الملحق الثقافي

نساء الوثنية الجديدة

أيديولوجيات التطرف جعلت من المرأة أداة للقتل

أيديولوجيات التطرف جعلت من المرأة أداة للقتل

«الوثنية الجديدة» ليست عنواناً لواحدة من الأحاجي التي تستعيرها اللغة كنوع من أمارات الاستظهار. لكنها في الحقيقة تمثيل لأعلى تعبيرات استئصال النص الديني باسم الدين على ما جرت به عناوين شتى، من بينها: «دين ضد الدين» للمفكر الإيراني علي شريعتي، «معالم في الطريق» لسيّد قطب، «الفريضة الغائبة» لمحمد عبد السلام فرج، و«إدارة التوحش» لأبي بكر ناجي.

الجميع هنا يطمح إلى صناعة دينه الذي يخص جماعته. فشريعتي يبدأ من اتقاد الرغبة في تنقية الدين من مخلّفات الاستعمار ومن مخلّفات أهله أيضاً. أما سيّد قطب فيبدأ منشوره التكفيري بالتقرير بأن البشرية «تقف اليوم على حافة الهاوية بسبب إفلاسها في عالم القيم..»، ثم يردف أن العالم كله يعيش في جاهلية، ومن ثم فإن التفوق الذي يجب أن يحرزه الإسلام يكمن في العودة لقيادة البشرية عبر تفوقه العقائدي وليس المادي، إذ التفوق المادي إلى زوال أما القيمة الإيمانية فباقية! وهنا تبدو العزلة التي اختارتها «الوثنية الجديدة» مستلهِمةً لفكرة قديمة هي فكرة «الفرقة الناجية»، حيث يتم تعظيم فكرة ضلال الأكثرية، ومن ثم البحث عن هجرة داخلية تتمثل في قطيعة مع العصر ومعطياته، وصولاً إلى تكفير الحاكمين والمحكومين على السواء.

الصمم الحضاري
ولن يندهش المرء حين يتابع السجناء من تلك التيارات وهم يرددون في غدوهم ورواحهم نشيداً يقول مطلعه: «غرباء. هكذا الأحرار في دنيا العبيد»! إن تلك الوثنية هي التي دفعت مُنَظِّر تيار السلفية الجهادية محمد عبد السلام فرج صاحب كتاب «الفريضة الغائبة» إلى القول بأن عموم المسلمين لم يبق لهم من إسلامهم غير الاسم. ويبدو أن المعنى الجديد للتديّن مأخوذ من فيزياء المعادن كما يشير «اشبنجلر» ومن بعده «أوليفييه روا» وكذلك عدد لا بأس به من مفكري الشرق والغرب. لكن المعنى هنا تتضاعف حمولته من كون تحولات المعادن ربما هي الفعل الزمني الوحيد غير المتأثر بالزمن، لذلك يُعد تمثيلاً لأعلى درجات الصمم الحضاري إذا صح هذا التعبير. وبهذا المعني أيضاً فإن تغييب الله بتغييب نصوصه أو بتغييب نصوص لصالح نصوص أخرى هو ما يميز تلك الوثنية، لكن المدهش أن ذلك يتم أيضاً باسم الله. وقد جرت أدبيات الإسلاميين الجذريين على تحميل النفوذ الغربي، لاسيما في حقبته «الكلونيالية»، مسؤولية تكاثر ذلك العقل الاستئصالي باعتبار أنه لا بد من ربط تلك الانحرافات الفقهية بعامل يقع خارج إرادتها حتى تتحقق لها فكرة خلق العدو، ومن ثم خلق الذرائع لفكرة الجهاد. وتبدو المسافات المتباعدة يوماً بعد يوم بين تلك الأصولية بلغتها اللَّدُنِيَّة وبين الثقافة بمحتواها التداولي واحداً من ملامح أزمة الديني والثقافي في آن. فالديني هنا يمثل أعلى حالات الرفض لأي معرفة سوى المعرفة العقائدية باعتبار أن المرء لا يحتاج إلى المعرفة لكي يذهب إلى الجنّة، وكذلك لأن المعرفة قد تحرف الإيمان عن مساراته لأنها بنت السؤال، بينما الدين ابن التسليم.

ثلاث فتاوى
ولا أظن أن ثمة مفارقة كبيرة ستتبدى لنا إذا ما حاولنا قراءة المشهد ذاته عبر صورة المرأة «المجاهدة»، بما في ذلك صفاقة التواطؤات الغرائزية لما يسمي بـ«جهاد النكاح». فقد ظلت تلك الصورة رهناً لسلفية تكاثرت في رحمها المحظورات الدينية والاجتماعية على السواء، حتى أنها باتت تمثّل تلاعباً مقززاً بالنصوص والترجيعات الفقهية على مدى العصور. فما بين عامي 2015 و2017 صدرت ثلاث فتاوى من زعيم تنظيم «داعش» أولاها تبيح خروج المرأة للقتال، أما الثانية فتعيدها إلى خدمة الرجل، وتأتي الثالثة لتتراجع عن الثانية وتعيدها مرة أخرى إلى ميدان القتال. فأي دين بين تلك الأحاجي يمكن للمرء أن يختار؟! وأي جنسانية يمكن للمرء أن يتلمسها في خطاب يبدو تأنيثه مستحيلاً؟! هذا يعني بشكل ما أن تلك الثقافة لا زالت تنظر للمرأة باعتبارها جزءاً من الموارد الطبيعية لبلاد الإسلام أو إنها، بالمعني الفقهي، الحرث الذي جعله الله غيثاً لبذور لم تبذر بعد، وإن شئنا الدقة، مستودعاً لقنابل لم تنفجر بعد!
وإذا كانت الجنوسة تستدعي تراثاً نظرياً يرتبط بالحساسية العضوية، فقد أصبحنا نملك معتقداً يؤسس لفتاوى جديدة تقول ما لم تقله الأيديولوجيا. فمفاهيم مثل الكبت واللذة وإن لم يمثلا القراءة المركزية التي ينشدها التصور الداعشي للمرأة هنا. فإنه نال منها اللذة واستخدمها كأوعية لتفريغ الكبت عبر أكثر الصور بشاعة. ثم استغل تلك الحساسية العضوية، بما تنطوي عليه من رهافة وتحريمية، ضد فكرة الميلاد نفسها رغم أنها أرفع الصفات الأنثوية، وهو تصور قارَبَه «مرسيا إلياد» في كتابه «المقدس والعادي» عندما قال إن الحقيقة «الأم» التي تلد نفسها يمكنها أيضاً أن تأكل نفسها، وكان يساوي في ذلك بين فعل الأرض كأم كبرى والأم البشرية كأم صغرى، ورأى أن كليهما يعنيان حالة شعائرية ارتفعت لعشرات القرون إلى أسقف القداسة، لكنهما في الوقت نفسه كانتا أوسع من قبر لتاريخ من الأضاليل التي لم تنته بعد. وهكذا استحالت المرأة إلى كائن لا يشارك فحسب في خلق تناقضاته، بل أصبحت كائناً يعمل ضد طبيعته البيولوجية.

مثالية مفرطة
إن تلك الخبرة المفزعة التي ألبست المرأة صورة تفارق صورتها في معظم الثقافات لا تبدو فقط واحدة من الصور الغرائبية في عالمنا؛ لكنها فوق ذلك تبدو مفارقة للنزعة الإنسانية التي عرفتها الفلسفات التاريخية بما فيها الفلسفة الإسلامية التي توصم بالإفراط في المثالية. لكن الحقيقة تقتضي أيضاً الإقرار بأن المثالية الإسلامية التي أوقعت المرأة موقعاً شديد التناقض لا تختلف في ذلك عن قريناتها التوراتية والمسيحية. وقد دافعت نساء كثيرات عبر التاريخ عن المرأة مبدعة ومناضلة، لكن ذلك في واقع الأمر لم يكن تعبيراً عن تقدم مجتمعي أحرزته المرأة، بل كان تعبيراً عن الرغبة في ضرورة تحطيم تلك التناقضات. لذلك ظل الفقه في الميدان نصاً بلا منافس، وكان من واجب المجتمع كله، وليس المرأة وحدها، إماطة اللثام عن القصدية اللغوية لتلك الأقلية المهيمنة التي تلاعبت باللغة للسيطرة على الأغلبية المضطهدة ثم تعميق إقصائها.
إن التلاعب الداعشي بالنساء هو المكافئ الوحيد للتلاعب بالنصوص الدينية، ضمن تعريفات الوثنية الجديدة التي تضمن في النهاية استمرار السيطرة البطريركية عبر تلك المناهج التوحيدية التي استبعدت المكون الديني الأنثوي عبر إساءة قراءة الماضي. فالقراءة التاريخية تشير إلى أن الفقه المؤسسي قام بالعديد من الممارسات المزدوجة التي لم تكن تعبيراً عن حضور الشريعة قدر تعبيرها عن حضور السيطرة السياسية والاقتصادية المدعومتين بقائمة من التقاليد البالية. أما الأبوية التي يفرضها التصور الداعشي على المرأة فليست إلا فصلاً من فصول التجنيس كأعلى انتهاك ممكن لفكرة العدل. وبمرور الوقت تكيفت المرأة مع دورها كضحية وأصبحت هي نفسها تعارض أي تغيير يلحق بدورها.

الضحية والجلاّد
إن أعلى مراحل الخطر أن ترتدي الضحية زي جلادها استعداداً لِتَلَبُّس دوره والدفاع عنه فيما يسمى متلازمة «ستوكهولم»، وهو معنىً يطلق عليه علماء النفس أيضاً «رابطة الأَسْر أو الاختطاف». لكن الحالة الداعشية تبدو مختلفة أشد الاختلاف عن سابقاتها في تاريخ الإرهاب الذي مارسه الإسلام السياسي. فمن نافلة القول أن صناعة تلك الحالة تمت على أيدي أجهزة استخبارات دولية بهدف إعادة إنتاج مشروع التقسيم في العالم العربي، ويبدو أن ذلك لم يكن بعيداً عن الدعم الذي تلقاه التنظيم من جماعات حقوقية وراديكالية مثل تيار اليسار الجديد في أوروبا من منطلق أن الدولة التقليدية تواجه تيارات ثورية وليست إرهابية، وقد رفع الاشتراكيون الفابيون شعاراً دالاً في هذا السياق أعلنه كريس هيرمان هو «ضد الدولة دائماً.. مع الإسلام السياسي أحياناً». إن الأزياء التي يرتديها مقاتلو التنظيم وكذلك أزياء ضحاياه تبدو وكأنها حيكت بعناية تستهدف تسويق حالة مُعولمة عبر بث أعلى حالات الرعب لتحقيق فكرة التوحش، وكذلك تحويل التنظيم إلى مراتبية ترتقي إلى مصاف الدولة عبر طريقة بث أنبائها وعبر غرائبية طرق القتل التي تمارس ضد أناس يؤمنون بالمعتقد ذاته.
لقد ظلت وسائل الإعلام الغربية، ولا تزال، ترفض استخدام كلمة «داعش» لوصف التنظيم، بل تطلق عليه «تنظيم الدولة الإسلامية»! المقصود هنا بطبيعة الحال محاولة تقديم إعادة صياغة لنظام الاعتقاد عبر خلق فكرة عالمية تملك القدرة على غزو العديد من المناطق المستهدفة على اختلاف ثقافاتها وعاداتها. ورغم أن الحقائق المقدسة نفسها لم تستطع الاحتفاظ بروادعها التاريخية طويلاً فإن ثنائية التذكير والتأنيث ظلت تحتفظ بالكثير من بريقها في الثقافة العربية، حيث ينشط المفهوم الضمني للحياة الجنسية في مجتمعات تميزها العزلة، حيث يتعاظم دور النص الذكوري عبر قراءات كارهة، في جوهرها، للنساء. وفي الحقيقة فإن سيطرة «الفقه الأسود» على الفضاء العام، تذكيراً وتأنيثاً، لا يعني تحقق السيطرة الدينية بقدر ما يعني تحقق السيطرة السياسية، لأننا لم نر معنىً مختلفاً لتلك السيطرة سوى في ممارسة أعلى درجات التوحش في المدن التي سيطر عليها الدواعش، وذلك ضمن أكثر التطبيقات غلظة للكتاب الذي أصدره مُنَظِّر تنظيم القاعدة «أبو بكر ناجي» تحت عنوان «إدارة التوحش» ويخلص فيه إلى ضرورة تعميم أقصى درجات الفوضى في المدن المستهدفة، وعلى إثرها ستتولد الحاجة الماسة لدى السكان إلى الأمن، ساعتها لا بد من إدارة هذا التوحش ليستطيع التنظيم أن يحل محل السلطات المحلية.

وظيفة أيدولوجية
من هنا فإن أية قراءة «سسيو/‏ثقافية» لن تستطيع التغاضي عن التوقف أمام الوظيفة الأيدولوجية لخطاب الوثنية الجديدة. وهنا يشير الدكتور محمد حافظ دياب في كتابه «سيد قطب.. الخطاب والأيديولوجيا» إلى أن أية قراءة لهذا النوع من الخطابات لن تستطيع التغافل عن وظيفته الاجتماعية، ما يعني أن الخطاب الذي يقدم نفسه على أنه تمثيل لأعلى الخطابات الأخلاقية هو في حقيقته يمثل نزوعاً سياسياً عبر ذرائعية إيمانية كاذبة. وهنا أيضاً يقول المفكر المغربي سعيد بنسعيد في كتابه عن «الماوردي»: إن المسألة السياسية هي مسألة الممارسة النظرية بأكملها في تاريخ الإسلام، وفي هذا من يراه عملاً موجهاً ضد الدين، حيث لم يعرف العقل السياسي الإسلامي تلك القسمة أبداً». في الوقت نفسه يشير الكاتب التونسي رضا الزاوي في تحول الخطاب الإسلامي من العقيدة إلى السياسة إلى أن حادث «السقيفة» نفسه، رغم أنه بدا عقائدياً، فإن انسحاب النبي (ص) منه حوَّله إلى مجال سياسي، فانتقل من حيز العقيدة إلى حيز الاستيلاء على السلطة كإخضاع للكل الاجتماعي. وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على الفتنة الكبرى، حسب الزاوي، حيث ينقل عن معاوية قوله:«الأرض لله.. وأنا خليفة الله. فما أخذتُ فهو لي، وما تركته للناس فبالفضل مني»! ويقول رضا الزاوي إن معاوية هنا لم يؤسس لسلطة الحاكمية كوريث للنبي فحسب، بل كوريث لله أيضاً. وربما هذا ما أشار إليه «أوليفييه روا» عندما تحدث عن الأكاذيب الإيمانية لدى المجتمعات التي تبحث عن صيغة تطهرية للحياة، مشيراً إلى أن تلك المجتمعات لن يتحقق لها أي نوع من الاستقرار. ويبرر «روا» هذا التفسير في كتابه «الجهل المقدس» بأن الإنسان في تلك المجتمعات سيظل محل شك وريبة لأن المجتمع نفسه يتحول إلى مجتمع شك وريبة. وهي الفكرة نفسها التي استمرت في أوروبا بعد الحروب الدينية الطويلة وانتهت إلى أن الرعية لكي تثبت إخلاصها لا بد أن تعتنق ديانة عاهلها، وهو نفسه التصور الذي يعيد تنظيم داعش إنتاجه في المدن المستهدفة. لكن المجتمعات الأوروبية نفسها هي التي عادت وسمحت لمفكريها بارتياد آفاق واسعة من الحرية. تلك الآفاق التي سمحت لكارل ماركس بالقول إن الدين بنية فوقية لم تفعل أكثر من تعزيز البنية الطبقية، كما سمحت لـ نيتشه بالقول إن المسيحية هي ديانة العبيد، وسمحت كذلك لـ فرويد بأن يصف الدين بأنه عصاب وسواسي يصيب البشر، دون أن يعني ذلك أكثر من حتمية لتقويض البُنَى الدينية سياسياً وتعظيم دورها أخلاقياً، باعتبار أن إله الدين هو نفسه إله السياسة والعلم والأخلاق. وربما هذا ما تفتقده لغتنا التي تطمح إلى تحطيم تلك الوثنية، وأنَّى لها ذلك؟!

أرقام مخيفة
في بحث إحصائي عن تعليم الإناث في الدول العربية صدر قبل سنوات قليلة، ترصد الدكتورة رفيقة سليم بعض الإحصائيات الدالة في هذا السياق. فقد أيد 66% من طالبات جامعة القاهرة عودة المرأة إلى البيت، وفي البحرين أيدت 50% من الطالبات حق الرجل في أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة حتى لو كان مخطئا، وفي دراسة أجريت في مصر أيد 92% من النساء حق الزوج في معاقبة زوجته. أما أطرف تلك الحوادث، فقد نشرتها جريدة «الأهرام» في العام 2006 عندما رفض طلاب إحدى المدارس، في مدينة الأقصر جنوب القاهرة 700 كلم؛ الانصياع لفوز طالبة برئاسة اتحاد الطلاب، ما اضطر مدير المدرسة إلى طلب الشرطة لإجبار الطلبة على الامتثال!