشعوب والوضع الذي آلت إليه الأمور، مما يدفعني إلى أن أسأل: من سماه أصلاً «ربيعاً»؟!. فمعنى كلمة «الربيع» في الأذهان والمعاجم والقواميس، أنه زمان الورد والخصوبة، وهو يحيل إلى شيء بديع يثير في النفس البهجة والسرور. فكيف لسنواتٍ عجاف وخريفٍ جاف أن يكون ربيعاً؟!!. لقد بدأت شرارة ما يسمى بثورات «الربيع العربي» في تونس مطلع عام 2011 لتلحق بها مصر في ذات العام ثم اليمن ثم ليبيا لتنتقل إلى سوريا.. الخ، واقتنع به البعض وعلق عليه آمالاً عريضة، وتوجس منه آخرون، وكانت النتيجة خلق حالة من الفوضى وإحداث ضجة كبيرة في المنطقة والعالم. وقد عُقدت مؤتمرات وندوات، وكُتبت مقالات وتقارير، وتحركت جيوش نظامية واستخبارات دولية ولوبيات مافيوية وجماعات إرهابية، وتدفقت أسلحة وأموال ومخدرات، كما لعب الإعلام الموالي لـ«الثورات» على تأجيج المشاعر وتهويل الأمور والدعوات المباشرة وغير المباشرة لـ«التغيير» والفوضى الطليقة، ناهيك عن محاولات زراعة الفتن والتطبيل الإعلامي والخطاب السياسي المؤدلج.
لقد أسفر ذلك كله عن جلب الدمار للعالم العربي، وكانت النتائج عكسية، فزاد «الربيع العربي» تلك الدول انقساماً فوق انقسامها الداخلي، وخلق حالة من «الفراغ السياسي» أو «الفوضى الخلاقة» و«التيه والتشتت واللايقين»، وقد أطل الإرهاب بوجهه القبيح الكريه على تلك الشعوب، ذلك الإرهاب الذي يستهدف الأرواح البريئة وسفك الدماء المعصومة بلا هدف واضح أو رؤية محددة. واستقطب بعض الشباب «المأزومين والمحطمين ذاتياً» من أنحاء العالم من القاصرين والسذج والجهلة وذوي الوعي الضرير والثقافة الهشة الضحلة، ممن استقطبتهم التنظيمات الدموية الساعية للعودة بالمدنية والحضارة الإنسانية إلى عصور الظلم والظلام، فجاءت إحصائيات القتلى بشكل تجاوز المعقول من الأرقام، وظهرت مناظر تناثر الأشلاء والدماء المسفوكة على هيئة أثارت في النفوس رعباً وحيرة، فتباً لمن سماه «ربيعاً»!. فحال تلك الدول والشعوب الآن ليس أحسن مما كان قبل «الربيع الكاذب»، فحتى تلك الحرية التي زعم الترويج لها عرابو الربيع لم يتمكنوا للآن من تنشق أريجها، وبين حالتي الشد والجذب السياسي وصراع المتصارعين على اقتطاع الجزء الأكبر من الكعكة راحت الآمال بغدٍ واعد أدراج الرياح ودخلت مرحلة الاحتضار، وأصبحنا بين وقت وآخر نسمع أصواتاً تتصاعد في بعض بلدان «الربيع» مرددة «ليت ما كان لم يكن وليت الثورة لم تتحقق»، وكأن لسان حالهم يقول: «رب زمن بكيت منه فلما تولى بكيت عليه».
إن ما يسمى بثورات «الربيع العربي» ليس بثورات ولا ربيعا ولا تمت له بصلة، فهي بالأحرى «ثورات الدم»، و«ثورات التيه» وليست «ثورات أمم»، ثورات عدمية ليس لها قائد ولا بوصلة ولا هدف، ثورات ضبابية، الرؤية فيها محدودة، إن كان البعض يسميها بـ«صحوة الشعوب» فأنا أسميها بـ«صحوة الموت» أو «سكرة الموت». تمخضت الفوضى فولدت «ثورة»، وباسم «الثورة» انتهكت أعراض، وباسم «الثورة» ضاعت أجيال، وباسم «الثورة» تفرق الشمل، وباسم «الثورة» سرقت بلاد! شعوب أضحت مفككة منهكة ودب فيها الوهن، وأصبح التيه عنوان المرحلة، والأمم لا تتغير بـ«ثورة» و«ربيع»، ومسيرات، وجمعة غضب، وجمعة كذا.. الخ، ولكن الأمم تتغير بمبدأ ورؤية وبالجد والجهد وأمل وعمل، وبشعوب واعية وقيادة رشيدة، تحفظ الاستقرار، وتحقق الإعمار والتنمية والازدهار.

هند ناصر خلفان السويدي - أبوظبي