الملحق الثقافي

نساء أوروبا «الداعشيات»

الإرهابيات.. من أوروبا إلى «داعش»

الإرهابيات.. من أوروبا إلى «داعش»

عرفت البشرية ظاهرة التطرف الذي قاد لاحقاً إلى الإرهاب في صورته الذكورية. فعبر الأجيال نشأت جماعات إرهابية متعددة الأشكال الذهنية والحركية. كان عمود الخيمة فيها الرجال. وبهذا بدت القضية محسومة من ناحية الانتماء الجندري، وعليه فلم يكن هناك دور للنساء في العمليات الإرهابية. غير أن ما جرت به المقادير خلال الأعوام القليلة الماضية من انتماء لنساء من الشرق والغرب إلى بعض التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وضع الجميع أمام متغيّر يدعو للقلق والحيرة تجاه أولئك اللواتي يتركن بيوتهن، ويهملن دراستهن من أجل الانضمام لجماعات أصولية قاتلة، ليضحين بحسب تقديراتهن «عرائس» للجهاديين، وأمهات لأبناء المجاهدين.

لعل علامة الاستفهام التي تدفعنا لإعادة قراءة هذا الملف المثير هي: ما الجديد في ظاهرة نساء الإرهاب وبنات الدواعش؟ ومن أين يبدأ الخطر وإلى أين المستقر؟ وهل الأمر في حاجة لرجال الأمن والاستخبارات لتحليل وتفكيك الظاهرة، أم أن المسألة قبل ذلك في احتياج ماس لعلماء الاجتماع والنفس ليخبرونا ما الخبر والمبتدأ؟

من لندن إلى الرقة
قبل بضعة أسابيع كانت محكمة في العاصمة البريطانية لندن تنتهي إلى إدانة الفتاة صفاء بولار، ذات الثمانية عشرة عاماً. والجريمة كانت التخطيط لإحداث مجزرة بالأسلحة البيضاء بداية، ثم الهجوم بالأسلحة النارية على المتحف البريطاني والذي يؤمه آلاف السيّاح والزوار يومياً.
لم تكن بولار إلا نواة خلية داعشية نسائية استخدمن الشيفرة فيما بينهن للحديث والتواصل، وقد حاولت بولار وشقيقتها روزالين الالتحاق بأزواجهن المقاتلين مع داعش بسوريا، لكنهن أخفقن، ومن هنا طرأت فكرة الإنتقام داخل بريطانيا عبر خلية نسائية لم يكشف بعد عن بقية أعضائها.
من لندن إلى مدينة الباب السورية، وقصة ثلاث شقيقات انتمين إلى داعش وعملن في الحسبة (الشرطة النسائية للتنظيم) وانتقلن من مدينة الباب إلى مدينة الرقة.
الشقيقة الكبرى تروي أن سيدة تدعى «أم محمد الألمانية» كانت السبب الرئيس في إقناعها بأن زوجها كافر، وأنها لا بد أن تتركه لتتزوج من أحد شباب المجاهدين لتنال الأجر في الدنيا والآخرة.
على أن الكارثة في المشهد تتمثل في أن «أم محمد» هذه ليست إلا سيّدة ألمانية الأصل كانت تعمل طبيبة في ألمانيا قبل أن ترحل بصحبة زوجها إلى بلاد الشام لتلحق بداعش.
ما الذي يدعو بولار الشابة البريطانية ذات الثمانية عشرة ربيعاً، و«أم محمد» الألمانية الطبيبة في العقد الرابع من العمر، لأن يخلّفا وراءهما الحرية والليبرالية ويقبلا على الإرهاب والعبودية؟

عوامل نفسية
الحفر عميقاً من أجل محاولة فهم أسس وأبعاد الظاهرة التي نحن بصددها، يقودنا إلى قراءة صادرة عن رابطة علماء النفس الأميركيين الذين قاموا بدراسة السمات الفردية للإرهابيين، بحثاً عن أدلة يمكن أن تفسّر استعدادهم للانخراط في العنف.
القراءة بالتأكيد لا تأخذ «الجندر» في عين الاعتبار، إذ تحاول تحديد البواعث التي تدفع الناس نحو الإرهاب سيما وأن هذه ليست مهمة يسيرة.
أجرى عالم النفس الدكتور «جون هورجان» مدير مركز جامعة بنسلفانيا الدولي لدراسة الإرهاب نحو ستين مقابلة مع إرهابيين سابقين، وجاءت النتائج لتكشف لنا عن مجموعة من الحقائق المثيرة للتأمل، سيما وأنها تقود الناس أفراداً وجماعات للانضمام إلى مجموعات إرهابية.
النتائج منها ماهو نفسي عضوي يرتبط بالفرد ذاته، مثل شعوره بالغضب والعزلة والحرمان، الأمر الذي يدفع للارتماء في أحضان جماعات تقدم له انتماءات وهمية، لكنها تشبع شعوره بالذات والحضور والتحقق.
ومن الأسباب أيضاً الاعتقاد السوداوي بأن الواقع غير قابل للإصلاح جملة وتفصيلاً، ومن هنا نشأ فكر التكفير والهجرة في سبعينيات القرن الماضي، وعادة ما يكون هذا الطرح هو القابلة التي تولّد إحساساً بالتماهي بين المندمجين في العمل الإرهابي وبين من يرون أنهم ضحايا الظلم الاجتماعي الذي يحاربونه.
اكتشف البروفيسور هورجان كذلك أن الأفكار الايديولوجية لها فعل السحر في تجنيد الأفراد من كل جنس ودين ولون، من كافة بقاع وأصقاع الأرض، ومن عينة تلك الأفكار الاعتقاد الجازم بأن الاعتراض العنيف على الدولة والكيانات الاجتماعية المتباينة، فعل أخلاقي. ومن هنا يتولّد إحساس لدى الإرهابيين المحتملين بضرورة كسر حاجز الصمت، والعمل على حل أي إشكالية بأدوات وآليات القوة لا عن طريق الحوار والتفاهمات.
وأحد الأسباب التي تدفع الذكور والنساء للانضمام إلى الخلايا الإرهابية يتصل بالقرابة، وقد رأى العالم عودة الإرهاب العائلي في أبشع صورة عبر حوادث أندونيسيا قبل أسابيع، فقد جرى تجنيد الأم وبناتها من قبل الأب، ما يعني أن وجود أطراف قريبة جسدياً من العناصر المراد تجنيدها أمر ييسر المضي قدما في دروب الظلام. وفي كل الأحوال تبقى مسألة الاعتقاد الفردية في أن التنظيم الذي سينتمون إليه سوف يمنحهم تعويضاً نفسياً واجتماعياً مثل روح المغامرة والصداقة والشعور القوي بالذات.

أوروبيات.. ولكن
قبل توسيع دائرة البحث في الأسباب التي أفرزت مؤخراً «جنديات الخلافة» حول العالم، ربما ينبغي علينا تقديم إطلالة سريعة على «الداعشيات الجديدات» في الدول الأوروبية، سيما وإن أولئك المجنّدات حديثاً يكشفن لنا بصورة أو بأخرى أبعاد الخلل الإرهابي الذي أصاب أوروبا مؤخراً.
يمكن أن تكون روما البداية، فهي بنوع خاص في أعين أفراد الخلافة المزعومة، المدينة التي وعد الله عباده المؤمنين بفتحها بعد القسطنطينية. والمثير في شأن داعشيات إيطاليا من عينة فاطمة سيرجيو، أنها أشركت أسرتها في أعمالها الإرهابية، فجنّدت زوجها الألباني الأصل، وموّلت سفر ابنتها وزوجها وشقيقتها الأصغر إلى سوريا.
في ألمانيا خطر «الداعشيات» فادح، الأمر الذي تنبه له رئيس الأمن العام الألماني بوركهاردت فرايد، حيث أشار إلى أن المتطرفين، سواء داخل المانيا أو خارجها يضعون نصب أعينهم المراهقات الألمانيات، لاسيما المسلمات، وإغرائهن بالالتحاق بالتنظيمات الإرهابية بوعود زائفة حول الزواج والمساواة بالمقاتلين.
إرهابيات بريطانيا غير المعروف عددهن يمثلن كارثة بلون وطعم جديدين، وإن كان المر والعلقم يغلّفهما، ذلك إن هناك جيلاً ثانياً من الأطفال الذين ولدوا لأباء وأمهات بريطانيات أثناء انضمامهن لداعش في العراق وسوريا، ولا تزال بريطانيا تنتظر عودة رقم كبير من هؤلاء وأولئك.
الوباء عينه أصاب بلجيكا، والتي ترجح المصادر الاستخباراتية أنها أضحت بالفعل القاعدة اللوجستية لأعمال الإرهاب في أوروبا، فقد استغلّت الجماعات والخلايا الارهابية أجواء الحريات هناك لترتب من الخلايا النائمة بعناصرها النسائية ماهو أكثر بكثير من الخلايا القائمة، ما جعل السلطات القضائية هناك تصدر أحكاماً بالسجن لمدة خمسة أعوام، وغرامة مالية على ثلاث سيدات بلجيكيات بسبب انضمامهن لداعش، مع رفض فكرة عودة أي عنصر نسائي انتمى إلى التنظيم الإرهابي.

صائدات الداعشيات
الآليات المعتمدة لضم عناصر نسائية جديدة إلى «داعش» و«القاعدة» يمكن تأصيلها عبر طريقين: قديم وحديث.
أما القديم، فإنه يستمد حضوره ونشاطه من الجماعات الأصولية السابقة والمتقدمة منذ عقود، فداعش على سبيل المثال ليست إلا نتاج سيئ السمعة لتنظيم القاعدة الذي ولد في أحضان جبال ومغاور أفغانستان، والقاعدة نفسها حصلت على عناصرها من الجماعات الإسلامية في العالم العربي وآسيا، وجميع ما تقدم لم يكن إلا رجع صدى لفكر الإخوان المسلمين المعين الأكبر للأصولية والإرهاب في القرن العشرين.
في هذا الإطار يضحى الحصول على متطوعات جديدات أمر يسير، فهناك قواعد وركائز لكافة تلك التنظيمات، وجميعها أفرزت نساء الدعوة بداية ثم نساء الدواعش أخيرا.
على أن الطريق الأحدث هو الأشد وعورة وخطورة، ذلك أنه إن كان الحرس القديم من الأصوليات يتمركز في مناطق جغرافية بعينها، إلا أن صائدات الداعشيات أصبحن قادرات على الوصول إلى العالم كله من أمريكا على المحيط الهادي غرباً إلى استراليا في أقصى الشرق، ومن شمال الدول الاسكندنافية في أوروبا إلى أعماق أفريقيا، حيث بوكو حرام.
كلمة السر في اكتساب عناصر نسائية جديدة يتصل اتصالاً وثيقاً بإفرازات العولمة والثورة التكنولوجية والمعلوماتية، ناهيك عن انفجار التواصل عبر وسائط جديدة لم تكن موجودة من قبل. ما يسهل تجنيد الداعشيات الجديدات، هو إن الإرهاب اليوم، والنسائي منه بنوع خاص، لم يعد خلايا عنقودية تراتبية يمكن للسلطات الأمنية مراقبتها ومتابعتها، بل أضحى أفكاراً ودعاية إلكترونية وهاشتاغات على شبكة الإنترنت وعبر «فيسبوك» و«انستغرام»، ومن خلال الرسائل النصية، بل بلغ الأمر حد الاستعانة بالألعاب الإلكترونية لتنفيذ عمليات إرهابية شاركت فيها عناصر نسائية بأدوار خلفية ولوجستية كما في حادثة مسرح «الباتاكلان» في فرنسا.

أزمة هوية
البحث في جذور الداعشيات الجديدات يقودنا إلى طرح علامة استفهام جذرية أخرى: هل نحن أمام أزمة هوية تنعكس في شكل معضلة إرهابية جديدة؟
ما يدفعنا لإيجاد جواب هو أمر موصول، ولا شك بمقاربة اجتماعية وحياتية مثيرة، فكيف لمن نشأن في أجواء تعليمية صحية فيها من خيارات الحرية وتقرير المصير ومسارات التنوير ومساحات العلمانية الكثير والوفير أن يقبلن العيش في أطر ظلامية سوداء المخبر والمظهر؟ وهل أخطا الغرب في شيء من مسيرته سيما في نصف القرن الماضي، ما جعل التطرف يطاله بشكل أو آخر؟
قبل الجواب ربما يعن لنا أن نناقش بعض الآراء التي طرحها خبراء غربيون في تفسيرهم لانضمام نساء غربيات لداعش.
خذ إليك ما تقوله «نيمي غورنياثان» الأستاذة في كلية «سيتي» في نيويورك وأخصائية شؤون المرأة والعنف الجنسي، والتي تُرجع المشهد إلى تخطيط شديد الدقة من ذكور الدواعش لأهمية وجود المرأة في معتركهم، ولهذا كان للمرأة مكان في صفوف الدواعش، يبدأ من الأدوار الثانوية وصولاً إلى القتال في الصفوف الأمامية، دون أن ننفي من المشهد احتياجات المجاهدين الغرائزية.
غير أن تحليل الخبيرة الأميركية لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتخطاه إلى وجهة نظر تستحق المناقشة، فهي ترى أنه رغم خطاب داعش الأصولي الذي ينظر للمرأة بوصفها كياناً غير مكتمل الملامح والأركان آدميا ـ ما يعني تعارض وجهة النظر هذه مع حقوق المرأة كما عرفتها المدنية الغربية ـ رغم ذلك، فإن المنضمات يسرعن للالتحاق بـ«تنظيم لدولة» لإدراكهن أن المعركة لا تتعلق بحقوق المرأة، بل بقضية قيام الخلافة، وبالتالي فهن يدخلن من أجل الصراع السياسي، وهذا أمر لا يفهمه الكثيرون.
الرؤية السابقة تتفق معها بدرجة أو بأخرى قراءة صادرة عن معهد الحوار الاستراتيجي في لندن، والذي يذهب إلى أن هناك ثلاثة أسباب تدفع الفتيات أو النساء للانضمام إلى مثل هذه التنظيمات وهي: الشعور بالعزلة الاجتماعية أو الثقافية، والشعور بأن المجتمع الإسلامي في الدولة التي يعيشون فيها يتعرض للاضطهاد، والإحباط والحزن من الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون حول العالم.
يتفق مع الطرح السابق القراءة الأخرى الصادرة عن «معهد الحوار الاستراتيجي الأمريكي»، والذي يؤكد أن بعض الفتيات ينضممن إلى داعش بسبب ما تعرضن له من تحرش وتمييز في دول أوروبا باعتبارهن مسلمات. غير أن المرء يمكن أن يحاجج بصحة الرؤية المتقدمة فيما يخص مسلمات أوربا، وبخاصة في الدول التي تنتشر فيها ظاهرة الاسلاموفيا، لكن المبررات السابقة تقف عاجزة عند حدود دول أخرى أكثر ليبرالية، وحفاظاً على حقوق الآخرين في الحياة وإقامة الشعائر الدينية وحرية العبادة. وكذلك تعجز الأسباب السابقة عن أن تقدم لنا السبب الحقيقي وراء تأثر غير المسلمات الأوروبيات، أو الأميركيات بدعاوى داعش ونساءه على الإنترنت.

صورة جذّابة
هنا يمكن أن نقدم طرحين مغايرين: الأول يتصل بنجاح الدواعش في تصدير الفكرة الجهادية الخيالية أو العالم المثالي الذي تروّج لهم أدواتهم الإعلامية، تلك التي أجادت على بشاعتها رسم صورة زوجة مقاتل في ثياب أمير جذّاب وشجاع وصادق، وأم أشبال يشكّلون الجيل الجديد من الجهاديين الجاهزين منذ نعومة أظفارهم.
نجاح الدواعش هذا مرده، ولاشك خلل نفسي واضطراب عقلي وقصور معرفي عند المتلقين من نساء الغرب خاصة، وإخفاق غربي مجتمعي في بلورة عقول قادرة على التعاطي مع الاختراقات المضادة.
هل من كعب أخيل آخر في الجسد الغربي نفذت منه «الداعشيات الجدد»؟ ربما يكون لدى ريجيس دوبرييه الفيلسوف الفرنسي المعاصر جواب شاف واف.. فبرأيه، إن العلمانية الجافة التي عاشتها أوروبا والعداء للفكر الديني عند نسبة غالبة من شعوبها ولّد ميلاً تلقائياً لأصولية متطرفة مقابلة، وعليه فإن أوروبا في حاجة إلى أنوار لا تعمي، وإلى أضواء تأخذ حاجة النفس البشرية للروحانيات الإيجابية ولعقلانية الإيمان، فالخواء الروحي هو المكافئ الموضوعي للأصوليات المتطرفة ذكورية أم نسوية.

انتباهة «التايم»
من بين وسائل الإعلام الدولية التي تنبهت لظاهرة تجنيد النساء كانت مجلة «التايم» الأمريكية، فقبل عامين وتحديداً في فبراير (شباط) عام 2015 أشار تقريرها إلى أن الدواعش نجحن عبر مواقعهم ورسائلهن والتسجيلات الصوتية والمرئية في اكتساب الكثيرات من ذوات الحال المتواضع فكرياً ومعرفياً.