الملحق الثقافي

المرأة والكلاشينكوف

لقطة من مقطع فيديو بثه تنظيم «داعش» يظهر إرهابية جزائرية بين مجموعة من المقاتلين (أرشيفية)

لقطة من مقطع فيديو بثه تنظيم «داعش» يظهر إرهابية جزائرية بين مجموعة من المقاتلين (أرشيفية)

حتى أمد قريب كنا نعتقد أن الإرهاب شيء محصور بالرجال فقط. وما كان يخطر على بالنا أن المرأة يمكن أن تكون إرهابية. كنا نأنف من تصديق ذلك لأسباب عديدة أولها أن المرأة كائن حسّاس، عاطفي، مفعم بمشاعر الحنان والأمومة. وثانيها أن الجنس اللطيف ضعيف بطبعه وغير ميال لأعمال القسوة والقوة والعنف. وثالثها هو أن المرأة أبعد ما تكون عن اليقينيات المتشددة والأيديولوجيات الدينية القائمة على اعتقادات صارمة وقطعية.

اكتشفنا فجأة أن النساء الداعشيات حقيقة واقعة، بل وعددهن أكبر بكثير مما كنا نظن. في الواقع ما كان ينبغي أن نفاجأ بذلك لسبب بسيط، هو أنه بقدر ما يوجد «إخوان مسلمون» توجد أخوات مسلمات أيضاً! وهذا منذ بدايات تأسيس الجماعة الشريرة عام 1928 أو بعد ذلك بقليل. بل وكان الإرهاب ظاهرة نسائية حتى في أوروبا المتطورة ذاتها. ولكنه كان ذا خلفية أيديولوجية يسارية لا يمنية دينية. هل نسينا ما حصل في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في فرنسا وألمانيا وإيطاليا.. إلخ..؟ هل نسينا منظمة العمل المباشر الفرنسية، أو الألوية الحمراء الإيطالية، أو بادر ماينهوف الألمانية؟ هل نسينا مصرع القائد الحكيم ألدو مورو عام 1978 على أيدي هذه الجماعات المجرمة التي أعمتها الأدلجات العمياء الماركسية - اللينينية؟

يسار ويمين
الكثير من أعضاء تلك المنظمات كانوا نساء شابات متحمسات ومندفعات أشد الاندفاع إلى الانخراط في أعمال العنف والاغتيالات والتفجيرات. وكل ذلك باسم الدفاع عن القضية! فقط اختلفت الأيديولوجيا التبريرية. فبدلاً من أن كانت يسارية متطرفة أصبحت يمينية متطرفة. فنساء داعش قادرات أيضاً على القتل والاغتيال باسم «القضية المقدسة» التي لم تعد بروليتارية وإنما داعشية. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني ما يلي: عندما يقتنع المرء، رجلاً كان أم امرأة، بعقيدة ما ويكون مفعماً بها حتى الهوس فإنه يصبح مستعداً لأن يقتل ويُقتل من أجلها. والمرأة إنسان
في نهاية المطاف. بمعنى أنها قادرة على الانصهار العاطفي الأعمى بعقيدة ما تماماً مثل الرجل. وعندما تستولي هذه العقيدة على مخيلتها وتتغلغل إلى أعماق نفسها فإنها تصبح مستلبة من قبلها تماماً كالرجل سواء بسواء. ولكن بشكل عام نلاحظ أن الباحثين أو المثقفين يختزلون المرأة إلى أنوثتها وجاذبيتها ويهملون إمكانية تشبثها بالقناعات الراسخة وتحولها إلى وحش أيديولوجي شديد الخطورة. وهذا خطأ كبير.
صحيح أن عدد النساء المنخرطات في صفوف داعش أقل من عدد الرجال. ولكن الإحصاءات الدقيقة أثبتت مؤخراً أن النسبة كبيرة حتى بخصوص بلد علماني متقدم وغير مسلم كفرنسا مثلاً. فيبدو أن العدد يصل إلى حوالي الثلاثمائة امرأة جهادية.
وكن قد غادرن فرنسا إلى سوريا والعراق بغية الالتحاق بداعش والمشاركة في الجهاد. وكلهن يحملن الجنسية الفرنسية. معظمهن بالطبع من أصول عربية إسلامية أو مغاربية تحديداً ولكن ليس كلهن.

إميلي الداعشية
فهناك مثلاً جهادية فرنسية قحة اسمها إميلي كوينغ. وهي من منطقة البريتانيا الخضراء الجميلة الواقعة غرب فرنسا عموماً. وعمرها 33 سنة. وهي أول امرأة مسجلة على القائمة السوداء للإرهابيات العالميات. وقد شاءت الظروف أن تقع في أيدي القوات الكردية السورية في شهر ديسمبر من عام 2017. وماذا تفعل الآن؟ إنها تطالب بعودتها إلى فرنسا. فدولة داعش العزيزة على قلبها سقطت، والرقة حررت، وكذلك الموصل. وبالتالي فقد خابت كل آمالها وانهارت كل «قضيتها المقدسة» التي هي في الواقع قضية شيطانية تسيء إلى قداسة الدين الحنيف أيما إساءة.
وربما أدركت مدى خطأها في الانضمام إلى حركة إجرامية كداعش. ربما شعرت أنهم غرروا بها أو ضحكوا عليها أو دجنوها تدجيناً وحشوا عقلها حشواً بالخرافات والأفكار المريضة. ربما حصل كل ذلك ولكن بعد فوات الأوان. وهكذا خسرت بلدها ومستقبلها وإنسانيتها. هذا هو معنى العمى الأيديولوجي. إنه يفقدك كل إمكانياتك العقلية والنقلية. إنه ينوّمك مغناطيسياً ويستلبك عقلياً. فإذا كنت شخصاً ضعيف الشخصية أو هشاً من الناحية النفسية فإنه يسهل على قادة الجماعات الدينية المحترفين أن يسيطروا عليك ويوجهوك الوجهة التي يريدونها.
وإلا فكيف يمكن أن نفسر انضمام امرأة تنتمي إلى أحدث المجتمعات وأكثرها تقدماً ورقياً وازدهاراً إلى منظمة وحشية متخلفة كداعش؟
إنها لكيمياء عجيبة غريبة مسألة الانبهار المؤدلج بعقيدة ما. إنها تأخذ عليك أقطار نفسك فلا تعود ترى سواها.
وهذا هو الاستلاب العقلي بالمعنى الحرفي للكلمة. إنك تصبح منوّم مغناطيسياً ولا تعود أنت أنت كما قال الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في كتاب: «سيكولوجية الجماهير». وقد كان لنا شرف ترجمته أيام زمان. فالإنسان يصبح منخرطاً في الجمهور الذي يشبه القطيع ولا تعود له إرادة شخصية، يصبح مستلب الإرادة. وإذا كانت الأيديولوجيا دينية كما هي عليه حالة داعش وجماعات الإخوان المسلمين وبقية الأصوليين المزمجرين فإنك تنسى عقلك كليا وتذوب في القطيع.

صفاء وخولة
ماذا يدفع شابة فرنسية في عز الشباب، 33 سنة، لأن تغادر أجمل مناطق العالم وكل الرفاهية ورغد العيش لكي تلتحق بجحيم داعش؟
وقل الأمر ذاته عن أصغر إرهابية في بريطانيا صفاء بولار 18 سنة. فقد كانت تخطط مع أمها وأختها وصديقة العائلة خولة البرغوثي لشن هجوم على المتحف البريطاني المزدحم بالبشر. وكن مصممات على استخدام السكاكين الكبيرة والقنابل اليدوية والمسدسات لقتل أكبر عدد ممكن من الناس. وكلهن نساء! لحسن الحظ فإن السلطات البريطانية ألقت القبض عليهن قبل ارتكاب الجريمة المروعة.
على أي حال فالآن «راحت السكرة وجاءت الفكرة» كما يقول المثل العربي. صحّ النوم أيها الجهاديون والجهاديات! فـ«دولة الخلافة» السوداء سقطت إلى غير رجعة.
ولذا فإن الجهاديات العربيات أو من أصل عربي يردن العودة إلى فرنسا بأي شكل، والاستمتاع بثمار بلد حديث يؤمن لك ولأطفالك الضمان الصحي والضمان الاجتماعي والحد الأدنى من الأكل والشرب. وهذا ليس بالقليل. وهو ما تتأسف عليها الجهاديات العربيات حالياً.
ذلك أنه على الرغم من التهميش والاحتقار إلا أن فرنسا تبقى بلداً حضارياً يؤمن لك أشياء كثيرة لا وجود لها في الجنة الداعشية!

«كاميكازيات» الموصل
وهناك خطأ آخر يرتكبه المثقفون عموماً ألا وهو: الاعتقاد بأن المرأة دائماً ضحية على عكس الرجل. وبالتالي فلا يمكن أن تكون معتدية أو إرهابية. لا يستطيع هؤلاء الباحثون أن يتخيلوا مدى خطورة المرأة الداعشية وبخاصة إذا لم تكن قد انخرطت بشكل مباشر في المعارك الحربية. ولكن هؤلاء السذج لا يفهمون الحقيقة التالية: وهي أن المرأة ليست بحاجة إلى كلاشينكوف لكي تكون خطرة! فهناك طرق عديدة لممارسة العنف غير ذلك. نقول ذلك وبخاصة أن الدولة الداعشية تقوم بتوزيع الأدوار بين الجنسين وتعترف بالتكامل بينهما لا التطابق. فهي تحدد للرجال بعض المهام الحربية وللنساء بعض المهام الأخرى غير الحربية المتناسبة مع طبيعتهن. ولكن عندما تحز الحزة وتحتدم الأمور فإنهم يأمرون المرأة بحمل السلاح وممارسة العنف الدموي مباشرة.
نضرب على ذلك مثلاً ما حصل عندما حُشرت داعش في الزاوية إبان المراحل الأخيرة من معركة الموصل. فقد لجأت عندئذ إلى استخدام النساء كـ«كاميكازيات» انتحاريات لأنه لم يعد لديهم العدد الكافي من الرجال للقيام بذلك. وفعلا فقد فجرن أنفسهن ضد «العدو» بكل حماسة لأنهن يحملن نفس القناعات الراسخة.

زارعات الأفكار
نضيف إلى كل ذلك ما يلي: إن الخطر الداعشي لا يتجسد فقط في أعمال العنف والتفجير. فالمرأة قد تلعب دوراً خطراً جداً من دون أن تمارس التفجير شخصياً. كيف؟ عن طريق بث الأفكار الداعشية فيما حولها. وقد أثبتت الدراسات الميدانية مؤخراً أن المرأة قد تكون السبب الأول المؤدي إلى زرع الأفكار الظلامية المتطرفة في ذهن الزوج، أو الأخ، وبالأخص الابن. وبالتالي فالمرأة يمكن أن تكون خطرة فعلا من دون كلاشينكوف. إنها تمارس خطرها وتعصبها بعيداً عن الأنظار فيما وراء الكواليس. وليست بحاجة إلى تفجير نفسها على طريقة «الكاميكاز» لكي تكون خطرة. ولكن إذا دعت الضرورة فإنها تفجر نفسها في صفوف العدو كما ذكرنا آنفا. فكل شيء يهون في سبيل «القضية الشيطانية». «والجود بالنفس أقصى غاية الجود» كما يقول الشاعر العربي.
لحسن الحظ فإن فرنسا انتبهت مؤخراً لخطورة الدور الذي تلعبه النساء الداعشيات في العمليات الإرهابية. ولذلك أصبحت تعتقل الجهاديات العائدات من سوريا بعد سقوط دولة داعش.

السيجارة القاتلة
في الماضي كانت تستهين بدور المرأة ولا تركز إلا على الرجال. ولكنها أدركت خطأها بعد محاولة ثلاث جهاديات تفجير كنيسة نوتردام الشهيرة الواقعة في وسط العاصمة الفرنسية. وهي أشهر كنيسة في فرنسا وتعادل الجامع الأموي في دمشق، أو الجامع الأزهر في القاهرة، أو جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي. وبالتالي فمكانتها الرمزية ضخمة بالنسبة للفرنسيين. وبما أن الدواعش يكرهون الأديان الأخرى وبخاصة المسيحية فقد قرروا أن يضربوا ضربة كبيرة ويجرحوا فرنسا في العمق. في الواقع أن النساء الداعشيات كن في البداية يردن ضرب برج إيفل الذي يمثل الرمز الباريسي الأعظم، ولكن نظراً لاستحالة الاقتراب منه بالسيارة فقد قررن ضرب كنيسة نوتردام. وهناك وضعن سيارة «البيجو» المليئة بقناني الغاز بالقرب من الكنيسة وأشعلن سيجارة في القناني الغازية وهربن سريعاً من المكان بانتظار الانفجار الكبير. ولكن لسوء حظهن فإن السيجارة انطفأت قبل إشعال الغاز. وهكذا فشلت المحاولة. وعندئذ قررن تفجير محطة ليون الشهيرة للقطارات ولكن المحاولة فشلت أيضا. وعندما حاصرهن البوليس أخيراً أخرجن السكاكين الطويلة من تحت عباءاتهن السوداء واستطعن جرح أحد رجال الشرطة في الكتف. ولكن الآخرين أطلقوا عليهن النار في الأسفل لتحييدهن دون قتلهن. وبعدئذ تم الاستجواب الكبير وعرف المحققون أن النسوة مارسن الجهاد في سوريا لصالح القوى المتطرفة. وبعد التحقيق صرح المدعي العام لباريس فرانسوا مولينس قائلاً: إنهن شرسات حقا. إنهن مشبعات بأفكار داعش القاتلة. ثم يقولون لك بعد كل ذلك بأن المرأة ليست خطرة وأنها ضعيفة بطبيعتها؟ ولكن كل هذا هراء. فالمرأة الداعشية لا تقل خطورة عن الرجل الداعشي. نقطة على السطر. والعقيدة الدينية اللاهوتية الظلامية تعميها كلياً مثل الرجل وربما أكثر. وعندما يجيئها أمر بقتل شخص ما فإنها ستقتله حتما إذا استطاعت. ويبدو أن هؤلاء النسوة كن على اتصال برشيد قاسم الجهادي الشهير الذي يقاتل في صفوف داعش في سوريا. وقد قتل بالقرب من الموصل يوم 10 فبراير من عام 2017.
وبعد انكشاف العملية قال المحققون بأن فشل تفجير كنيسة نوتردام كان بمثابة المعجزة. فهل حمتها البركة الإلهية يا ترى؟

سلاح الحجاب
على أي حال لقد أثبتت التجربة التاريخية أن المرأة يمكن أن تكون خطرة كالرجل بل وذات تصميم أقوى منه في بعض الحالات.
فنساء الألوية الحمراء في إيطاليا، أو العمل المباشر في فرنسا، أو بادر ماينهوف في ألمانيا، كن يقتلن بالمسدسات وبدم بارد الشخصيات الفرنسية والإيطالية والألمانية. وهي شخصيات تعتبرها تلك التنظيمات الماركسية/‏‏ اللينينية المتطرفة رأسمالية. وبالتالي فهي عدو طبقي تنبغي تصفيته بأي شكل بغية إسقاط الرأسمالية وحلول عهد الثورة البروليتارية العالمية.
هكذا نلاحظ أن العمى الأيديولوجي سواء أكان يمين متطرف أم يسار متطرف يؤدي إلى الكوارث. ولكن الفرق الوحيد بين الحالتين هو أن تنظيمات اليسار المتطرف ما كانت تستهدف المدنيين بشكل عشوائي كيفما اتفق كما يفعل الدواعش وإنما فقط الشخصيات الرأسمالية الكبيرة. أما عهد الجهاديات أو الانتحاريات والمقاتلات الداعشيات فمختلف.
فقد تحول حجابها الكامل أو عباءتها السوداء إلى سلاح فعال تخفي تحته قنابلها التي تفجرها في التجمعات البشرية فتقتل العشرات من المدنيين الأبرياء دون أن يرف لها جفن!

سيكولوجية الجماهير
حقق كتاب «سيكولوجية الجماهير» للطبيب والمؤرخ والفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون (1841 1931)، سمعة علمية عالية، وفيه يقدم دراسة شاملة عن الجماعات وطبيعتها وكيفية توجيهها من قبل السلطة سواء كانت سلطة إعلامية، سياسية، اجتماعية… إلخ.
ويعتبر هذا الكتاب الأسبق بدراسته لعلم النفس بطريقة تحليلية من وجهة نظر اجتماعية، حيث إنه لا يقتصر على دراسة سلوك الفرد، نموه ومشاكله، لذلك يطلق على هذا العلم مصطلح «علم النفس الاجتماعي»، والذي من أهدافه دراسة سلوك الفرد داخل المجتمع ومدى انسجامه معه وطبيعة الصراع الذي يعيشها هذا الفرد، لنصل إلى حقيقةٍ مفادها أن علم النفس الفردي وعلم النفس الاجتماعي ما هما إلا مكملين لبعضهما، حيث إنهما في حالة تداخل وتنافر في آن واحد ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنهما أضداد.
وقد صنّف لوبون الأشخاص الذين ينتمون إلى جمهور معين أنهم هامشيون وشاذون عن المجتمع، كالذين يعانون نقصاً في الانتماء، فيلجأون للانتماء إلى فريق، حيث يسميهم لوبون «القطيع، الرعاع»، وغيرها من المسميات التي تنتقص منهم.