ثقافة

الكتاب المسموع.. الأذن تقرأ قبل العين أحياناً

عبير زيتون (دبي)

اتسعت في الآونة الأخيرة ظاهرة انتشار«الكتاب المسموع»، أو «الصوتي»، وتوسعت معه المكتبات الإلكترونية على فضاء «التطبيقات الذكية» مع التطور التكنولوجي الرقمي المعاصر، كقيمة معرفية قرائية جديدة قادرة عبر حاسة «السمع» أن تجعل إنسان اليوم يتذوق أمهات الكتب، وتحصيل علوم العصر، ومعارفه، بمجرد الضغط على زر صغير، ووضع سماعة صغيرة في الأذن.
في الوقت ذاته، تجاوزت نظريات التلقي والقراءة «ما بعد الحداثة» كالبنيوية والتفكيكية والسيميائية، وغيرها من المدارس الفلسفية بسياقاتها الثقافية والنقدية، الكثير من معايير، وقيم القراءة النموذجية السائدة والتقليدية، وسعت بهدف تجسير الهوة العميقة بين النص وارتباطاته الإنسانية العميقة، إلى تحرير النص وفك أسره من القراءات المقيدة التي تطوق معانيه، ودعت إلى القراءة التكاملية التي: «تفرض على القارئ، أن ينظر إلى النص بكل العيون لا بعين واحدة، وأن يتحسس النص بكل الحواس لا بحاسة واحدة، فالقراءة وفق منهجها، تبصر بعيونها عيون النص، وتدرك بوعيها وعي النص».
فأين نقف - نحن قراء التقنية - اليوم بين المنزلتين: القراءة بحاسة السمع عبر الكتاب الصوتي أو المسموع؟ ومكانة الصوت في تحقيق تكامل الحواس المنشود مع فعل القراءة التكاملية؟

الصوت عامل جاذب
تقول د. موزة آل علي (الإمارات): الكتاب الصوتي لا يغني عن الكتب المطبوعة ولكنه يعد إضافة معرفية جيدة، حيث يمكننا التنويع بين الكتب الصوتية والكتب المطبوعة، وهذا يدفعني للحديث عن مزايا الكتاب الصوتي والتي تكمن بالدرجة الأولى في سهولة حمله، والاستماع إليه أثناء أداء عمل آخر كقيادة السيارة، وركوب الحافلة.. إلخ، وهذا يمكننا من استثمار الوقت الضائع في زحمة الحياة.
وتضيف: الكتاب الصوتي يفيد شرائح المجتمع عامة، لاسيما تلك الشريحة من المجتمع التي لا تهوى قراءة الكتب، فقد يكون الكتاب الصوتي بديلاً ناجحاً لهذه الفئة. تبقى هناك قضية مهمة جداً يجب الانتباه لها وهي التقنيات الاحترافية للقارئ، فالصوت قد يكون عاملاً جاذباً أو منفراً للمتلقي، لذا لا بد من حسن انتقاء القارئ الجيد ذي الصوت الواضح مع مراعاة طبقات الصوت حسب الجمل والعبارات؛ حتى لا يشعر المتلقي بالملل أو السأم.
من جانبها، ترى د. أسماء معيكل (ناقدة وروائية سوريّة) أن «الكتاب المسموع استكمال لخط سير قديم أسهم التطور التكنولوجي المتسارع في العصر الحديث في تعميقه، إذ لم يغفل تراثنا العربي القديم عن هذه الظاهرة، فقد جرى الحديث عن تراسل الحواس بوصفه مصطلحاً بلاغياً يعني التعبير بحاسة من الحواس بدلاً من حاسة أخرى كالتعبير بالسمع بدلاً من البصر، واستدل على ذلك بما ورد في القرآن الكريم من تراسل الحواس، وأكد هذه الظاهرة الشعر العربي قديمه وحديثه.
واعتماداً على تراسل الحواس ابتكر «زين الدين الآمدي » الحروف النافرة ليساعد المكفوفين على القراءة بطريقة اللمس في القرن السابع الهجري، وبعد ستمئة عام جاء العالم الفرنسي «لويس برايل» ليطور فكرة الآمدي، ويقدم ما يُعرف اليوم بطريقة برايل للمكفوفين. وإذن فالكتاب المسموع هو نتاج طبيعي للجهود السابقة، واستثمار فعال للتقدم التكنولوجي، والحال هذه فإن الكتاب المسموع لم يعد اليوم حاجة لأصحاب الهمم وذوي الاحتياجات الخاصة، بل هو ضرورة للجميع، ويتيح فرصة القراءة لأي شخص سواء أكان مبصراً أو غير مبصر، أمّيّاً أو متعلماً، وفي أي مكان، ذلك أنه لا يحتاج لشروط القراءة البصرية التي تقتضي تركيز النظر والجهد العقلي.
أما د. سعاد العنزي (أستاذ النقد الأدبي -الكويت) فتقول: لا يخفى على أحد أهمية الاستفادة من التقنيات الجديدة في تمكين الإنسان المعاصر من المعرفة والأدب والثقافة بطرق متعددة سهلة ويسيرة. ويظهر الكتاب الصوتي كواحد من هذه القنوات المتعددة التي تيسر عملية القراءة. وحقيقة أنا أراه أمراً جيداً أن يتمكن الإنسان من الوصول إلى المعرفة من خلال الاستماع للكتاب في الأوقات التي لا يستطيع أن يجلس للقراءة، فبينما هو ذاهب للعمل، أو يعمل شيئاً يدوياً يستطيع أن يستثمر هذا الوقت في الاستماع والاستمتاع بمحتوى معرفي مفيد وهادف. كما أن هناك فئات مكفوفة يلبي هذا النوع من الوسائط حاجاتها، ولا ننسى من تمنعه ظروفه الصحية من القراءة كضعف النظر وغيرها من المشاكل الصحية. ولا شك أنه يساعد الأطفال وكبار السن على الوصول إلى الكتاب من دون صعوبة. ولكن هذا الوضع الافتراضي يقودنا لتأمل حال الكتاب المسموع في الوطن العربي، هل نجحت المكتبة العربية بتزويد كتب صوتية غنية وقيمة وهادفة ومشوقة وممتعة؟ لا أعتقد ذلك.
ويشير د. مشتاق عباس معن (دكتوراه في كلية اللغات جامعة صنعاء) إلى أنه «نُقل عن سارتر في آخر لقاء له نشرته مجلة ديرشبيغل الألمانية بعد وفاته، أنّ المستقبل ليس للفلسفة وإنما للسيبرناتية، وهي علم التحكم الآلي الذي به نتج الكمبيوتر، وبعد مدة وجيزة ظهر الكمبيوتر، ثم منافذه الأثيرية –الإنترنت- ليتحقق توقّع سارتر، إذ وقفت أغلب الفلسفات والمناهج عاجزة عن تشغيل وظائفها التأملية والتحليلية حيال معطيات عالم الآنفوميديا؛ لأنّها جعلت من الحرف ليس سيداً للنص كما في النص الورقي، بل أضحى معه مستوى بنائياً تجاوره المستويات: الصوتية والبصرية والحركية والتقنية، وكذا العين لم تعدّ الحاسة الأثيرة في قراءة النص، بل استبدل بها الأذن، فكان الكتاب المسموع نتاجاً طبيعياً لتحوّل الوسيط الناقل بقابلياته الحركية المشاركة، فهو وليد الثورة الجديدة بعماديها: اقتصاد المعرفة والتفاعلية».